وقبل أن أختم الحديث عن علة ثبوت وصف الشرك قبل بلوغ الحجة أعرض لقضية هي قوية الصلة وشديدة الارتباط بها ليكمل البيان: وهي قضية التحسين والتقبيح العقلي للأفعال قبل بلوغ الشرائع وهناك ثلاث مذاهب في هذه المسألة -طرفان وواسطة-.
المذهب الأول: أن الأفعال يثبت لها وصف القبح والحسن ويترتب عليها العقاب قبل الرسالة.
المذهب الثاني: أن الأفعال لا توصف بحسن ولا قبح ولا يترتب عليها عقاب قبل الشرائع.
_________________
(١) هذا حكم أهل الفترات في الدنيا أنهم لا يعاقبون وكذلك في الآخرة لا يعذبون ولا ينعمون حتى يمتحنوا فيظهر علم الله -جل ثناؤه- فيهم، فمن أطاع دخل الجنة، ومن أبى دخل النار كما جاءت بذلك الآثار.
[ ٤٤ ]
المذهب الثالث: وهو -قول جماهير أهل السنة- أن الأفعال توصف بقبح. وبحسن قبل الشرائع والعقاب لا يكون إلا بعد إقامة الحجة.
قال ابن تيمية وأيضًا: فالاستغفار والتوبة مما فعله وتركه في حال الجهل قبل أن يعلم أن هذا قبيح من السيئات، وقبل أن يرسل إليه رسول، وقبل أن تقوم عليه الحجة، فإنه -سبحانه- قال: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا). وقد قال طائفة من أهل الكلام والرأي: إن هذا في الواجبات الشرعية غير العقلية، كما يقوله من يقول من المعتزلة وغيرهم من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم مثل أبي الخطاب وغيره. على أن الآية عامة لا يعذب الله أحدًا إلا بعد رسول. وفيها دليل على أنه لا يعذب إلا بذنب خلافًا لما يقوله المجبرة أتباع جهم: أنه -تعالى- يعذب بلا ذنب، وقد تبعه طائفة تنتسب إلى السنة كالأشعري وغيره وهو قول القاضي أبي يعلى وغيره وقوله (١): (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ). وما فعلوه قبل مجيء الرسل كان سيئًا وقبيحًا وشرًا لكن لا تقوم عليهم الحجة إلا بالرسول. هذا قول الجمهور.
وقيل: إنه لا يكون قبيحًا إلا بالنهي وهو قول من لا يثبت حسنًا ولا قبيحًا إلا بالأمر والنهي، كقول: جهم والأشعري ومن تابعه من المنتسبين إلى السنة وأصحاب مالك والشافعي وأحمد: كالقاضي أبي يعلى وأبي الوليد الباجي وأبي المعالي الجويني وغيرهم.
والجمهور من السلف والخلف على أن ما كانوا فيه قبل مجيء الرسول من الشرك والجاهلية كان شيئًا قبيحًا وكان شرًا، لكن لا يستحقون العذاب إلا بعد مجيء الرسول، ولهذا كان للناس في الشرك والظلم والكذب والفواحش ونحو ذلك ثلاثة أقوال: قيل: إن قبحها معلوم بالعقل وأنهم يستحقون العذاب على ذلك في الآخرة وإن لم يأتهم رسول كما يقوله: المعتزلة وكثير من أصحاب أبي حنيفة وحكوه، عن أبي حنيفة نفسه، وهو قول أبي الخطاب وغيره. وقيل لا قبح ولا حسن ولا شر فيهما قبل الخطاب وإنما القبيح ما قيل فيه: لا تفعل والحسن ما قيل فيه: افعل، أو ما أذن في فعله كما تقوله الأشعرية ومن وافقهم من الطوائف الثلاث. وقيل: إن ذلك سيء وشر وقبيح قبل مجيء الرسول لكن العقوبة إنما تستحق بمجيء الرسول وعلى هذا عامة السلف وأكثر المسلمين وعليه يدل الكتاب والسنة فإن فيهما بيان أن ما عليه
_________________
(١) الملك: ٨.
[ ٤٥ ]
الكفّار هو شر وقبيح وسيء قبل الرسل وإن كانوا لا يستحقون العقوبة إلا بالرسول. وفي الصحيح أن حذيفة قال: يا رسول الله -ﷺ- إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: "نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها". وقد أخبر الله تعالى: عن قبح أعمال الكفار قبل أن يأتهم الرسول كقوله لموسى: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) وقال: ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ ) إلى قوله: ( إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ). فهذا خبر عن حاله قبل أن يولد موسى وحين كان صغيرًا قبل أن يأتيه برسالة أنه كان طاغيًا مُفسدًا قال -تعالى-: (
يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ). وهو فرعون فهو إذا ذاك عدو الله ولم يكن جاءته الرسالة بعد. وأيضًا أمر الله الناس أن يتوبوا ويستغفروا مما فعلوه فلو كان: كالمباح المستوى الطرفين والمعفو عنه وكفعل الصبيان والمجانين، ما أمر بالاستغفار والتوبة. فعلم أنه كان من السيئات القبيحة لكن الله لا يعاقب إلا بعد قيام الحجة وهذا كقوله -تعالى-: (الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ، أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ، وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ ). وقوله -تعالى-: ( أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ). وقال: (إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ). -إلى قوله-: (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ، يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ ). فدل: على أنها كانت ذنوبًا قبل إنذاره إياهم. وقال عن هود: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ). -إلى قوله-: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ). فأخبر: في أول خطابه أنهم مفترون بأكثر الذين كانوا عليه كما قال لهم في الآية الأخرى: (أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم) وكذلك قال لوط لقومه: (أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ). فدل: على أنها كانت فاحشة عندهم قبل أن ينهاهم، بخلاف من يقول: ما كانت فاحشة ولا قبيحة ولا سيئة حتى نهاهم عنها وهكذا إبراهيم الخليل قال: ( يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا).
فهذا توبيخ على فعله قبل النهي وقال أيضًا: ( إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا). فأخبر: أنهم يخلقون إفكًا قبل النهي وكذلك قول الخليل لقومه: (مَاذَا تَعْبُدُونَ، أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ). فهذا كله يبين قبح ما كانوا عليه قبل النهي وقبل إنكاره عليهم
[ ٤٦ ]
فلولا أن حسن التوحيد وعبادة الله -تعالى- وحده لا شريك له وقبح الشرك ثابت في نفس الأمر معلوم بالعقل لم يخاطبهم بهذا إذ كانوا لم يفعلوا شيئًا يذمون عليه بل كان فعلهم كأكلهم وشربهم وإنما كان قبيحًا بالنهي، ومعنى قبحه: كونه منهيًا عنه، لا لمعنى فيه، كما تقوله: المجبرة. وأيضًا ففي القرآن في مواضع كثيرة يبين لهم قبح ما هم عليه من الشرك وغيره بالأدلة العقلية ويضرب لهم الأمثال وقد قال -تعالى-: (أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ). وقال: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ ). وقال: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ). فهذا وإن كان قال الصحابة والتابعون: إن كل عاص فهو جاهل كما قد بسط في موضع آخر فهو متناول لمن (١) يكون علم التحريم أيضًا فدل: على أنه يكون عاملًا سوءًا وإن كان لم يسمع الخطاب المبين المنهي عنه، وأن يتوب من ذلك فيغفر الله له ويرحمه، وإن كان لا يستحق العقاب إلا بعد بلوغ الخطاب وقيام الحجة.
وإذا كانت التوبة والاستغفار تكون من ترك الواجبات وتكون مما لم يكن عُلم أنه ذنب نبين كثرة ما يدخل في التوبة والاستغفار فإن كثيرًا من الناس إذا ذكرت التوبة والاستغفار يستشعر قبائح قد فعلها بالعلم العام أنها قبيحة: كالفاحشة والظلم الظاهر: فأما ما قد يتخذ دينًا فلا يعلم أنه ذنب إلا من علم أنه باطل كدين المشركين وأهل الكتاب المبدل فإنه مما تجب التوبة والاستغفار منه وأهله يحسبون أنهم على هدى وكذلك البدع كلها
فهذا القسم الذي لا يعلم فاعلوه قبحه قسم كثير من أهل القبلة وهو في غيرهم عام وكذلك ما يترك الإنسان من واجبات لا يعلم وجوبها كثيرة جدًا ثم إذا علم ما كان قد تركه من الحسنات من التوحيد والإيمان وما كان مأمورًا بالتوبة منه والاستغفار مما كان سيئة والتائب يتوب مما تركه، وضيعه، وفرط فيه من حقوق الله تعالى، كما يتوب مما فعله من السيئات. وإن كان قد فعل هذا وترك هذا قبل الرسالة فبالرسالة يستحق العقاب على ترك هذا وفعل هذا. وإلا فكونه فاعلًا للسيئات المذمومة وتاركًا للحسنات التي يذم تاركها كان تائبًا قبل ذلك كما تقدم، وذكرنا "القولين" قول من نفى الذم والعقاب، وقول من أثبت الذم والعقاب.
_________________
(١) هكذا في الأصل والسياق يقتضي "لمن يكون لم يعلم التحريم".
[ ٤٧ ]
فإن قيل: إذا لم يكن معاقبًا عليها فلا معنى لقبحها، قيل: بل فيه معنيان (أحدهما): أنه سبب للعقاب، لكن هو متوقف على الشرط وهو الحجة: (وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا). فلولا إنقاذه لسقطوا ومن كان واقفًا على شفير فهلك، فهلاكه موقوف على سقوطه بخلاف ما إذا بان وبعد عن ذلك فقد بعد عن الهلاك. فأصحابها كانوا قريبين إلى الهلاك والعذاب.
(الثاني): أنهم مذمومون منقوصون معيبون، فدرجتهم منخفضة بذلك، ولا بد ولو قدر أنهم لم يعذبوا لا يستحقون ما يستحقه السليم من ذلك من كرامته أيضًا وثوابه، فهذه عقوبة بحرمان خير، وهي أحد نوعي العقوبة -إلى أن قال في ص: ٦٩٠ -: وقد جمع الله بين التوحيد والاستغفار في غير موضع كقوله -سبحانه-: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ). فالمؤمنون يستغفرون مما كانوا تاركيه قبل الإسلام من توحيد الله وعبادته، وإن كان ذلك لم يأتهم به رسول بعد كما تقدم (١) اهـ.
وقال أيضًا ﵀: وقد فرق الله بين ما قبل الرسالة وما بعدها في أسماء وأحكام، وجمع بينهما في أسماء وأحكام، وذلك حجة على: الطائفتين على من قال: إن الأفعال ليس فيها حسن ولا قبح، ومن قال: أنهم يستحقون العذاب على القولين.
أما الأول فإنه سماهم ظالمين وطاغين ومفسدين، لقوله: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى). وقوله: (وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ )، وقوله: ( إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ). فأخبر: أنه ظالم، وطاغ، ومفسد هو وقومه، وهذه أسماء ذم الأفعال، والذم إنما يكون في الأفعال السيئة القبيحة، فدل ذلك على أن الأفعال تكون قبيحة مذمومة قبل مجيء الرسول إليهم، لا يستحقون العذاب إلا بعد إتيان الرسول إليهم، لقوله: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا). وكذلك أخبر عن هود أنه قال لقومه: ( إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ). فجعلهم مفترين قبل أن يحكم بحكم يخالفونه، لكونهم جعلوا مع الله إلهًا آخر.
فاسم المشرك ثبت قبل الرسالة، فإنه يشرك بربه، ويعدل به، ويجعل معه آلهة أخرى، ويجعل له أندادًا قبل الرسول، ويثبت أن هذه الأسماء مقدم عليها، وكذلك اسم الجهل والجاهلية، يقال: جاهلية وجاهلًا قبل مجيء الرسول، وأما التعذيب فلا، والتولي عن الطاعة
_________________
(١) جـ: ١١ ص: ٦٧٥ و٦٩٠ لمجموع الفتاوى.
[ ٤٨ ]
كقوله: (فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى، وَلَكِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى). فهذا لا يكون إلا بعد الرسول، مثل قوله عن فرعون (فَكَذَّبَ وَعَصَى) كان هذا بعد مجيء الرسول إليه كما قال -تعالى-: (فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى، فَكَذَّبَ وَعَصَى). وقال: (فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ) (١). اهـ.
وقال ابن القيم (٢): إذ ههنا أمران متغايران أن لا تلازم بينهما أحدهما: هل الفعل نفسه مشتمل على صفة اقتضت حسنه وقبحه بحيث ينشأ الحسن والقبح منه، فيكون منشأ لهما أم لا؟.
والثاني: أن الثواب المرتب على حسن الفعل، والعقاب المترتب على قبحه ثابت، بل واقع بالعقل، أم لا يقع إلا بالشرع؟
والحق الذي لا يجد التناقض إليه السيل: أنه لا تلازم بينهما، وأن الأفعال في نفسها حسنة وقبيحة، كما أنها نافعة وضارة
لكن لا يترتب عليهما ثواب ولا عقاب، إلا بالأمر والنهي. وقبل ورود الأمر والنهي لا يكون قبيحًا موجبًا للعقاب مع قبحه في نفسه، بل هو في غاية القبح، والله لا يعاقب عليه إلا بعد إرسال الرسل. فالسجود للشيطان والأوثان والكذب والزنا والظلم، والفواحش كلها قبيحة في ذاتها، والعقاب عليها مشروط بالشرع.
فالنفاة يقولون: ليست في ذاتها قبيحة، وقبحها والعقاب عليها، إنما ينشأ بالشرع.
والمعتزلة تقول: قبحها، والعقاب عليها ثابتان بالعقل.
وكثير من الفقهاء، والطوائف الأربع يقولون: قبحها ثابت بالعقل، والعقاب متوقف على ورود الشرع. وهذا الذي ذكره: سعد بن علي الزنجاني من الشافعية، وأبو الخطاب من الحنابلة، وذكره الحنبلية، وحكوه عن أبي حنيفة نصًا، لكن المعتزلة منهم يصرحون: بأن العقاب ثابت بالعقل.
وقد دل القرآن على أنه لا تلازم من الأمرين، وأنه لا يعاقب إلا بإرساله الرسل، وأن الفعل نفسه حسن وقبيح، ونحن نبين دلالته على الأمرين.
_________________
(١) جـ: ٢٠ ص: ٣٧: ٣٨ لمجموع الفتوى.
(٢) مدارج السالكين جـ: ١ ص: ٢٤٦: ٢٥٦ - دار الكتاب العربي.
[ ٤٩ ]
أما الأول: ففي قوله تعالى: (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) (١) (ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ) (٢). وعلى أحد القولين، وهو أن يكون المعنى: لم يهلكهم بظلمهم قبل إرسال الرسل، فتكون الآية دالة على الأصلين: أن أفعالهم وشركهم ظلم قبيح قبل البعثة، وأنه لا يعاقبهم عليه إلا بعد إرسال الرسل، وتكون هذه الآية في دلالتها على الأمرين نظير الآية التي في القصص: (وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (٣). فهذا يدل: على أن ما قدمت أيديهم سبب لنزول المصيبة بهم، ولولا قبحه لم يكن سببًا، لكن امتنع إصابة المصيبة لانتفاء شرطها، وهو عدم مجيء الرسول إليهم، فمذ جاء الرسول انعقد السبب ووجد الشرط، فأصابهم سيئات ما عملوا وعوقبوا بالأول والآخر.
وأما الأصل الثاني: وهو دلالته على أن الفعل في نفسه حسن وقبيح، فكثيرة جدًا
فكون ذلك فاحشة وإثمًا وبغيًا بمنزلة: كون الشرك شركًا، فهو شرك في نفسه قبل النهي وبعده.
فمن قال: إن الفاحشة والقبائح والآثام إنما صارت كذلك بعد النهي. فهو بمنزلة من يقول: الشرك إنما صار شركًا بعد النهي وليس شركًا قبل ذلك.
[إلى أن قال في ص: ٢٥٣]: وكذلك إنكاره سبحانه قبح الشرك به في إلهيته، وعبادة غيره معه بما ضر به لهم من الأمثال، وأقام على بطلانه من الأدلة العقلية، ولو كان إنما قبح بالشرع لم يكن لتلك الأدلة والأمثال معنى، وعند نفاة التحسين والتقبيح يجوز في العقل أن يأمر بالإشراك وبعبادة غيره، وإنما علم قبحه بمجرد النهي عنه، فيا عجبًا! أي فائدة تبقى في تلك الأمثال والحجج والبراهين الدالة على قبحه في صريح العقل والفطرة! وأنه أقبح القبيح وأظلم الظلم؟ وأي شيء يصح في العقل إذا لم يكن فيه علم بقبح الشرك الذاتي، وأن العلم بقبحه بديهي معلوم بضرورة العقل، وأن الرسل نبهوا الأمم على ما في عقولهم وفطرهم من قبحه
_________________
(١) الإسراء: ١٥.
(٢) الأنعام: ١٣١.
(٣) القصص: ٤٧.
[ ٥٠ ]
والقرآن مملوء بهذا (أي الاحتجاج بالأمثلة العقلية على بطلان الشرك والفواحش) لمن تدبره كقوله تعالى: (ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [الروم: ٢٨]. يحتج سبحانه عليهم بما في عقولهم من قبح: كون مملوك أحدهم شريكًا له. فإذا كان أحدكم يستقبح أن يكون مملوكه شريكه ولا يرضى بذلك. فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء تعبدونهم كعبادتي؟
وهذا يبين أن أن قبح عبادة غير الله تعالى مستقر في العقول والفطر. والسمع نبه العقول وأرشدها إلى معرفة ما أودع فيها من قبح ذلك.
وكذلك قوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [الزمر: ٢٩].
احتج سبحانه: على قبح الشرك بما تعرفه العقول من الفرق بين: حال مملوك يملكه أرباب متعاصرون سيئوا الملكة، وحال عبد يملكه سيد واحد قد سلم كله له.
فهل يصح في العقول استواء حال العبدين؟ فكذلك حال المشرك والموحد الذي قد سلمت عبوديته لإلهه الحق لا يستويان (١) اهـ.
وقال أيضًا -﵀- في نفس المسألة: (وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا ). فأخبر -تعالى- أن ما قدمت أيديهم قبل البعثة سبب لإصابتهم بالمصيبة وأنه -سبحانه- لو أصابهم بما يستحقون من ذلك لاحتجوا عليه بأنه لم يرسل إليهم رسولًا، ولم ينزل عليهم كتابًا، فقطع هذه الحجة بإرسال الرسول وإنزال الكتاب لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وهذا صريح في أن أعمالهم قبل البعثة كانت قبيحة بحيث استحقوا أن يصيبوا بها المصيبة، ولكنه -سبحانه- لا يعذب إلا بعد إرسال الرسل، وهذا هو فصل الخطاب -إلى أن قال في ص: ١١ - في قوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ) أي: لو كان في السموات والأرض آلهة تعبد غير الله لفسدتا وبطلتا، ولم يقل: أرباب بل قال: آلهة.
_________________
(١) مدارج السالكين جـ: ١ ص: ٢٤٦: ٢٥٦.
[ ٥١ ]
والإله: هو المعبود المألوه، وهذا يدل: على أنه من الممتنع المستحيل عقلًا أن يشرع الله عبادة غيره أبدًا، وأنه لو كان معه معبود سواه لفسدت السموات والأرض.
فقبح عبادة غيره قد استقر في النظر والعقول وإن لم يرد النبي عنه شرع، بل العقل يدل على أنه: أقبح القبيح على الإطلاق وأنه من المحال أن يشرعه الله قط.
فصلاح العالم في أن يكون: الله وحده هو المعبود، وفساده وهلاكه في أن: يعبد مع غيره، ومحال أن يشرع لعباده ما فيه فساد العالم وهلاكه بل هو المنزه عن ذلك.
[إلى أن قال في ص: ١٢] وقوله تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ، فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) فنزه نفسه سبحانه وباعدها عن هذا الحسبان وأنه يتعالى عنه ولا يليق به لقبحه ولمنافاته لحكمته وملكه وإلهيته.
أفلا ترى: كيف ظهر في العقل الشهادة بدينه وشرعه وبثوابه وعقابه، وهذا يدل: على إثبات المعاد بالعقل كما يدل: على إثباته بالسمع وكذلك دينه وأمره وما بعث به رسله هو ثابت في العقول جملة ثم علم بالوحي فقد تطابقت شهادة العقل والوحي على توحيده وشرعه والتصديق بوعده ووعيده، وأنه سبحانه دعا عباده على ألسنة رسله إلى ما وضع في العقول حسنه والتصديق به جملة فجاء الوحي مفصلًا مبينًا ومقررًا ومذكرًا لما هو مركوز في الفطر والعقول إلى أن قال: في ص: ٣٩. والتحقيق في هذا أن سبب العقاب قائم قبل البعثة ولكن لا يلزم من وجود سبب العذاب حصوله، لأن هذا السبب قد نصب الله -تعالى- له شرطًا وهو بعثة الرسل، وانتفاء التعذيب قبل البعثة، هو لانتفاء شرطه لا لعدم سببه، ومقتضيه وهذا هو فصل الخطاب في هذا المقام (١) اهـ.
قلت: فمن آية الميثاق وما ترتب عليها من أحكام ومن هذا البحث في قضية تحسين وتقبيح الأفعال قبل الرسالة نخرج بما يلي:
أن حكم واسم الشرك ثابت قبل الرسالة والعلم والبيان، وأن الحجة عليه: العقل وآية الميثاق والآيات الكونية التي تدل على الوحدانية والفطرة التي فطر الله -جل ثناؤه- العباد عليها.
_________________
(١) مفتاح دار السعادة جـ: ٢ ص: ٧: ٣٩ - مكتبة الرياض الحديثة.
[ ٥٢ ]
وأن الشرك قبل الرسالة: مذموم معيب منقوص أصحابه، وأنهم على خطر عظيم وعلى شفا حفرة من النيران لأنه ظلم عظيم وسبب للعذاب، غير أنه موقوف على شرط آخر وهو: الحجة الرسالية -وهذا من فضل الله ورحمته بعباده-.
أي: أن القوم قبل البعثة وإقامة الحجة، معذورون في أحكام، وغير معذورين في أحكام أخرى.
معذورون في أنهم لا يعذبون في الدنيا والآخرة، حتى تقام عليهم الحجة الرسالية -وهذا من رحمة الله وفضله-.
وغير معذورين في اقترافهم الشرك وما ينبني عليه من أحكام مثل: عدم دفنهم في مقابر المسلمين، ولا الصلاة عليهم، وعدم القيام على قبورهم والاستغفار لهم، ولا تؤكل ذبائحهم، ولا تنكح نساؤهم، ولا يدخلون الجنة، وهو أعظمها من الأحكام.
قال ابن تيمية: والتذكير العام المطلق ينفع فإن من الناس من يتذكر فينتفع به، والآخر تقوم عليه الحجة ويستحق العذاب على ذلك، فيكون عبرة لغيره فيحصل بتذكيره نفع أيضًا، لأنه بتذكيره تقوم عليه الحجة، فتجوز عقوبته بعد هذا بالجهاد وغيره، فتحصل بالذكرى منفعة فكل تذكير ذكر به النبي، ﷺ، المشركين، حصل به نفع في الجملة وإن كان النفع للمؤمنين الذين قبلوه واعتبروا به وجاهدوا المشركين الذين قامت عليهم الحجة (١) اهـ.
أي أن القتال والجهاد للمشركين لا يكون إلا بعد إقامة الحجة وهم قبلها مشركون.
وقال أيضًا: فإنه إذا ذكّر قامت الحجة على الجميع. والأشقى الذي تجنبها حصل بتذكيره قيام الحجة عليه واستحقاقه لعذاب الدنيا والآخرة (٢) اهـ.
وقال: والكفر بعد قيام الحجة موجب للعذاب، وقبل ذلك ينقص النعمة ولا يزيد (٣) اهـ.
قلت: هذا نص في إثبات الكفر قبل الحجة، لكنه غير موجب للعذاب.
_________________
(١) جـ: ١٦ ص: ١٦٢ لمحموع الفتاوى.
(٢) جـ: ١٦ ص: ١٦٩ لمجموع الفتاوى.
(٣) جـ: ١٦ ص: ٢٥٤ لمجموع الفتاوى.
[ ٥٣ ]
وقال ﵀: "فلا ينجون من عذاب الله، إلا من أخلص لله دينه وعبادته ودعاه مخلصًا له الدين، ومن لم يشرك به ولم يعبده، فهو معطل عن عبادته وعبادة غيره، كفرعون وأمثاله، فهو أسوأ حالًا من المشرك، فلا بد من عبادة الله وحده، وهذا واجب على كل أحد، فلا يسقط عن أحد البتة، وهو الإسلام العام الذي لا يقبل الله دينًا غيره، ولكن لا يعذب الله أحدًا حتى يبعث إليه رسولًا، وكما أنه لا يعذبه فلا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة مؤمنة، ولا يدخلها مشرك ولا مستكبر عن عبادة ربه. فمن لم تبلغه الدعوة في الدنيا امتحن في الآخرة، ولا يدخل النار إلا من اتبع الشيطان، فمن لا ذنب له لا يدخل النار، ولا يعذب الله بالنار أحدًا إلا بعد أن يبعث إليه رسولًا، فمن لم تبلغه دعوة رسول إليه، كالصغير، والمجنون، والميت، في الفترة المحضة، فهذا يمتحن في الآخرة كما جاءت بذلك الآثار (١) اهـ.
قلت: من هذا النقل أن المشرك لا يدخل الجنة وإن كان جاهلًا، ولم تأته رسالة. لأن الجنة لا تدخلها إلا نفس مسلمة مؤمنة، والإسلام: هو إخلاص الدين لله. والمشرك لم يخلص دينه لله.
وهذه الأحكام عامة في كل بني آدم، لم يخصص منها قوم دون قوم، لأن الميثاق أخذ عليهم جميعًا، فأي: قوم وإن كانوا ينتسبون إلى دين ورسالة وكتاب، غير أنهم واقعون في الشرك مع الجهل والتأويل، فإنهم تجرى عليهم هذه الأحكام وإن كانوا من أمة محمد، ﷺ، أو من أهل الكتاب.
قال ابن تيمية نعم قد يشكل على كثير من الناس نصوص لا يفهمونها، فتكون مشكلة بالنسبة إليهم لعجز فهمهم عن معانيها. ولا يجوز أن يكون في القرآن ما يخالف صريح العقل والحس إلاّ وفي القرآن بيان معناه، فإن القرآن جعله الله شفاءًا لما في الصدور، وبيانًا للناس، فلا يجوز أن يكون بخلاف ذلك، لكن قد تخفى آثار الرسالة في بعض الأمكنة والأزمنة حتى لا يعرفون ما جاء به الرسول -ﷺ- إما أن لا يعرفوا اللفظ، وإما أن يعرفوا اللفظ ولا يعرفوا معناه فحينئذ يصيرون في جاهلية بسبب عدم نور النبوة ومن ههنا يقع: الشرك وتفريق الدين شيعًا، كالفتن التي تحدث السيف، فالفتن القولية والعملية هي من الجاهلية بسبب خفاء نور
_________________
(١) جـ: ١٤ ص: ٤٧٧ لمجموع الفتاوى.
[ ٥٤ ]
النبوة عنهم كما قال مالك بن أنس: "إذا قلّ العلم ظهر الجفاء وإذا قلت الآثار ظهرت الأهواء" ولهذا شبهت الفتن بقطع الليل المظلم، ولهذا قال أحمد في خطبته: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة بقايا من أهل العلم.
فالهدى الحاصل لأهل الأرض إنما هو من نور النبوة كما قال -تعالى-: (فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى) [طه: ١٢٣].
فأهل الهدي والفلاح: هم المتبعون للأنبياء وهم المسلمون المؤمنون في كل زمان ومكان.
وأهل العذاب والضلال: هم المكذبون للأنبياء.
يبقى أهل الجاهلية الذين لم يصل إليهم ما جاءت به الأنبياء. فهؤلاء في ضلال وجهل وشر وشرك لكن الله يقول: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا). وقال: (رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ). وقال: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ). فهؤلاء لا يهلكهم الله ويعذبهم حتى يرسل إليهم رسولًا وقد رويت آثار متعددة في أن من لم تبلغه الرسالة في الدنيا فإنه يبعث إليه رسول يوم القيامة في عرصات القيامة (١) اهـ.
قلت: وهذا نص منه -﵀- في الأمة المحمدية.
وقال في أهل الكتاب والنصارى فذمهم على الغلو والشرك الذي ابتدعوه، وعلى تكذيب الرسول، والرهبانية التي ابتدعوها ولا نحمدهم عليها، إذ كانوا قد ابتدعوها، وكل بدعة ضلالة، لكن إذا كان صاحبها قاصدًا للحق فقد يعفى عنه فيبقى عمله ضائعًا لا فائدة فيه، وهذا هو الضلال الذي يعذر صاحبه فلا يعاقب ولا يثاب فاليهود أقوى كفرًا من النصارى وإن كان النصارى أجهل وأضل، لكن أولئك: يعاقبون على عملهم إذ كانوا عرفوا الحق وتركوه عنادًا، فكانوا مغضوبًا عليهم، وهؤلاء: بالضلال حرموا أجر المجتهدين ولعنوا، وطردوا عما يستحقه المهتدون، ثم إذا قامت عليهم الحجة فلم يؤمنوا استحقوا العقاب إذ كان اسم الضلال عامًا (٢) اهـ.
فهذا النص في أهل الكتاب فالنصارى مشركون، وهذا مما لا ريب فيه، بل هو من
_________________
(١) جـ: ١٧ ص: ٣٠٧: ٣٠٨ لمجموع الفتاوى.
(٢) جـ: ١٩ ص: ١٩٠: ١٩١.
[ ٥٥ ]
المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام، لكن عذابهم أيضًا موقوف على إقامة الحجة الرسالية وقد قامت ببعثة الرسول -ﷺ-.
فهذه النصوص منه -﵀- وغيرها في كتبه كثيرة تبين عموم هذه الأحكام في جميع الأمم، ولا يستثنى منها أمة دون أمة، أو مكان دون مكان، أو زمان دون زمان، بل هي أحكام عامة: إن الشرك ثابت قبل الرسالة، والعذاب متوقف عليها، وأصحابه ليسوا بمسلمين لأنهم نقضوه ولم يخلصوا دينهم لله، لقوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء) [البينة: ٥]. ولنقضهم الميثاق والفطرة التي فطروا عليها والعقل حجة مستقلة على وحدانية الله -تعالى- وهم جميعًا قد أخذ عليهم الميثاق، وحجته عليهم كافة، وفطرهم الله -جل ثناؤه- كلهم على الإسلام والتوحيد الخالص قال تعالى: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) [الروم: ٣٠]. ولم تستثن آية الميثاق قومًا دون قوم ولكن جاءت بألفاظ العموم والإطلاق، وكذلك لم يأت في ذكر كلام السلف الاستثناء لأحد فدلّ هذا على: عمومية هذه الأحكام ..
وأظن أنه فيما مضى الكفاية بفضل الله وعونه ورحمته في إثبات وصف الشرك وحكمه مع الجهل والتأويل وعدم قيام الحجة، وفي جاهلية جهلاء، وغياب واندراس للشرائع وطموس للسبل وخفاء شمس النبوة غير أن أهلها لا يعذبون -بفضل الله ورحمته- إلا بعد قيام الحجة وبلوغ الرسالة.
* * *
[ ٥٦ ]