وقد يقال أيضًا: لقد جاء فى القرآن الكريم:
﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (١).
أى أن الله يضل من يشاء إضلاله، وهيدى من يشاء هدايته، وإذا كان الله يضل ويهدى، فليس للعبد حرية الاختيار، والواقع أن الهداية والإضلال نتائج لمقدمات، ومسببات لأسباب.
فكما أن الطعام يغذى، والماء يروى، والسكين تقطع، والنار تحرق.
فكذلك هناك أسباب توصل إلى الهداية، وأسباب توصل إلى الضلال.
فالهداية إنما ثمار عمل صالح.
والضلال إنما هو نتائج عمل قبيح.
فإسناد الهداية والإضلال إلى الله من حيث إنه وضع نظام الأسباب والمسببات لا أنه أجبر الإنسان على الضلال أو الهداية.
وحينما نرجع إلى الآيات القرآنية نجد هذا المعنى بيّنًا وواضحًا، لا لبس فيه ولا غموض، فالله يقول:
_________________
(١) سورة النحل - الآية ٩٣.
[ ١٠٦ ]
﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾ (١).
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (٢).
﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (٣).
فهداية الله للناس بمعنى لطفه بهم، وتوفيقهم للعمل الصالح، إنما هى ثمرة جهاد للنفس وإنابة إلى الله، واستمساك بإرشاده ووحيه.
ويقول القرآن الكريم فى الإضلال:
﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٤).
﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (٥).
﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ (٦).
﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (٧).
﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٨).
_________________
(١) سورة الرعد - الآية ٢٧.
(٢) سورة العنكبوت - الآية ٦٩.
(٣) سورة محمد - الآية ١٧.
(٤) سورة البقرة - الآية ٢٦، ٢٧.
(٥) سورة إبراهيم - الآية ٢٧.
(٦) سورة غافر - الآية ٣٥.
(٧) سورة الصف - الآية ٥.
(٨) سورة المطففين - الآية ١٤.
[ ١٠٧ ]
﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ (١).
فنرى من هذه الآيات أن سبب الإضلال هو الزيغ، والخروج عن تعاليم الله والكبر، والجبروت، والتعالى على الناس بغير حق، ونقض عهد الله، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، ووصل ما أمر الله به أن يقطع، والفساد فى الأرض، والكفر واقتراف الآثام.
فهذه هى الأسباب التى أضلت الناس، وأخرجتهم عن منهج الحق لأنهم آثروا العمى على الهدى، واستحبوا الظلام على النور، فكان أن كافأهم الله فأصمهم، وأعمى أبصارهم بمقتضى نظامه فى ارتباط الأسباب بمسبباتها.
وهذا ونحوه كثير فى كتاب الله، ومنه:
﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (٢).
فهؤلاء أهملوا منافذ العلم والعرفان وعطلوها عما خلقت له، فلم يصل إليها نور الحق.
فقلوبهم غلف لا تعقل عن الله وحيه، وعيونهم عمى لا ترى الله فى ملكوته، وآذانهم صم لا تسمع آيات الله، فهم مثل الأنعام التى لا تنتفع بحواسها الظاهرة والباطنة، بل أضل من الأنعام، إذ الأنعام لم تزود بما زُوّد به الإنسان من قوى نفسية وعقلية وروحية.
_________________
(١) سورة النساء - الآية ١٥٥.
(٢) سورة الأعراف - الآية ١٧٩.
[ ١٠٨ ]