قال البخاري في صحيحه كتاب العلم باب العلم قبل القول والعمل لقوله -تعالى-: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) [محمد: ١٩]. فبدأ بالعلم.
قال الحافظ قوله: "العلم قبل القول والعمل" قال ابن المنير: أراد به أن العلم شرط في صحة القول والعمل فلا يعتبران إلا به فهو متقدم عليهما لأنه مصحح للنية المصححة للعمل -قال الحافظ-: وينتزع منها دليل على ما يقوله المتكلمون: من وجوب المعرفة، لكن النزاع كما قدمناه إنما هو في إيجاب تعلم الأدلة على القوانين المذكورة في كتب الكلام، وقد تقدم شيء من هذا في كتاب الإيمان (٢) اهـ.
قلت: فهذا النص من الحافظ -رحمه الله تعالى- في غاية البيان والوضوح في مسألة أن
_________________
(١) انظر -باب الرد على الشبهات -مسألة تقسيم الدين إلى أصول وفروع.
(٢) فتح الباري جـ: ١ ص: ١٩٢: ١٩٣.
[ ٩٧ ]
اشتراط العلم لقبول القول والعمل لا نزاع فيها، وإنما النزاع مع المتكلمين هو في إيجاب تعلم الأدلة على القوانين المذكورة في كتبهم.
قال النووي في شرح صحيح مسلم باب (الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا) هذا الباب فيه أحاديث كثيرة وتنتهي إلى حديث العباس ابن عبد المطلب -﵁- ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا، واعلم أن مذهب أهل السنة وما عليه أهل الحق من السلف والخلف أن من مات موحدًا دخل الجنة قطعًا على كل حال فإن كان سالمًا من المعاصي كالصغير والمجنون والذي اتصل جنونه بالبلوغ والتائب توبة صحيحة من الشرك أو غيره من المعاصي إذا لم يحدث معصية بعد توبته والموفق الذي لم يبتل بمعصية أصلًا فكل هذا الصنف يدخلون الجنة ولا يدخلون النار أصلًا. لكنهم يردونها على الخلاف المعروف في الورود. والصحيح أن المراد به المرور على الصراط وهو منصوب على ظهر جهنم -أعاذنا الله منها ومن سائر المكروه- وأما من كانت له معصية كبيرة ومات من غير توبة فهو في مشيئة الله﷾- فإن شاء عفا عنه وأدخله الجنة أولًا وجعله كالقسم الأول وإن شاء عذبه القدر الذي يريده -﷾- ثم يدخله الجنة.
فلا يخلد في النار أحد مات على التوحيد ولو عمل من المعاصي ما عمل كما أنه لا يدخل الجنة أحد مات على الكفر ولو عمل من أعمال البر ما عمل هذا مختصر جامع لمذهب أهل الحق في هذه المسألة وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به من الأمة على هذه القاعدة وتواترت بذلك نصوص تحصل العلم القطعي فإذا تقررت هذه القاعدة حمل عليها جميع ما ورد من أحاديث الباب وغيره، فإذا ورد حديث في ظاهره مخالفة وجب تأويله عليها ليجمع بين نصوص الشرع وسنذكر من تأويل بعضها ما يعرف به تأويل الباقي -إن شاء الله تعالى- والله أعلم
-ثم نقل عن القاضي عياض- فقال: وأما معنى الحديث وما أسبهه: "من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة". فقد جمع فيه القاضي عياض -﵀- كلامًا حسنًا جمع فيه نفائس، فأنا أنقل كلامه مختصرًا ثم أضم بعده إليه ما حضرني من زيادة.
[ ٩٨ ]
المعرفة والنطق شرطان في النجاة:
قال القاضي عياض -﵀-: اختلف الناس فيمن عصى الله -تعالى- من أهل الشهادتين فقالت المرجئة لا تضره المعصية مع الإيمان، وقالت الخوارج تضره ويكفر بها. وقالت المعتزلة يخلد في النار إذا كانت معصيته كبيرة ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر ولكن يوصف بأنه فاسق، وقالت الأشعرية بل هو مؤمن وإن لم يغفر له عُذب فلا بد من إخراجه من النار وإدخاله الجنة. قال وهذا الحديث حجة على الخوارج والمعتزلة، وأما المرجئة فإن احتجت بظاهره قلنا محمول على أنه غفر له أو أخرج من النار بالشفاعة ثم أدخل الجنة فيكون معنى قوله، ﷺ، دخل الجنة أي دخلها بعد مجازاته بالعذاب وهذا لا بد من تأويله لما جاء في ظواهر كثيرة من عذاب بعض العصاة، فلا بد من تأويل هذا لئلا تتناقض نصوص الشريعة وفي قوله، ﷺ: وهو يعلم إشارة إلى الرد على من قال من غلاة المرجئة إن مظهر الشهادتين يدخل الجنة وإن لم يعتقد ذلك بقلبه وقد قيد ذلك في حديث آخر بقوله، ﷺ: "غير شاك فيهما" وهذا يؤكد ما قلناه.
قال القاضي: وقد يحتج به أيضًا من يرى أن مجرد معرفة القلب نافعة دون النطق بالشهادتين لاقتصاره على العلم ومذهب أهل السنة أن المعرفة مرتبطة بالشهادتين لا تنفع إحداهما ولا تنجي من النار دون الأخرى إلا لمن لم يقدر على الشهادتين لآفة بلسانه أو لم تمهله المدة ليقولها بل اخترمته المنية
فنقرر أولًا إن مذهب أهل السنة بأجمعهم من السلف الصالح وأهل الحديث والفقهاء والمتكلمين على مذهبهم من الأشعريين أن أهل الذنوب في مشيئة الله -تعالى- وأن كل من مات على الإيمان وتشهد مخلصًا من قلبه الشهادتين فإنه يدخل الجنة، فإن كان تائبًا أو سليمًا من المعاصي دخل الجنة برحمة ربه وحرّم على النار بالجملة ويمكن أن تستقل الأحاديث بنفسها ويجمع بينها فيكون المراد باستحقاق الجنة ما قدمناه من إجماع أهل السنة أنه لا بد من دخولها لكل موحد إما معجلًا معافى وإما مؤخرًا بعد عقابه، والمراد بتحريم النار تحريم الخلود خلافًا للخوارج والمعتزلة -قال النووي- هذا آخر كلام القاضي -﵀- وهو في نهاية الحسن (١) اهـ.
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي جـ: ١ ص: ٢١٧: ٢١٩.
[ ٩٩ ]
قلت: انظر -رحمك الله- إلى قول القاضي أن مذهب أهل السنة أن المعرفة مرتبطة بالشهادتين لا تنفع إحداهما ولا تنجي من النار دون الأخرى وقول الإمام النووي في آخر حديثه معلقًا عليه أنه في نهاية الحسن.
فهذا مذهب أهل السنة أن النطق مرتبط بالمعرفة لا تنفع إحداهما دون الأخرى، وأن النطق بلا معرفة كالمعرفة بدون نطق كلاهما لا ينفع ولا ينجي صاحبه.
وقال الإمام النووي تعليقًا على حديث: "اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يتشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة" وفي هذا دلالة ظاهرة لمذهب أهل الحق أنه لا ينفع اعتقاد التوحيد دون النطق ولا النطق دون الاعتقاد بل لا بد من الجمع بينهما وقد تقدم إيضاحه في أول الباب (١) اهـ.
التوحيد شرط الشفاعة:
قلت: وينص على هذا المعنى القطعي أنه لا ينجو من عذاب الخلود في النيران إلا من نطق بالشهادتين وانتهى عن الشرك والتزم التوحيد ظاهرًا وباطنًا الحديث الصحيح الصريح: "لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا". أخرجه مسلم.
قال النووي: وأما قوله -ﷺ: "فهي نائلة إن شاء الله -تعالى- من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا" ففيه دلالة لمذهب أهل الحق أن كل من مات غير مشرك بالله -تعالى- لم يخلّد في النار وإن كان مصرًا على الكبائر وقد تقدمت دلائله. وبيانه في مواضع كثيرة (٢) اهـ.
قلت: وكذلك الحديث الصحيح الصريح في هذه المسألة أيضًا وهو في صحيح مسلم: "حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد وأراد أن يخرج برحمته من أراد من أهل النار أمر الملائكة أن يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئًا ممن أراد الله -تعالى- أن يرحمه ممن يقول لا إله إلا الله فيعرفونهم في النار يعرفونهم بأثر السجود تأكل النار من ابن آدم إلا أثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود " (٣).
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي جـ: ١ ص: ٢٣٧.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي جـ: ٣ ص: ٧٥.
(٣) راجع صحيح مسلم بشرح النووي جـ: ٣ ص: ٢٢.
[ ١٠٠ ]
قلت: فهل بعد تنصيص هذا الحديث على هذا المسألة من نص على أنه لا ينجو من الخلود في النار في الآخرة إلا من كان لا يشرك بالله شيئًا ممن نطق بالشهادتين وأنه لا يخلد في النار أحد مات على التوحيد مستيقنًا به قلبه. لذلك جاء في الحديث الآخر في صحيح مسلم أيضًا: قال -أي رسول الله، ﷺ- "فأقول يا رب ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن أي وجب عليه الخلود- قال ابن عبيد في روايته، قال قتادة أي وجب عليه الخلود-". قال النووي: قوله، ﷺ: "ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن" أي وجب عليه الخلود. وبين مسلم ﵀تعالى- أن قوله -أي: وجب عليه الخلود -هو تفسير قتادة الراوي وهذا التفسير صحيح ومعناه من أخبر القرآن أنه مخلد في النار وهم الكفار -كما قال الله -تعالى- (إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ)، وفي هذا دلالة لمذهب أهل الحق وما أجمع عليه السلف أنه لا يخلد في النار أحد مات على التوحيد والله أعلم (١) اهـ.
وكذلك الحديث الذي في صحيح مسلم: " وذاك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة ". وفي رواية أخرى: "ألا لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة اللهم بلغت اللهم فاشهد". قال النووي: قوله، ﷺ: "لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة". هذا نص صريح في أن من مات على الكفر لا يدخل الجنة أصلًا وهذا النص على عمومه بإجماع المسلمين (٢) اهـ.
قلت: فهذه القاعدة متواترة في نصوص الشريعة وفي نصوص العلماء وهي أن النطق مرتبط بالعلم وهو شرط في انتفاع العبد ونجاته وهو أول واجب عليه.
قال ابن تيمية: وقال أبو محمد عبد الله بن أحمد الخليدي: في كتابه "شرح اعتقاد أهل السنة" لأبي علي الحسين بن أحمد الطبري وهذا لعله ممن أدرك أحمد وغيره، قال الخليدي في معرفة الله: وهي أول الفرض الذي لا يسع المسلم جهله ولا تنفعه الطاعة -وإن أتى بجميع طاعة أهل الدنيا- ما لم تكن معه معرفة وتقوى، فالمسلم إذا نظر في مخلوقات الله -تعالى- وما خلق من عجائبه مثل دوران الليل والنهار والشمس والقمر وتفكّر في نفسه وفي مبدئه ومنتهاه فتزيد معرفته بذلك. قال الله -تعالى-: (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) (٣) [الذاريات: ٢١]. اهـ.
_________________
(١) راجع صحيح مسلم بشرح النووي جـ: ٣ ص: ٥٨، ٥٩.
(٢) راجع صحيح مسلم بشرح النووي جـ: ٣ ص: ٩٦.
(٣) جـ: ٢ ص: ٢ لمجموع الفتاوى في الهامش من الكتاب.
[ ١٠١ ]
قلت: ومن هذه النصوص النبوية الصحيحة الصريحة وأقوال السلف فيها نخلص بما يلي:
١ - أن العلم بمدلول الشهادتين شرط في قبولهما لقول النبي -ﷺ- "حتى يقولوا"، وقوله: "حتى يشهدوا"، وقوله: "وكفر بما يعبد من دون الله"، وقوله: "من وحد الله": وقوله: "فإذا عرفوا الله" في حديث معاذ -﵁-.
٢ - أن المشرك لا يعرف الله ولا يعبده. لأن الشرك ينفي صفة التأله لله وحده، وأن معبوده هو الشيطان وليس هو الله وإن ادّعى غير هذا.
٣ - أن النطق بالشهادتين بدون الانخلاع من الشرك لا يغني عن صاحبه شيئًا.
٤ - أن النطق مرتبط بالمعرفة لا ينفع إحداهما بدون الأخرى.
٥ - أن غاية القتال وارتفاعه عن رؤوس المشركين حين يعبدوا الله وحده ويلتزموا بالتوحيد وبتلقي الأحكام من الله وحده لا شريك له.
ومما يؤكد هذا -بفضل الله ورحمته- فضلًا عن دلالة النصوص السابقة من القرآن والسنة، فهم الصحابة -رضوان الله عليهم- أن النصوص على ظاهرها في أن غاية قتال المشركين هي: إفراد الله بالعبادة.
أخرج البخاري -عن جبير بن حية قال: "بعث عمر الناس في أفناء الأمصار يقاتلون المشركين فندبنا عمر واستعمل علينا النعمان بن مقرن حتى إذا كنا بأرض العدو، وخرج علينا عامل كسرى في أربعين ألفًا فقام ترجمان فقال: ليكلمني رجل منكم فقال المغيرة: سل عما شئت. قال: ما أنتم؟ قال: نحن أناس من العرب كنا في شقاء شديد وبلاء شديد نمص الجلد والنوى من الجوع ونلبس الوبر والشعر ونعيد الشجر والحجر، فبينا نحن كذلك إذ بعث رب السموات ورب الأرضين -تعالى ذكره- وجلت عظمته إلينا نبيًا من أنفسنا نعرف أباه وأمه فأمرنا نبينا رسول ربنا -ﷺ- أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية " (١) اهـ.
فهذا النص من الصحابي الجليل المغيرة بن شعبة وهو في جموع المسلمين مع عدم الإنكار عليه وهذا الإجماع (السكوتي) من الجيل الأول رضوان الله عليهم لهو أدل دليل على
_________________
(١) راجع فتح الباري جـ: ٦ ص: ٢٩٨ - كتاب الجزية والموادعة.
[ ١٠٢ ]
أن القتال غايته إفراد الله بالعبادة والتأله وحده لا شريك له وخلع عبادة كل ما سواه من الأنداد والأوثان والطواغيت والآلهة.
وإليك أخي القارئ توصيف وفهم سلف الأمة وأئمتها للإسلام وخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب باستقراء نصوصهم في ذلك لتعلم بيقين أن المشركين وعباد القبور خارجين عن مسمى المسلمين وأن معرفة التوحيد والالتزام به شرط في وجود الإسلام.
* * *
[ ١٠٣ ]