وقال: وذلك أن الرجل لو أقر بما يستحق الرب من الصفات ونزهه عن كل ما ينزه عنه، وأقر بأنه وحده خالق كل شيء لم يكن موحدًا بل ولا مؤمنًا حتى يشهد: أن لا إله إلا الله، فيقر بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة، ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك له والإله هو بمعنى المألوه المعبود الذي يستحق العبادة (١) اهـ.
وقال والحاصل: أن توحيد الله والإيمان برسله واليوم الآخر أمور متلازمة مع العمل الصالح. فأهل هذا الإيمان والعمل الصالح: هم أهل السعادة من الأولين والآخرين والخارجون عن هذا الإيمان: مشركون أشقياء. فكل من كذّب الرسل فلن يكون إلا مشركًا، وكل مشرك مكذب للرسل. وكل مشرك وكافر بالرسل فهو كافر باليوم الآخر، وكل من كفر باليوم الآخر فهو كافر بالرسل (٢) اهـ.
وقال -﵀- وهم (أي الفلاسفة) إذا ادعوا التوحيد فإنما توحيدهم بالقول لا بالعبادة والعمل والتوحيد الذي جاءت به الرسل لا بد فيه من التوحيد بإخلاص الدين لله وعبادته وحده لا شريك له وهذا شيء لا يعرفونه. والتوحيد الذي يدعونه: إنما هو تعطيل حقائق الأسماء والصفات، وفيه من الكفر والضلال ما هو من أعظم أسباب الإشراك. فلو كانوا موحدين بالقول والكلام: وهو أن يصفوا الله بما وصفته به رسله لكان معهم التوحيد دون العمل وذلك لا يكفي في السعادة والنجاة بل لا بد من أنه يعبد الله وحده ويتخذ إلهًا دون ما سواه وهو معنى قول "لا إله إلا الله" فكيف وهم في القول والكلام معطلون جاحدون لا موحدون ولا مخلصون؟ والقوم وإن كان لهم ذكاء وفطنة وفيهم زهد وأخلاق، فهذا القدر لا يوجب السعادة والنجاة من العذاب إلا بالأصول المتقدمة: من الإيمان بالله وتوحيده وإخلاص عبادته والإيمان برسله واليوم الآخر والعمل الصالح وأهل الرأي والعلم بمنزلة أهل الملل والإمارة وكل من هؤلاء وهؤلاء لا ينفعه ذلك شيئًا إلا أن يعبد الله وحده لا شريك له ويؤمن برسله وباليوم الآخر وهذه الأمور متلازمة فمن عبد الله وحده لزم أن يؤمن برسله ويؤمن
_________________
(١) موافقة صحيح المعقول لصريح المنقول بهامش منهاج السنة النبوية جـ: ١ ص: ١٣٣.
(٢) جـ: ٩ ص: ٣٢ لمجموع الفتاوى.
[ ١١٥ ]
باليوم الآخر فيستحق الثواب، وإلا كان من أهل الوعيد يخلد في العذاب هذا إذا قامت عليه الحجة بالرسل (١) اهـ.
قلت: انظر -رحمك الله- أن النجاة لا تتحقق إلا بالأصول الثلاث: إفراد الله بالعبادة. والتأله والإيمان بالرسل واليوم الآخر مع العمل الصالح وإلا كان من أهل الوعيد إلا أنه لا يخلد في الآخرة في النار إلا بعد قيام الحجة الرسالية وهذا ما سبق الحديث عنه كثيرًا بفضل الله وحده أنه لن تدخل الجنة إلا نفس مسلمة، والإسلام هو: إفراد الله بالوحدانية والتأله والكفر بما يعبد من دونه فمن لم يأت بهذا القدر فهو من المشركين ولا عذر له بالجهل والتأويل إلا أنه لا يعذب في الدارين إلا بعد قيام الحجة الرسالية.
قال ابن تيمية: فإخلاص الدين له والعدل واجب مطلقًا في كل حال، وفي كل شرع: فعلى العبد أن يعبد الله مخلصًا له الدين ويدعوه مخلصًا له لا يسقط هذا عنه بحال ولا يدخل الجنة إلا أهل التوحيد وهم أهل "لا إله إلا الله"- فهذا حق الله على كل عبد من عباده كما في الصحيحين من حديث معاذ أن النبي، ﷺ، قال له: "يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حقه عليهم أن يعبدوه لا يشركوا به شيئًا". الحديث. فلا ينجون من عذاب الله إلا من أخلص لله دينه وعبادته ودعاه مخلصًا له الدين، ومن لم يشرك به ولم يعبده فهو معطل عن عبادته وعبادة غيره كفرعون وأمثاله فهو أسوأ حالًا من المشرك فلا بد من عبادة الله وحده وهذا واجب على كل أحد فلا يسقط عن أحد البتة، وهو الإسلام العام الذي لا يقبل الله دينًا غيره، ولكن لا يعذب الله أحدًا حتى يبعث إليه رسولًا وكما أنه لا يعذبه فلا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة مؤمنة، ولا يدخلها مشرك ولا مستكبر عن عبادة ربه، فمن لم تبلغه الدعوة في الدنيا امتحن في الآخرة ولا يدخل النار إلا من اتبع الشيطان، فمن لا ذنب له لا يدخل النار ولا يعذب الله بالنار أحدًا إلا بعد أن يبعث إليه رسولًا فمن لم تبلغه دعوة رسول إليه كالصغير والمجنون والميت في الفترة المحضة فهذا يمتحن في الآخرة كما جاءت بذلك الآثار (٢) اهـ.
قلت: فهذا بفضل الله بيّن واضح في كلام الشيخ -رحمه الله تعالى- أن النجاة في الآخرة
_________________
(١) جـ: ٩ ص: ٣٥: ٣٨ لمجموع الفتاوى.
(٢) جـ: ١٤ ص: ٤٧٦: ٤٧٧ لمجموع الفتاوى.
[ ١١٦ ]
لمن حقق الأصول الثلاثة: توحيد الله، والإيمان بالرسل، واليوم الآخر، مع العمل الصالح لقول الله -تعالى-: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) ولقول نبيه ﷺ: "لن تدخل الجنة إلا نفس مسلمة" فمن لم يأت بالتوحيد ووقع في الشرك فهو مشرك لا عذر له في إجراء الأحكام عليه في الدنيا لنقضه حجية الفطرة والميثاق والعقل إلا أنه لا يثبت له وصف الكفر المعذب عليه في الدنيا والآخرة إلا إذا قامت عليه الحجة الرسالية وإن كان فعل قبل الحجة ما يستوجب العذاب -وهذا من فضل الله ورحمته بعباده-.
قال ابن تيمية والأنبياء إنما بعثوا بالدعوة إلى الله وحده وقد يذكرون المعاد مجملا ومفصلًا والقصص قد يذكر بعضهم بعضًا مجملًا. وأما الإلهيات فهي الأصل ولا بد من تفصيل الأمر بعبادة الله وحده دون ما سواه فلا بد لكل نبي من الأصول الثلاثة الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل الصالح (١) اهـ.
وقال -﵀- "وهو يتحدث عن الفلاسفة وأهل الكلام والقوانين التي وضعوها من المسائل والدلائل التي لا يدخل العبد في الإسلام ولا يحقق أصل الدين إلا بها في زعمهم". قال: فإذا تقلدوا عن طواغيتهم أن كل ما لم يحصل بهذه الطرق القياسية ليس بعلم وقد لا يحصل لكثير منهم. منها ما يستفيد به الإيمان الواجب فيكون كافرًا زنديقًا منافقًا جاهلًا ضالًا مضلًا ظلومًا كفورًا ويكون من أكابر أعداء الرسل ومنافقي الملة من الذين قال الله فيهم: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ).
وقد يحصل لبعضهم إيمان ونفاق ويكون مرتدًا إما عن أصل الدين أو بعض شرائعه إما ردة نفاق وإما ردة كفر، وهذا كثير غالب لا سيما في الأعصار والأمصار التي تغلب فيها الجاهلية والكفر والنفاق فلهؤلاء من عجائب الجهل والظلم والكذب والكفر والنفاق والضلال ما لا يتسع لذكره المقال.
وإذا كان في المقالات الخفيّة فقد يقال: إنه فيها مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر صاحبها لكن ذلك يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي يعلم الخاصة والعامة من المسلمين أنها من دين المسلمين. بل اليهود والنصارى والمشركون يعلمون أن محمدًا -ﷺ- بعث بها وكفّر من خالفها مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له ونهيه عن عبادة أحد سوى
_________________
(١) جـ: ١٧ ص: ١٢٥: ١٢٦ لمجموع الفتاوى.
[ ١١٧ ]
الله. من الملائكة والنبيين وغيرهم فإن هذا أظهر شعائر الإسلام ومثل معاداة اليهود والنصارى والمشركين ومثل تحريم الفواحش والربا والخمر والميسر ونحو ذلك. ثم تجد كثيرًا من رؤوسهم وقعوا في هذه الأنواع فكانوا مرتدين، وإن كانوا قد يتوبون من ذلك ويعودون كرؤوس القبائل مثل: الأقرع وعيينة ونحوهم ممن ارتد عن الإسلام ثم دخل فيه. ففيهم من كان يتهم بالنفاق ومرض القلب وفيهم من لم يكن كذلك. فكثير من رؤوس هؤلاء هكذا تجده تارة يرتد عن الإسلام ردة صريحة وتارة يعود إليها (١) ولكن مع مرض في قلبه ونفاق، وقد يكون له حال ثالثة يغلب الإيمان فيها النفاق لكن قل أن يسلموا من نوع نفاق والحكايات عنهم بذلك مشهورة
وأبلغ من ذلك أن منهم من يصنف في دين المشركين والردة عن الإسلام كما صنف الرازي كتاب في عبادة الكواكب وأقام الأدلة على حسن ذلك ومنفعته ورغب فيه وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين وإن كان قد يكون عاد إلى الإسلام وجميع ما يأمرون به من العلوم والأعمال والأخلاق لا يكفي في النجاة من عذاب الله فضلًا أن يكون موصلًا لنعيم الآخرة قال الله -تعالى-: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُوْلَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ). الآيتين وقال -تعالى-: (فَلَمَّا جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ). إلى آخر السورة فأخبر هنا بمثل ما أخبر به في الأعراف وأن هؤلاء المعرضين عما جاءت به الرسل لما رأوا بأس الله وحدوا الله وتركوا الشرك فلم ينفعهم ذلك وكذلك أخبر عن فرعون وهو كافر بالتوحيد والرسالة أنا لما أدركه الغرق: (قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ). الآية. وقال -تعالى-: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ). الآيتين. وهذا في القرآن في مواضع يبين أن الرسل أمروا بعبادة الله وحده لا شريك له ونهوا عن عبادة شيء من المخلوقات سواه وأن أهل السعادة هم أهل التوحيد وأن المشركين هم أهل الشقاوة، ويبين أن الذين لم يؤمنوا بالرسل مشركون، فعلم أن التوحيد والإيمان بالرسل متلازمان وكذلك الإيمان باليوم الآخر فالثلاثة متلازمة ولهذا يجمع بينهما في مثل قوله: (وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)
فقد تبين أن أصل السعادة والنجاة من العذاب هو توحيد الله بعبادته وحده لا شريك
_________________
(١) هكذا الأصل ولكن السياق يقتضي "إليه".
[ ١١٨ ]
له والإيمان برسله واليوم الآخر والعمل الصالح وهذه الأمور ليست في حكمتهم ليس فيها الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له والنهي عن عبادة المخلوقات. بل كل شرك في العالم إنما حدث برأي جنسهم فهم الآمرون بالشرك والفاعلون له ومن لم يأمر بالشرك منهم فلم ينه عنه بل يقر هؤلاء وهؤلاء وإن رجح الموحدين ترجيحًا ما فقد يرجه غيره المشركين وقد يعرض عن الأمرين جميعًا.
فتدبر هذا فإنه نافع جدًا وقد رأيت من مصنفاتهم في عبادة الكواكب والملائكة وعبادة الأنفس المفارقة أنفس الأنبياء وغيرهم ما هو أصل الشرك. وهم إذا ادعوا التوحيد فإنما توحيدهم بالقول لا بالعبادة والعمل، والتوحيد الذي جاءت به الرسل لا بد فيه من التوحيد بإخلاص الدين لله وعبادته وحده لا شريك له وهذا شيء لا يعرفونه والتوحيد الذي يدعونه إنما هو تعطيل حقائق الأسماء والصفات وفيه من الكفر والضلال ما هو من أعظم أسباب الإشراك (١) اهـ.
قلت: فمن هذه النقول المستفيضة عن شيخ الإسلام نخرج بما يلي:
١ - أن التوحيد شرط في تحقيق الإسلام ولا يصح إسلام عبد إلا به.
٢ - أن المشرك في حاجة أن يعلم التوحيد حتى يدخل في الإسلام.
٣ - أن المشرك مبتدع في الدين مشرك برب العالمين متبع غير سبيل المؤمنين.
٤ - الإسلام هو الاستسلام لله وحده فمن عبد الله وعبد غيره لم يكن مسلمًا وكذلك المستكبر عن عبادته.
٥ - الإقرار بلا التزام ليس بإسلام، إنما الإسلام الإقرار الإذعاني وهذا متفق عليه بين الصحابة والتابعين وأئمة السنة.
٦ - أن توحيد الإلهية هو الذي يفرق بين أهل التوحيد وأهل الشرك وإنما يصير الرجل مسلمًا حنيفًا موحدًا إذا ترك الشرك عمدًا وعلى بصيرة وأفرد الله وحده بالتأله دون ما سواه.
٧ - لا نجاة من عذاب الله إلا بالتوحيد والإيمان بالرسالة واليوم الآخر والعمل الصالح ظاهرًا وباطنًا والمشرك لا يعذب في الدارين إلا بعد قيام الحجة وهو لا ينعم أيضًا لأن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة مؤمنة.
_________________
(١) جـ: ١٨ ص: ٥٣: ٥٨ لمجموع الفتاوى.
[ ١١٩ ]
٨ - أن الرسل جميعًا فصلوا الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له لأنه أصل الأصول.
وقال ابن القيم والإسلام: هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاء به، فلما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم وإن لم يكن كافرًا معاندًا فهو كافر جاهل (١). ا. هـ.
وقال محمد بن عبد الوهاب: فاعلم أن التوحيد الذي دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم إفراد الله بالعبادة كلها ليس فيها حق لملك مقرب ولا نبي مرسل فضلًا عن غيرهم فمن ذلك لا يدعي إلا إياه كما قال تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) [الجن: ١٨]. فمن عبد الله ليلًا ونهارًا ثم دعا نبيًا أو وليًا عند قبره فقد اتخذ إلهين اثنين ولم يشهد أن لا إله إلا الله لأن الإله هو: المدعو. كما يفعل المشركون اليوم عند قبر الزبير أو عبد القادر أو غيرهم وكما يفعل قبل هذا عند قبر زيد وغيره.
ومن ذبح لله ألف ضحية ثم ذبح لنبي أو غيره فقد جعل إلهين اثنين وكما قال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الأنعام: ١٦٢]. الآية والنسك: هو الذبح وعلى هذا فقس.
فمن أخلص العبادات لله ولم يشرك فيها غيره فهو الذي شهد: أن لا إله إلا الله، ومن جعل فيها مع الله غيره فهو: المشرك الجاحد لقول لا إله إلا الله وهذا الشرك الذي أذكره اليوم قد طبق مشارق الأرض ومغاربها إلا الغرباء المذكورين في الحديث (وقليل ما هم) وهذه المسألة لا خلاف فيها بين أهل العلم من كل المذاهب (٢). ا. هـ.
وقال -﵀-: اعلم -رحمك الله- أن هذه الكلمة هي الفارقة بين الكفر والإسلام وهي كلمة التقوى وهي العروة الوثقى وهي التي جعلها إبراهيم (كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون) وليس المراد: قولها باللسان مع الجهل بمعناها فإن المنافقين يقولونها وهم تحت الكفار في الدرك الأسفل من النار مع كونهم يصلون ويتصدقون. ولكن المراد قولها مع معرفتها بالقلب ومحبتها ومحبة أهلها، وبغض ما خالفها ومعاداته كما قال النبي، ﷺ،: "من قال لا إله إلا الله مخلصًا" وفي رواية "خالصًا من قلبه". وفي رواية: "صادقًا من قلبه" وفي حديث آخر
_________________
(١) طريق الهجرتين ص: ٤١١.
(٢) الرسالة العشرون ص: ١٦٦: ١٦٧ من كتاب -الرسائل الشخصية-.
[ ١٢٠ ]
"من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله". إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على جهالة أكثر الناس بهذه الشهادة (١). ا. هـ.
وقال البغوي في قوله الله -﷿-: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ) [البقرة: ١٢٨]. موحدين مطيعين خاضعين لك. ا. هـ.
وقال ابن كثير: قال ابن جرير يعنيان بذلك: واجعلنا مستسلمين لأمرك خاضعين لطاعتك لا نشرك معك في الطاعة أحدًا سواك ولا في العبادة غيرك. ا. هـ.
وقال القرطبي في قوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ) [آل عمران: ١٩]. الدين في هذه الآية. الطاعة والملة والإسلام بمعنى: الإيمان والطاعات قاله أبو العالية وعليه جمهور المتكلمين. ا. هـ.
وقال البغوي: والإسلام: هو الدخول في السلم وهو الانقياد والطاعة، يقال أسلم أي: دخل في السلم واستسلم قال قتادة في قوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ). قال: شهادة أن لا إله إلا الله والإقرار بما جاء من عند الله تعالى وهو دين الله الذي شرع لنفسه وبعث به رسله ودل عليه أولياءه ولا يقبل غيره ولا يُجزى إلا به. ا. هـ.
وقال ابن كثير: إخبار من الله بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل جين حتى ختموا بمحمد، ﷺ، الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد، ﷺ، فمن لقى الله بعد بعثة محمد، ﷺ، بدين على غير شريعته فليس بمتقبل كما قال تعالى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) [آل عمران: ٨٥]. ا. هـ.
قلت: فمن هذه الآيات القرآنية والنصوص النبوية مع فهم السلف الصالح لها يظهر -بفضل الله وكرمه ومنّه- أن الإسلام الذي أمرنا الله أن ندين به، وأن نقاتل الناس عليه حتى يدينوا به وأنه الدين المرضي عنده سبحانه دون ما سواه من الأديان وأن دخول الجنة والنجاة من الخلود في النيران مقصور على أهله هو إفراد الله بالتأله والطاعة والعبادة والكفر بكل ما يعبد من دونه مع الانقياد والإذعان له وحده لا شريك له ظاهرًا وباطنًا وليس هو مجرد النطق بالشهادتين دون الاعتقاد والإيمان بمدلولهما والانخلاع من الشرك إلى التوحيد والتحنف والتزام أحكام الإسلام أي: التزام القبول من الله دون ما سواه.
_________________
(١) كتاب تاريخ نجد ص: ٣٩٧.
[ ١٢١ ]