أورد الذهبي -﵀- في كتابه "العرش" جملة طيبة من الأحاديث والآثار الواردة في العرش وصفته، وفي هذا المبحث لن نذكر تلك الأحاديث والآثار التي أوردها لأنها ستأتي، وإنما سنورد ههنا بعض الأحاديث الصحيحة في العرش وصفته التي لم يذكرها الذهبي في كتابه، وهذه الأحاديث كثيرًا ما يوردها السلف في كتبهم ويستدلون بها لما فيها من الصحة والقوة، ولما فيها من الصفات الدالة على عرش الخالق ﷾.
_________________
(١) فقد جاء في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بينا رسول الله ﷺ جالس، جاء يهودي فقال: يا أبا القاسم ضرب وجهي رجل من أصحابك، فقال: من؟ قال: رجل من الأنصار، قال: ادعوه، فقال: أضربته؟ فقال: سمعته بالسوق يحلف والذي اصطفى موسى على البشر، قلت: أي خبيث على محمد ﷺ، فأخذتني غضبة فضربت وجهه، فقال النبي ﷺ: "لا تخيروا بين الأنبياء فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من تنشق عنه الأرض، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من
[ ١ / ٢٩٩ ]
قوائم العرش، فلا أدري أكان صعق أم حوسب بصعقته الأولى" ١.
والشاهد لنا من هذا الحديث قوله: "فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش"، حيث إن للعرش قوائم، ولم يرد في الشرع تحديد عدد لها، وهذا الحديث هو من أقوى الأدلة على أن العرش ليس المراد به الملك أو الفلك التاسع. ".
٢- وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال: وعرشه على الماء"٢.
وفي الحديث دلالة واضحة على أن العرش كان مخلوقًا على الماء قبل خلق السموات.
٣- وفي الصحيحين عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي ﷺ يقول عن الكرب: "لا إله إلا الله العليم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه (٥/٧٠ مع الفتح) كتاب الخصومات باب ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهودي. ومسلم في صحيحه (٤/١٠١-١٠٢) كتاب الفضائل. ٢ أخرجه مسلم في القدر (٨/٥١) .
[ ١ / ٣٠٠ ]
العرش الكريم" ١.
٤- وعن ابن عباس عن جويرية أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال: "ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ "، قالت: نعم، قال النبي ﷺ: "لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن، سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته"٢.
قال ابن تيمية: "فهذا يبين أن زنة العرش أثقل الأوزان"٣.
٥- وعن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: " أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام"٤.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في التوحيد، باب وكان عرشه على الماء، واللفظ له. فتح الباري (١٣/٤٠٥) . مسلم في الذكر والدعاء (٨/٨٥) . ٢ أخرجه مسلم في الذكر (٨/٨٣) واللفظ له. وأخرجه أبو داود في تخريج أبواب الوتر، باب التسبيح بالحصى (٢/١٧١) .وأخرجه الترمذي في الدعوات، وقال: (حديث حسن صحيح) . (٥/٥٥٦) . ٣ الرسالة العرشية (ص٨) . ٤ تقدم تخريجه في ص ٢٤١.
[ ١ / ٣٠١ ]
٦- وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقًا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها، قالوا: يا رسول الله أفلا ننبىء الناس بذلك؟ قال: إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين ما بينهما كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فسلوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلى الجنة وفوقه عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة"١.
٧- وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: "الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ومن قطعني قطعه الله"٢.
٨- وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي ذر حين غربت الشمس: "أتدري أين تذهب؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، فيقال لها: ارجعي من حيث جئتي فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في التوحيد، باب وكان عرشه على الماء. انظر: فتح الباري (١٣/٤٠٤) . ٢ أخرجه مسلم في البر والصلة (٨/٧) .
[ ١ / ٣٠٢ ]
تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ "١.
٩- وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لما قضى الله الخلق كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش إن رحمتي غلبت غضبي"٢.
١٠- وعن معاذ بن جبل ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "المتحابون في الله يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله"٣.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في المغازي، باب صفة الشمس والقمر. فتح الباري (٦/٢٩٧) . ٢ أخرجه البخاري في بدء خلق، باب ما جاء في قوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ . فتح الباري (٦/٢٨٧) .وأخرجه مسلم في التوبة، باب في سعة رحمة الله أنها سبقت غضبه. (٨/٩٥) . ٣ أخرجه أحمد في المسند (٥/٢٢٩، ٢٣٦، ٢٣٧) . وابن حبان (٢٥١٠) . والحاكم (٤/١٦٩-١٧٠) . وابن المبارك في الزهد (ص٧١٥) من طريقين صحيحين عنه.
[ ١ / ٣٠٣ ]