* الإنسان مركب من روح وجسد:
فبالجسد يتحرك ويحس؛ وبالروح يدرك، ويعى، ويفكر، ويعلم، ويختار، ويحب، ويكره؛ وأصل الجسد التراب - وهذه قضية مسلم بها - فإن الإنسان لا يكاد يموت حتى ينحل إلى عناصره الأولى التى لا تختلف عن باقى عناصر الأرض.
فلو أخد الإنسان جزءًا من تراب الأرض الخصبة، وحللها تحليلًا كيماويًا، لوجدها تتركب من عدة عناصر؛ ولو أخذ قطعة من جسم الإنسان، وأجرى عليها عمليات التحليل، لوجدها تتركب من هذه العناصر نفسها.
وقد أحصى العلماء العناصر التى يتألف منها جسم الإنسان، وقالوا: إنه به من الكربون ما يكفى لعمل ٩ آلاف قلم رصاص، وبه من الفسفور ما يكفى لعمل ٢٠٠٠ رأس عود كبريت، وفى الإنسان حديد، وجير، وبوتاسيوم، وملح، ومغنسيوم، وسكر، وكبريت؛ وهى كلها من المعادن التى تتألف منها تربة الأرض.
أما الروح فإن أمرها كان وما زال مثار لجدل ونقاش بين العلماء والفلاسفة، ولم ينتهوا فى شأنها إلى رأى حاسم بعد.
أما القرآن، فقد أجاب عن التساؤل الذى ثار حولها إجابة بعد معجزة من معجزاته الكثيرة:
﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ (١).
_________________
(١) سورة الإسراء - الآية ٨٥.
[ ٢٢٣ ]
فالروح من أمر الله الذى لا يعلمه غيره، ولم يطلع عليه أحدًا سواه، ولم يُعط الإنسان الوسائل التى توصله إلى هذا اللون من العلم والإحاطة به، فعلم الإنسان قليل ومحدود، وهو لم يدرك حقيقة المادة، ولا الكون المحسوس المحيط به، فكيف يتطلع إلى إدراك سر من أسرار الله، وغيب من غيوبه؟!
إن كل ما يمكن أن نعرفه عن الروح، هو أنها تحل فى الجسم، فتدب فيه الحياة، ويظهر فيه الإدراك، والوعى، والتفكير، والعلم، والإرادة، والاختيار، والحب، والبغض، وأنها تفارق الجسم، فيتحول إلى مادة هامدة جامدة كسائر المواد.
ومن ثم فقد كانت الروح هى المميزة للإنسان عن غيره فى هذا العالم، وبها صار عالمًا وحده، وبالروح أسجد الله للإنسان ملائكته، وسخر له ما فى السماوات وما فى الأرض جميعًا منه، وجعله سيد هذا الكون، وخليفته فى الأرض.
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ *فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ (١).
وقد عرّفها العلماء من المسلمين، بأنها ذات مجردة عن المادة، وأنها جسم نورانى علوى حى، يغاير هذا الجسم المادى، ويسرى فيه سريان الماء فى العود الأخضر، لا يقبل التحلل ولا الانقسام، يفيض على الجسم الحياة وتوابعها، مادام الجسم صالحًا لقبول الفيض.