لم تخل الكتب الإلهية المتقدمة من التبشير بظهور محمد ﷺ ونبوته، ففى سفر تثنية الاشتراع (التوراة) بشارة يقول: " أتى الرب من طور سيناء وارتفع من صير إليهم، وشع شعاعة من فاران، وتقدم إلى الأمام ومعه عشرة آلاف من الأبرار، ومن يمينه خرج كتاب التقوى ".
فالإتيان من طور سيناء، يشير إلى ظهور الرب لموسى الكليم؛ والارتفاع من صير، يشير إلى استيلاء داود على صير؛ وأما فاران، فهو اسم أرض الحجاز القديم، حيث ظهر محمد رسول الله ﷺ من سلالة إبراهيم ﵇؛ وأما التقديم إلى الأمام ومعه عشرة آلاف من الأبرار، فهو إشارة إلى النبى محمد ﷺ، فقد دخل مكة يصحبه عشرة آلاف من أنصاره يوم فتح مكة؛ ومن يمينه خرج كتاب التقوى، يشير إلى الشريعة التى خرج بها محمد ﷺ على العالم، والتى لازال نورها يضىء كل ما له شأن بالدين والدنيا، من حياة عامة وخلق اجتماعى.
وفى إنجيل يوحنا، الإصحاح الرابع عشر ١٣، ١٥٥:
[ ٢٠٥ ]
" إن كنتم تحبوننى فاحفظوا وصاياى، وأنا أطلب من الأب أن يعطيكم معزيا آخر، ليمكث معكم إلى الأبد: روح الحق ".
وهذا مثل ما جاء فى القرآن الكريم من أن رسول الله ﷺ خاتم النبيين.
وفى إنجيل يوحنا، إصحاح ١٤ - ٢٦: " أما المعزى الروح القدس الذى سيرسله الأب باسمى، فهو يعلمكم كل شىء ".
وهذا مثل قوله تعالى:
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (١).
وفى إنجيل يوحنا أيضًا، إصحاح ١٦ - ١٢: " إن لى أمورًا كثيرة أيضًا لا أقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن، ولكن متى جاء ذاك روح الحق، فهو يرشدهم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من عنده، بل يتكلم بما يسمع، ويخبركم بما يأتى ".
وهذا يتفق مع قوله ﷿:
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (٢).
* محمد ﷺ، دعوة إبراهيم ﵇ وبشرى عيسى ﵇:
ولقد سجل القرآن الكريم أن محمدًا رسول الله ﷺ، كان استجابة لدعوة إبراهيم ﵇، كما كان بشرى بشر بها عيسى ﵇؛ ففى سورة البقرة، يحكى القرآن الكريم أن إبراهيم وإسماعيل كانا يدعوان الله، وهما يرفعان القواعد من البيت، فيقولان:
_________________
(١) سورة النحل - الآية ٨٩.
(٢) سورة الإسراء - الآية ٨١.
[ ٢٠٦ ]
﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١).
وفى سورة الصف يقول الله ﷿:
﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (٢).
وروى الإمام أحمد بإسناد حسن عن أبى أمامة قال: قلت: يا نبى الله، ما كان أول بدء أمرك؟ قال: «دعوة أبى إبراهيم، وبشرى عيسى».
قال عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁: إن هذه الآية التى فى القرآن:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (٣).
قال فى التوراة: " يا أيها النبى إنا أرسلناك شاهدًا، ومبشرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدى ورسولى، سميتك المتوكل؛ ليس بفظ، ولا غليظ، ولا صخاب بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فيفتح به أعينًا عمياء، وآذانًا صماء، وقلوبًا غلفًا ".
_________________
(١) سورة البقرة - الآية ١٢٩.
(٢) سورة الصف - الآية ٦.
(٣) سورة الأحزاب - الآية ٤٥.
[ ٢٠٧ ]