إن الشيطان يمثل الشر فى الأرض، ويعمل دائبًا على تدمير حياة الإنسان بزحزحته عن هداية الله، وإبعاده عن منهج الحق والرشاد.
لهذا حذرنا الله من كيده، وأخبرنا بعداوته، ودعا إلى مقاومته بكل وسيلة حتى يضعف سلطانه، وتخف شروره وآثامه، فقال:
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (٣).
_________________
(١) سورة مريم - الآية ٨٣؛ أى تغريهم بالمعاصى إغراء، وتزعجهم إليها إزعاجًا شديدًا.
(٢) سورة الحشر - الآية ١٥، ١٦.
(٣) سورة فاطر - الآية ٦.
[ ١٤٥ ]
وقص علينا من عداوته لأبينا آدم ﵇ ما فيه العظة البالغة، فقد استطاع أن يُغْريه بالأكل من الشجرة، وأن يخرجه من الجنة بكذبه وخداعه، وأن يوقعه فى مخالفة أمر الله وارتكاب نهيه، ثم قال عقب ذلك:
﴿يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ (١).
وبيّن للإنسان ما أخذه الشيطان على نفسه منذ خصومته لآدم، أنه سيقعد على الصراط المستقيم يغوى الناس ويضلهم، قال:
﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (٢) لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلًا * قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا * وَاسْتَفْزِزْ (٣) مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ (٤) وَأَجْلِبْ (٥) عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (٦).
وفى سورة الأعراف يقول الله تعالى:
﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ (٧) الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ
_________________
(١) سورة الأعراف - الآية ٢٧.
(٢) أتصرفن فيهم بالوسوسة.
(٣) الاستفزاز: الحث بشدة.
(٤) وسوستك.
(٥) أى صح عليهم بجندك مشاة وراكبين.
(٦) سورة الإسراء - الآية ٦٢ - ٦٥.
(٧) أى على الصراط، وهو طريق الله.
[ ١٤٦ ]
مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ (١) وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ (٢).
وكان حكمه هذا ظنًا وقد تحقق:
﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣).
وفى سورة النساء يقول الله سبحانه:
﴿
إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا (٤) وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَرِيدًا (٥) *لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٦) * وَلأُضِلَّنَّهُمْ (٧) وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ (٨) فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ (٩) وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا * يَعِدُهُمْ (١٠)
_________________
(١) أى لا يترك جهة إلا هجم عليهم منها.
(٢) سورة الأعراف - الآية ١٦، ١٧.
(٣) سورة سبأ - الآية ٢٠.
(٤) أصنام ذات أسماء مؤنثة: اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى.
(٥) شديد التمرد والخروج على الطاعة.
(٦) معينًا ومحتمًا استيلاؤه عليه.
(٧) أضلنهم عن الحق بالوسوسة.
(٨) أى أن الشيطان حلف أن يأمر أتباعه بقطع آذان الأنعام تعظيمًا للأصنام، وكان الوثنيون يقطعون أذن الناقة ويشقونها إذا ولدت خمس بطون وجاءت فى المرة الخامسة بذكر، وكان ذلك علامة على أنه ملك للأصنام لا تركب ولا ينتفع بها أحد.
(٩) أى يأمرهم بسوء التصرف، فيتغير خلق الله، ولاسيما الدين الذى هو فطرة.
(١٠) يعدهم بالفقر إذا أنفقوا فى سبيل الله، وبالغنى إذا غشوا ولعبوا القمار مثلًا، ونحو ذلك .. ويمنيهم الباطل الذى لا حقيقة له، وما يعدهم فى الحقيقة إلا بما يغر ويضر، وليس له أصل ولا نفع.
[ ١٤٧ ]
وَيُمَنِّيهِمْ (١) وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا﴾ (٢).
ويعلمنا أن الشيطان جادّ فى إلقاء خواطر السوء، ومهتم بتقوية دواعى الشر والباطل فى النفس الإنسانية.
﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ (٣).
أى أن الشيطان يوسوس للإنسان، ويلقى فى نفسه بأن الإنفاق يذهب بالمال، ويأمره بالإمساك والبخل والحرص على المال ومنع الزكاة؛ ومن ثم كان من الواجب الحذر منه، واتقاء شروره وآثامه.
﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (٤).
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (٥).
ومن أبلغ ما ذكره القرآن فى الترهيب من متابعة الشيطان، ما جاء فى سورة الأنعام:
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا﴾ (٦).
أى أن الله يقول يوم الحشر للجن وقد استكثرتم من إغواء الإنس، وقال
_________________
(١) يشغلهم بالأمانى الباطلة: كطول العمر، وعدم البعث، والجزاء على العمل، حتى يغفلوا عن الاستعداد للقاء الله.
(٢) سورة النساء - الآية ١١٧ - ١٢٠.
(٣) سورة البقرة - الآية ٢٦٨.
(٤) سورة البقرة - الآية ١٦٨، ١٦٩.
(٥) سورة النور - الآية ٢١.
(٦) سورة الأنعام - الآية ١٢٨.
[ ١٤٨ ]
أتباعهم من الإنس: ربنا استمتع بعضنا ببعض، أى استمتع الجن بالإنس حيث قادوهم، وأخضعوهم لسلطانهم، فكانت لهم لذة السيطرة ومتعة الرياسة، واستمتع الإنس بالجن، حيث زينوا لهم الشهوات أو دلوهم عليها، واستمر هذا الاستمتاع حتى بلغو الأجل المقدّر لهم.
وفى مشهد من مشاهد القيامة يميز الله فيه المجرمين، ويوجه إليهم الخطاب ناعيًا عليهم طاعتهم للشيطان وعبادتهم له.
﴿وَامْتَازُوا (١) الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ * أَلَمْ (٢) أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا (٣) الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًاّ (٤) كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ (٥).
وفى مشهد آخر من مشاهد القيامة يخطب الشيطان فى أتباعه موقعًا اللوم عليهم فى ضلالهم ومتابعتهم له.
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٦).
قال ابن كثير: يخبر الله تعالى عما خاطب به إبليس أتباعه بعد ما قضى الله بين
_________________
(١) انفردوا.
(٢) العهد: الوصية.
(٣) عبادة الشيطان: طاعته والاستجابة له.
(٤) جبلًا: أقوامًا.
(٥) سورة يس - الآية ٥٩ - ٦٢.
(٦) سورة إبراهيم - الآية ٢٢.
[ ١٤٩ ]
عباده، فأدخل المؤمنين الجنات، وأسكن الكافرين الدركات، فقام فيهم إبليس لغنه الله يومئذ خطيبًا، ليزيدهم حزنًا إلى حزنهم، وغمًا إلى غمهم، وحسرة إلى حسرتهم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ على ألسنة رسله، ووعدكم فى اتباعهم النجاة والسلامة، وكان وعدًا حقًا وخبرًا صادقًا، وأما أنا ﴿وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ - كما قال الله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا﴾ (١) - ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾؛ أى ما كان لى عليكم فيما دعوتكم إليه دليل، ولا حجة فيما وعدتكم به، إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى بمجرد ذلك، هذا وقد أقامت عليكم الرسل الحجج والأدلة الصحيحة على صدق ما جاءوكم به، فخالفتموهم فصرتم إلى ما أنتم فيه ﴿فَلا تَلُومُونِي﴾ اليوم ﴿وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ فإن الذنب لكم لكونكم خالفتم الحجج، واتبعتمونى بمجرد ما دعوتكم إلى الباطل ﴿مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ﴾ أى بنافعكم ومنقذكم ومخلصكم مما أنتم فيه، ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ أى بنافعى بإنقاذى مما أنا فيه من العذاب والنكال ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ .. قال قتادة: أى بسبب ما أشركتمونى من قبل وقال ابن جرير: يقول أنى جحدت أن أكون شريكًا لله ﷿ .. وهذا الذى قاله هو الراجح .. وحين يقف الإنسان وقرينه أمام الله فى الآخرة يقول الإنسان: يا رب ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ (٢)، فيقول شيطانه الذى وكل به: ﴿رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ﴾ (٣)،
فيقول الله: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ (٤) وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٥)
_________________
(١) سورة النساء - الآية ١٢٠.
(٢) سورة الفرقان - الآية ٢٩.
(٣) سورة ق - الآية ٢٧ ..
(٤) أى لا تختصموا عندى، فقد أعذرت إليكم على ألسنة الرسل، وأنزلت إليكم الكتاب، وقامت عليكم = = الحجج والبراهين.
(٥) سورة ق - الآية ٢٨، ٢٩.
[ ١٥٠ ]