والإيمان يفيض على النفس إشراقًا، ويملأ القلوب نورًا، وإذا أشرقت النفس واستنار القلب، انمحى كل ما يوسوس به الشيطان.
﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ (١).
وإذا ألم بالقلب الموصول بالله من مس الشيطان شىء، فسرعان ما يستيقظ:
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (٢).
وقد استطاع الشيطان أن يغرى آدم بالأكل من الشجرة، وأن يوقعه فيما حظره الله عليه، وأن يحرك فى نفسه بواعث الهوى ودواعى الشر إغراء وخداعًا.
﴿وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ
_________________
(١) سورة النحل - الآية ٩٨ - ١٠٠.
(٢) سورة الأعراف - الآية ٢٠١.
[ ١٥١ ]
الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (١).
إلا أن نوازع الخير ودواعيه تيقظت فى قلب آدم وحواء، وعلما أنه خدعهما بهما، فتغلبت هذه النوازع والدواعى على وسوسة الشيطان وحظه من النفس، فتابا إلى الله، وأنابا قائلين:
﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢).
فقبل الله توبتهما واستجاب دعاءهما:
﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٣).
﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ (٤).
وبالتوبة والإنابة إلى الله تغلب جانب الخير على جانب الشر، ومتى تغلب جانب الخير على جانب الشر فى نفس الإنسان، تعرض لهداية الله، وكان أهلًا للاجتباء والاصطفاء.
والله لم يذكر لنا هذه القصة إلا لتكون مثلًا حيًّا لما ينبغى أن يكون عليه الإنسان، فالإنسان لم يخلق ملكًا منزهًا عن النقائص، وإنما خلق وعنده استعداد للبر والإثم، والصواب والخطأ، والخير والشر، والطاعة والمعصية، والتقوى والفجور.
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا *فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (٥).
_________________
(١) سورة الأعراف - الآية ٢٠ - ٢٢.
(٢) سورة الأعراف - الآية ٢٣.
(٣) سورة البقرة - الآية ٣٧.
(٤) سورة طه - الآية ١٢١، ١٢٢.
(٥) سورة الشمس - الآية ٧، ٨.
[ ١٥٢ ]
والإنسان بمقتضى خلافته عن الله فى الأرض مكلف بأن ينمى فى نفسه معانى البِرّ، والصواب، والخير، والطاعة، والتقوى؛ وأن يقاوم نوازع الإثم، والخطأ، والشر، والفجور، حتى يبلغ الكمال الروحى الذى أراده الله له.
وفى هذه المعركة يتدخل الشيطان، ليصرف الإنسان عن تنمية قواه العليا من جانب، وليضعف من روح المقاومة بطريق الخداع والإغراء والتزيين من جانب آخر.
ومن ثم كان واجبًا على الإنسان أن يحذر مكايد الشيطان، ويعرف أساليبه التى يتخذها، ليصرف الإنسان عن وظيفته الأولى فى هذه الحياة.
فإذا زلّت به قدم، أو تورط فى الإثم، أو جانبه صواب، أو مارس شرًّا، أو اقترف معصية، أو ارتكب فجورًا .. فأمامه السبيل الذى رسمه له أبوه آدم من التوبة، واستئناف حياة أزكى وأطهر .. وبهذا يخلص الإنسان من سلطان الشيطان وسيطرته عليه.