إن حقيقة الذات الإلهية لا يمكن للعقل معرفتها، ولا يستطيع إدراك كُنْهِها؛ لأنها لا تحيط بها الفكرة، والإنسان لم يعط وسائل إدراكها بعد.
إن العقل البشرى مهما كان مبلغه من الذكاء وقوة الإدراك قاصر غاية القصور، وعاجز غاية العجز عن معرفة حقائق الأشياء.
فهو عاجز عن معرفة النفس الإنسانية، ومعرفة النفس لا تزال من أعقد مسائل العلم والفلسفة.
وهو عاجز عن معرفة حقيقة الضوء، والضوء من أظهر الأشياء وأوضحها.
وعاجز عن معرفة حقيقة المادة، وحقيقة الذرات التى تتألف منها؛ والمادة ألصق بالإنسان.
ولا يزال العلم يقف عاجزًا أمام كثير من حقائق الكون والطبيعة، لا يستطيع أن يقول فيها الكلمة الأخيرة.
قال العلامة الفلكى المشهور (كاميل فلامَريون) فى كتابه (القوى الطبيعية المجهولة): " نرانا نفكر، ولكن ما هو الفكر؟ لا يستطيع أحد أن يجيب على هذا السؤال؛ ونرانا نمشى، ولكن ما هو العمل العضلى؟ لا يعرف أحد ذلك .. أرى أن إرادتى قوة غير مادية، وأن جميع خصائص نفسى غير مادية أيضًا .. ومع ذلك فمتى أردت أن أرفع ذراعى، أرى أن إرادتى تحرك مادتى، فكيف يحدث ذلك؟ وما هو الوسيط الذى يتوسط للقوى العقلية فى إنتاج نتيجة مادية؟ يوجد من يستطيع أن يجيبنى عن هذا أيضًا؟ بل قل لى: كيف ينقل العصب البصرى صور الأشياء على العقل؟ وقل لى: كيف يدرك العقل هذا؟
[ ٣٧ ]
وأين مستقره؟ وما هى طبيعة العمل المخى؟ قولوا لى أيها السادة (يريد الملحدين) .. ولكن كفى كفى! فإنى أستطيع أن أسألكم عشر سنين، ولا يستطيع أكبر رأس فيكم أن يجيب على أحقر أسئلتى ".
فإذا كان موقف العقل هكذا حيال النفس والضوء والمادة، وما فى الكون المنظور وغير المنظور من أشياء .. فكيف يتطلع إلى معرفة ذات البارى جل شأنه؟ ويحاول إدراك كنهه؟!
إن ذات الله أكبر من أن تدركها العقول، أو تحيط بها الأفكار، وما أصدق قول الله سبحانه:
﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١).