والشيطان لا يتمكن من نفس الإنسان إلا إذا أعرض عن هداية الله، وخرج عن المنهج المرسوم.
فإذا أعرض الإنسان عن الطريق المرسوم له، عاقبه الله بتمكين الشيطان منه، فيوجهه وجهة الشر والفساد فى كل قول وفى كل فعل.
﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ (٢).
ومع التمادى فى الغى والضلال، يستحوذ الشيطان على النفس الإنسانية، ويستولى عليها استيلاء كاملًا، حتى يبلغ الإنسان أن يكون جنديًا لإبليس، أو عضوًا فى جماعة الشياطين.
﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٣).
_________________
(١) رواه مسلم.
(٢) سورة الزخرف - الآية ٣٦ - ٣٩.
(٣) سورة المجادلة - الآية ١٩.
[ ١٤٤ ]
وحين يصل الإنسان إلى هذا المستوى، ويهبط إلى هذا الدرك، يكون قد بلغ النهاية فى الانحطاط الروحى، والكفر بذخائر النفس.
وفى هذا الدرك تختل المقاييس، وتضطرب الموازين، وتلتبس الحقائق، ويعلو سلطان الباطل، وتسود شريعة الغاب، ويتعادى الناس تعادى الحيوانات المفترسة، ويصبح الإنسان - وهو أبدع ما أنشأته العناية الإلهية - أداة من أدوات الشر والفساد، وعاملًا من عوامل الهدم والتخريب.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ (١).
بل يصل الإنسان إلى الحالة التى يتبرأ الشيطان فيها منه.
﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢).