المبحث الأول: الكلام على حملة العرش
إن كون عرش الرحمن له حملة يحملونه هو أمر ثابت في الكتاب والسنة، فقد جاء ذكر حملة العرش في موضعين من القرآن الكريم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ .
فالآيتان تدلان على أن لعرش الله حملة يحملونه اليوم ويوم القيامة، قال شيخ الإسلام: "إن قوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾، وقوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، يوجب أن لله عرشا يحمل، ويوجب أن ذلك العرش ليس هو الملك كما تقوله طائفة من الجهيمة، فإن الملك هو مجموع الخلق فهنا دلت الآية على أن لله ملائكة من جملة خلقه يحملون عرشه، وآخرون يكونون حوله، وعلى أنه يوم القيامة يحمله
[ ١ / ٣٣٧ ]
ثمانية"١.
وأما السنة فهي مليئة بالأحاديث والآثار الدالة على أن لعرش الرحمن حملة من الملائكة يحملونه، فعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام"٢.
وكذلك ما جاء في حديث الأوعال: "ثم فوق ذلك ثمانية أملاك أوعال ما بين أظلافهم إلى ركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء ثم فوق ظهورهم العرش".
والقول بأن حملة العرش هم من الملائكة هو قول السلف الذين يثبتون العرش على أنه جسم عظيم خلقه الله فوق العالم وأن الله استوى عليه بعد أن خلق السموات والأرض، وهذا ما جاء به القرآن والسنة وأجمع عليه السلف من الصحابة والتابعين ومن تبعهم.
وأما الذين أنكروا استواء الله على عرشه وقالوا: إن استوى بمعنى استولى، وأن المراد بالعرش الملك، فإنهم أنكروا أيضا كون حملة العرش هم من الملائكة، فقالوا: إن قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾،
_________________
(١) ١ نقض التأسيس (١/٥٧٥) . ٢ سيأتي تخريجه في قسم التحقيق برقم ٢٤.
[ ١ / ٣٣٨ ]
﴿َيَحْمِلُ﴾ بالجذب، ﴿عَرْشَ رَبِّك﴾ ملك ربك للأرض والسموات، ﴿فَوْقَهُم﴾ أي فوق الملائكة الذين هم على أرجائها يوم القيامة، ﴿ثَمَانِيَةٌ﴾ أي السموات السبع والأرض١، وقيل المراد بالثمانية: السموات والكرسي٢.
فقد أولوا هذه الآية كما أولوا آيات الاستواء والآيات التي جاء فيها ذكر عرش الرحمن ﵎.
أما الصنف الآخر الذين زعموا أن العرش المذكور في الآيات المراد به الفلك التاسع، وهم الفلاسفة، فهم يقولون: إن المراد بالحملة الثمانية في قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، الثمانية أفلاك التي تحت الفلك المحيط أو ما يسمونه الفلك التاسع٣.
وقد تقدم الرد على كلا الفريقين أثناء الكلام على الأقوال في العرش.
فمما تقدم تقرر أن لعرش الله حملة من الملائكة يحملونه بقدرة الله، وقد أخبرنا الله تعالى أنهم يوم القيامة ثمانية، ولكن اختلف في هؤلاء
_________________
(١) ١ تفسير القاسمي (١٦/٥٩١٥) . ٢ الفصل (٢/١٢٦) . ٣ تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات (رسالة في النيوات) (٨٧) .
[ ١ / ٣٣٩ ]
الثمانية هل هم ثمانية أملاك أم ثمانية أصناف أم صفوف وهل هم اليوم ثمانية أم أقل على عدة أقوال:
القول الأول:
إن المراد بالثمانية: ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، وهذا القول مروي عن ابن عباس في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ قال: "ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله" ١.
وهو أيضًا مروي عن سعيد بن جبير٢، والشعبي وعكرمة
_________________
(١) ١ أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٩/٥٨) .وأورده الذهبي في العلو (ص٨٨) . وأورده ابن كثير في تفسيره (٤/٤١٤) .جميعهم من طريق الحكم بن ظهير عن السدي عن أبي مالك عن ابن عباس بمثله. وأورده السيوطي في الدر المنثور (٦/٢٦١)، وفي الحبائك (ص٥٠)، عن ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس من طرق بمثله. ٢ أخرجه عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة (ص١٦٦) بسنده من طريق عبد الأعلى بن حماد عن يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير مثله. وأورده الذهبي في العلو (ص٨٨) عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير مثله. وأورده ابن كثير في تفسيره (٤/٢١٤) من طريق ابن أبي حاتم بسنده عن جرير عن أشعث عن جعفر بن سعيد بن جبير بمثله مقطوعًا، وإسناده جيد، ورجاله كلهم ثقات سوى جعفر بن أبي المغيرة فإنه صدوق يهم.
[ ١ / ٣٤٠ ]
والضحاك وابن جرير١.
القول الثاني:
إن المراد بالثمانية: أنهم ثمانية أجزاء من تسعة أجزاء من الملائكة، وهذا القول مروي عن ابن عباس٢، وقال به مقاتل٣، والكلبي٤.
القول الثالث:
إن حملة العرش هم اليوم ويوم القيامة ثمانية من الملائكة.
ويستدل لهذا القول بحديث العباس بن عبد المطلب الذي جاء فيه: "ثم فوق ذلك ثمانية أملاك أوعال ما بين أظلافهم إلى ركبهم مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهم العرش".
الحديث يدل على أن حملة العرش هم اليوم ثمانية.
وروي عن العباس بن عبد المطلب في قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير (٤/٤١٤) . ٢ أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب العرش (ح٢٧) . ٣ زاد المسير (٨/٣٥١) . ٤ فتح القدير (٥/٢٨٢) .
[ ١ / ٣٤١ ]
رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: "ثمانية أملاك في صورة أوعال بين أظلافهم وركبهم مسيرة ثلاث وستين أو خمس وستين سنة"١.
وكذلك ما روي عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال: "حملة العرش ثمانية ما بين موق أحدهم إلى مؤخرة عينه مسيرة مائة عام"٢.
وعن الربيع بن أنس في قوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: "ثمانية من الملائكة"٣.
_________________
(١) ١ أخرجه الدارمي في الرد على بشر المريسي (ص٤٤٩)، ولفظه (ثمانية أملاك في صورة الأوعال) اهـ. وأخرجه ابن خزيمة في التوحيد (ص١٠٩) . وأخرجه الحاكم في المستدرك (٢/٣٧٨) وقال: (حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي. جميعهم من طريق شريك بن سماك عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس موقوفًا. وأورده السيوطي في الحبائك (ص٤٦) من طريق عبد بن حميد وعثمان بن سعيد الدارمي، وأبو يعلى، وابن المنذر، وابن خزيمة، وابن مردويه، والحاكم وصححه، وإسناده ضعيف لجهالة عبد الله بن عميرة. ٢ ذكره ابن كثير في تفسيره عن ابن أبي حاتم (٤/٤١٤) . ٣ أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب العرش (ح٣١) . وأورده السيوطي في الدر المنثور (٦/٢٦١) من طريق عبد بن حميد عن الربيع بن أنس مثله. إسناده منقطع وفيه ضغف لسوء حفظ أبي جعفر الرازي.
[ ١ / ٣٤٢ ]
وعن شهر بن حوشب قال: "حملة العرش ثمانية، أربعة منهم يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك، وأربعة يقولون: سبحانك اللهم وبحمدك، لك الحمد على عفوك بعد
قدرتك"١.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن أبي شيبة في كتاب العرش (ح٢٤) . وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره (ق٢٨٤/ب) . والطبري في تفسيره (١٩/٧) . كلاهما من طريق جعفر بن سليمان عن هارون بن رباب عن شهر بن حوشب من قوله. وعند عبد الرزاق زيادة في آخره (كلهم ينظرون إلى أعمال بني قدرتك) بدل قوله (كانوا يرون أنهم يرون ذنوب بني آدم) . أما في تفسير ابن جرير فوقف على قوله (على عفوك بعد قدرتك) وقد روى الحديث من وجه آخر عن هارون بن رباب. وأخرجه أبو الشيخ في العظمة (ق٨٥/ب) بسنده عن رواد بن الجراح عن الأوزاعي عن هارون بن رباب نحوه. والبيهقي في شعب الإيمان (١/١/٩١/ب، نسخة الشيخ حماد الأنصاري) بسنده عن العباس بن الوليد بن مزيد قال: أخبرني أبي قال: سمعت الأوزاعي قال: حدثني هارون بن رباب بنحوه. وأورده السيوطي في الدر المنثور (٥/٣٤٦)، والحبائك (ص٤٧)، وعزاه إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ، والبيهقي في شعب الإيمان. وجاء عندهم جميعًا زيادة (يتجاوبون بصوت حزين رخيم) . وروي أيضًا من وجه آخر عن حسان بن عطية. أخرجه أبو نعيم في الحلية (٦/٧٤) عن أحمد بن إسحاق، ثنا عبد الله، ثنا عباس بن الوليد، أخبرني أبي، ثنا الأوزاعي، عن حسان بن عطية بنحوه. وأورده الذهبي في العلو (ص٥٨) قال: الوليد بن مزيد العذري، حدثنا الأوزاعي، عن حسان بن عطية، ثم ذكر نحوه، وقال: (إسناده قوي) .
[ ١ / ٣٤٣ ]
القول الرابع:
إن حملة العرش اليوم أربعة من الملائكة ويوم القيامة ثمانية.
وهذا القول رجحه ابن كثير١، وابن الجوزي٢ وقال هو قول الجمهور٣.
ويستدل لهذا القول بعدة أدلة منها ما رواه الطبري بسنده عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: قال رسول الله ﷺ: "يحمله اليوم أربعة
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير (٤/٧١) . ٢ زاد المسير (٧/٢٠٨) . ٣ زاد المسير (٨/٣٥٠) .
[ ١ / ٣٤٤ ]
ويوم القيامة ثمانية"١.
وروى الطبري أيضًا بسنده عن ابن إسحاق قال: بلغنا أن رسول لله ﷺ قال: "هم اليوم أربعة" يعني حملة العرش "وإذا كان يوم القيامة أيدهم الله بأربعة آخرين فكانوا ثمانية"٢.
واستدلوا أيضًا بما جاء عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: "صدق أمية بن أبي الصلت في شيء من شعره فقال:
رجل وثور تحت رجل يمينه والنسر للأخرى وليث مرصد
فقال النبي ﷺ: "صدق"٣.
واستدلوا أيضًا بما جاء في حديث الصور المشهور فقد جاء فيه: "ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية، وهم اليوم أربعة، أقدامهم على تخوم الأرض السفلى، والسموات إلى حجزهم، والعرش على
_________________
(١) ١ رواه الطبري من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن رسول الله ﷺ وهو خبر مقطوع (٢٩/٥٩)، وإسناده ضعيف. ٢ انظر تفسير الطبري (٢٩/٥٩) . ٣ أخرجه أحمد في مسنده (١/٢٥٦) . والدارمي في سننه كتاب الإستئذان (٢/٢٩٦) . والبيهقي في الأسماء والصفات (٢/٢٠٦-٢٠٧، رقم٧٧١) . وأورده ابن كثير في النهاية (١/١٢)، وقال: (حديث صحيح الإسناد، ورجاله ثقات وهو يقتضي أن حملة العرش اليوم أربعة) .
[ ١ / ٣٤٥ ]
مناكبهم"١.
ولعل هذا القول هو الأقرب إلى الصواب، ولكن ليس هناك نص صريح عن النبي ﷺ في المسألة. والله أعلم.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن جرير في تفسيره (٢٤/٣٠) . وأورده ابن كثير في النهاية (١/١٧٢-١٧٦)، وعزاه للحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده، وقال: (رواه جماعة من الأئمة في كتبهم كابن جرير في تفسيره، والطبراني في المطولات وغيرها، والحافظ البيهقي في كتاب البعث والنشور، والحافظ أبي موسى المديني في المطولات أيضًا من طرق متعددة عن إسماعيل بن رافع قاص المدينة، وقد تكلم فيه بسببه، وفي بعض سياقاته نكارة واختلاف) .
[ ١ / ٣٤٦ ]