في الفرق الناجية من النيران، وهم أهل الإسلام والإيمان، الذين تمسكوا بسنة نبيهم ﷺ واعتصموا بالقرآن، فنالوا بذلك رفيع الدرجات في الجنان.
قال الله ﷻ: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة:٢) .
وقال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ (طه: من الآية ١٢٣) .
فوصف الله تعالى هذه الفرقة بالتقوى، ثم بين في كثير من الآيات أن القرآن هدى لهم ورحمة وشفاء وبشارة، وأنهم لا يضلون في الدنيا، ولا يشقون في الدنيا ولا في الآخرة.
وفي الحديث الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله" (١) .
وعن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "لقد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك" (٢) .
وقال ﷺ: "ما تركت من شيء يقرب إلى الجنة إلا وقد حدثتكم به، ولا شيء يقربكم من النار إلا وقد حدثتكم به" (٣)
وقد تقدم قبل هذا حديث العرباض المتضمن لأمره ﷺ بالتمسك بسنته وسنة خلفائه الراشدين من بعده، عند حصول الاختلاف والافتراق، وحدوث المنازعة والشقاق.
_________________
(١) رواه اللالكائي نحوه في شرح أصول الاعتقاد (١/٨٠) من حديث أبي هريرة ﵁. رواه مالك ٢/١٩٩ عن جابر ﵁.
(٢) رواه أحمد (٤/١٢٦) .
(٣) رواه الحاكم (٢/٥) من حديث ابن مسعود ﵁.
[ ٢٣٧ ]
فأما وجوب التمسك بالقرآن والاعتصام به وأن مخالفته كفر فهو معلوم من الدين بالضرورة، وقد نطق بذلك القرآن كما ذكرته من قبل هذا.
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِل إِليْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (الأعراف: من الآية ٣) .
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ (هود: من الآية ١٧) .
وقال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ (القلم: من الآية ٤٤) .
وقد قدمت من دلائل الكتاب والسنة صدر هذا الفصل ما فيه كفاية وذكرى لكل ذي عقل.
وقد خرج رزين بسنده عن ابن عمر ﵄ قال: نزل جبريل على رسول الله ﷺ فأخبره أنها ستكون فتن، قال: فما المخرج منها يا جبريل؟، قال: كتاب الله تعالى (١) .
وقد روى مسلم عن زيد بن أرقم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "ألا وأني تارك فيكم ثقلين أحدهما كتاب الله، وهو حبل الله الذي من اتبعه كان على الهدى، ومن تركه كان على الضلالة، وعترتي أهل بيتي" الحديث (٢) .
وأما وجوب التمسك بسنة نبينا (وان مخالفتها كفر: فمن المعلوم بالضرورة أيضا، والقرآن يصرح بذلك في آيات كثيرة، والأحاديث متواترة.
وقد قدمت في هذا الفصل ما فيه مقنع، لمن أراد أن يتبع سبيله الأرفع.
_________________
(١) انظر: جامع الأصول (٧/٩٥) ورقمه (٦٢٣٢) وقد ذكره ابن كثير في فضائل القرآن بمعناه عقب حديث الحارث عن عبد الله بن مسعود، وقال: رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه "فضائل القرآن" وقال: هذا غريب من هذا الوجه.
(٢) رواه مسلم (٢٤٠٨) .
[ ٢٣٨ ]
وأيضا كل ما أمر به أو نهى عنه أو حكم به أو فعله، فهو:
إما يكون ذلك بالوحي النازل عليه؛ لان الوحي كما ينزل بالقرآن ينزل بالسنة، إلا أنها لا تتلى كما يتلى القرآن. ولهذا قال ﷺ: "إني أوتيت القرآن ومثله معه" (١) يعني: السنة.
وإما أن يكون ذلك مما فهمه ﷺ من القرآن. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِليْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (النساء: من الآية ١٠٥) .
وقال ﷾: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَليْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لهُمُ الَّذِي اخْتَلفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (النحل:٦٤) .
وقال ﷻ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِليْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّل إِليْهِمْ وَلعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل: من الآية ٤٤) .
وأما وجوب التمسك بعده بسنة خلفائه الراشدين، والاقتداء بأصحابه المهتدين رضي الله تعالى عنهم أجمعين:
فالذي تقدم من الآيات والأحاديث الصحيحة، يدل على ذلك دلالة واضحة صريحة، وقد ورد النهي بالتمسك بهديهم والاقتداء بهم خصوصا وعموما مما هو معلوم في كتب السنة، وقد قال رسول الله ﷺ: "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" (٢) .
وأيضا فقد ثبت لهم النجاة، والسلامة من النار والمعافاة كما دل على ذلك كثير من الأحاديث والآيات:
_________________
(١) رواه أحمد (٤/١٣١) .
(٢) ذكره ابن عبد البر في جامع بيان العلم (٢/٩١) وقال: هذا إسناد لا تقوم به حجة؛ لأن الحارث بن غصين مجهول. انظر: السلسلة الضعيفة (١/٧٨) (٥٨)، وقال شيخ الإسلام في منهاج السنة (٤/٢٣٨) ضعفه ائمة الحديث) .
[ ٢٣٩ ]
قال الله تعالى: ﴿لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (التوبة:٨٨) .
وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة:١٠٠) . وقال ﷻ: ﴿لقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ (التوبة: من الآية ١١٧) .
وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ﴾ (الحديد: من الآية ١٢) .
وقال ﷾: ﴿لقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَل السَّكِينَةَ عَليْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (الفتح:١٨) .
وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ (الفتح: من الآية ٢٩) .
وقال تعالى: ﴿يوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ (التحريم: من الآية ٨) .
وقال تعالى: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ (النساء: من الآية ٩٥) .
والأحاديث الواردة في خصوص الآحاد (كالعشرة) ﵃، والواردة في أهل بدر ﵃، وبيعة الرضوان، وأهل أحد أشهر من أن تذكر وأجل من أن تجحد أو تنكر، وما ورد في حقهم ﵃ عموما فكثيرة أيضا:
منها قوله ﷺ: "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" (١) .
وقوله: "لا تسبوا أصحابي؛ فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد
_________________
(١) رواه البخاري (٦٠٦٤) ومسلم (٢٥٣٥) من حديث عمران بن حصين ﵁.
[ ٢٤٠ ]
أحدهم ولا نصيفه" (١) .
ومنها قوله ﷺ: "الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن أذاني فقد أذى الله فيوشك أن يأخذه" (٢) .
ومنها قوله ﷺ: "إن الله تختار أصحابي على العالمين سوى النبيين والمرسلين" (٣) .
ومنها قوله ﷺ: "من سب أصحابي فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا" (٤) .
ومنها ما رواه الترمذي عن جابر ﵁ قال رسول الله ﷺ: "لا تمس النار مسلما رآني، أو رأى من رآني" (٥) .
وخرج مسلم عن أبي موسى حديث: "أنا أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي آتى أمتي ما
_________________
(١) رواه البخاري (٣٦٧٣) من حديث أبي سعيد الخدري، ورواه مسلم (٢٥٤٠) من حديث أبي هريرة.
(٢) رواه الترمذي (٣٨٦٢) وأحمد (٥/٥٤) وابن حبان (٧٢٥٦) وصححه، وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
(٣) انظر: المجروحين (٢/٤١)، سير أعلام النبلاء (١٠/٤١٤) .
(٤) رواه الطبراني في الكبير (١٢/١٤٢) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٤): وفيه عبد الله بن خراش وهو ضعيف: انظر السلسلة الصحيحة (٥/٤٤٦) وقد حسنه لمجموع طرقه.
(٥) رواه الترمذي (٣٨٥٨) وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث موسى بن إبراهيم النصاري وروى علي بن المديني وغير واحد من أهل الحديث عن موسى هذا الحديث الأنصاري وروى علي بن المديني وغير واحد من أهل الحديث عن موسى هذا الحديث.
[ ٢٤١ ]
يوعدون" (١) .
وخرج الترمذي عن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ: "ما من أحد يموت من أصحابي بأرض ألا بعث لهم نورا وقائدا يوم القيامة" (٢) .
ولولا أنهم على هديه المطهر ودينه الذي أظهر، وشرعه الذي قدر، لما أمر ﷺ بالتمسك بسنتهم عند الاختلاف والافتراق، وحدوث النزاع في الدين والشقاق، وما ذلك إلا أنهم اتبعوا سبيله وسيره، واقتفوا في أفعالهم وأقوالهم آثره، والتزموا طريقه ومنهاجه، ورفعوا قواعد الدين، ومهدوا فجاجه، حتى أضاءت بلوامع الحنيفية حوالك الأفاق، وأشرقت بقواطع مرهفاتهم كل الإشراق، وتلألأت بأنوار علومهم المغارب والمشارق، فأضحى بدر الدين بعد الأفول شارقا، وأصل الزيغ والضلال مستأصلا زاهقا، فمن تأمل آثارهم، وتدبر أحوالهم وأخبارهم، سيما عند النزاع والاختلاف، علم أنهم على السبيل الأعدل، والهدي الأكمل، وطريق الحق والإنصاف.
ولقد جرى بينهم منازعة اجتهادية، في أمور ليست اعتقادية، فلم يعدلوا فيها عن السنة والكتاب، بل كان ذلك فيما اختلفوا فيه فصل الخطاب، ولم يبغوا عن كتاب ربهم حولا، ولا عن سنة نبيهم بدلا، إذ لا قصد لهم سوى إقامة الصراط المستقيم، وإدامة مناهج الشرع القويم.
فمن ذلك اختلافهم عند قوله ﷺ في مرض موته "ائتوني بقرطاس أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، حتى قال عمر ﵁: إن رسول
_________________
(١) رواه مسلم (٢٥٣١) .
(٢) رواه الترمذي (٣٨٦٥) وقال: هذا حديث غريب، وروي هذا الحديث عن عبد الله بن مسلم أبي طيبة عن بن بريدة عن النبي ﷺ مرسل وهو أصح.
[ ٢٤٢ ]
الله ﷺ قد غلبه الوجع، حسبنا كتاب الله، وكثر اللغط في ذلك حتى قال النبي ﷺ: "قوموا عني لا ينبغي عندي التنازع" (١) .
ومن ذلك، اختلافهم عن التخلف عن جيش أسامة ﵁، فقال قوم بوجوب الاتباع، لقوله ﷺ: "جهزوا جيش أسامة" (٢)، وقال قوم بالتخلف، انتظارا لما يكون من رسول الله في مرضه.
ومن ذلك اختلافهم في موته، حتى قال عمر ﵁: من قال إن محمدا قد مات علوته بسيفي، وإنما رفع إلى السماء، كما رفع عيسى بن مريم، وقال أبو بكر ﵁: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان يعبد إله محمد فإنه حي لا يموت، وتلا قوله تعالى: ﴿مَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (آل عمران: من الآية ١٤٤) فرجع القوم إلى قوله، وقال عمر ﵁: كأني ما سمعت هذه الآية إلا الآن" (٣) .
ومن ذلك اختلافهم في موضع دفنه بمكة أو المدينة أو القدس، حتى سمعوا ما روي من أن الأنبياء يدفنون حيث يموتون" (٤) .
ومن ذلك اختلافهم في الإمامة، وفي ثبوت الإرث عن النبي ﷺ ورجوعهم للنصوص في ذلك.
ومن ذلك اختلافهم في قتال مانعي الزكاة، حتى قال عمر ﵁: كيف نقاتلهم وقد قال ﵊: "أمرت أن أقاتل الناس
_________________
(١) رواه البخاري ١٦٣٧) من حديث ابن عباس.
(٢) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية ص ٦٨٥.
(٣) رواه البخاري (٤٤٥٤) .
(٤) تقدم تخريجه.
[ ٢٤٣ ]
حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم"، فقال له أبو بكر ﵁: أليس قد قال: "إلا بحقها"، "ومن حقها إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى النبي ﷺ لقاتلهم عليه" (١) .
ومن ذلك اختلافهم في تنصيص أبي بكر على عمر ﵁ في الخلافة، ثم في أمر الشورى حتى استقر الأمر على عثمان.
وقد وقع بينهم اختلاف في بعض أحكام فرعية: كاختلافهم في الكلالة، وميراث الجد مع الأخوة، وعقل الأصابع، وديات الأسنان وغير ذلك.
فهذا هديهم ﵃ في حال الوفاق، وشأنهم عند اختلاف الآراء والافتراق، والرجوع والرد إلى ما أمرهم الله تعالى عند التنازع بالرد إليه، وندبهم إلى ذلك في كتابه وحثهم عليه.
فالفرقة الناجية من العذاب، الآمنة من فزع يوم الحساب، هم الذين سلكوا سنن الصواب، وحكموا فيما اختلفوا فيه السنة والكتاب، واقتفوا في ذلك منهاج الأصحاب، وهم الذين إذا تليت عليهم آيات الله زادتهم إيمانا، وامتلأت قلوبهم معرفة به ﷾ وإيقانا، فشدوا عقد الأعمال على الصواب إحكاما وإتقانا، وصيروا كتاب الله تعالى نورا يستضيئون به في دجى المشكلات وبرهانا، فإن قصرت أفهامهم فلم يستخرجوا منه على مرادهم سلطانا، ردوا إلى السنة التي جعلها الله تعالى إيضاحا وإفصاحا لما اختلفوا فيه وتبيانا، وإلى عمل الصحابة الذين اقتبسوا من مشكاته في حياته، فاستضاؤوا بلآلىء أنواره بعد
_________________
(١) تقدم تخريجه. انظر: الملل (١/٢٥) وما بعده.
[ ٢٤٤ ]
وفاته، فهم أعلم بذلك وأحكم، وإتباعهم يهدي للتي هي أقوم، ويرشد إلى الطريق الأسلم، فمن اقتفى أثر نبيه ﷺ وهدي أصحابه، أدرك السعادة والنجاة في مآبه، وحاز الفوز والنجاح، وفاز بالحسنى والفلاح، ومن اتخذ ذلك وراءه ظهريا، وصير العمل بالكتاب والسنة شيئا فريا، وجعل دينه هواه، فقد أضله الشيطان وأغواه، فاستبدل بالحق خرافات أهل البدع والأهواء، واختار على الصراط المستقيم المنهج الإغواء.
خرج أبو داود عن أبي البختري قال حدثني من سمع النبي ﷺ قال قال رسول الله ﷺ: "لن يهلك الناس حتى يعذروا من أنفسهم" (١) ومعناه: أن الله لا يهلكهم حتى تكثر ذنوبهم وعيوبهم، وتقوم الحجة عليهم، ويتضح لهم عذر من يعاقبهم. وهذه الفرقة التي أخبر ﷺ بنجاتها من النار، هي التي وعدها بالظهور والتمكين والانتصار، والقيام بأمره على الكفار، مستمرين على ذلك مدة الدهور والأعصار، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الملك القهار.
فقد روى البخاري بسنده عن حميد بن عبد الرحمن قال: سمعت معاوية ﵁ خطيبا يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من يرد الله به خيرا يفقه في الدين، وإنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله تعالى لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله" (٢) .
وخرج مسلم وأبو داود والترمذي عن ثوبان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل
_________________
(١) رواه أحمد ٤/٢٦٠ وأبو داود (٤٣٤٧) .
(٢) رواه البخاري (٧١) .
[ ٢٤٥ ]
من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي ثلاثون كذابا كلهم يدعي أنه نبي، وأنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خالفه حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك" (١) .
واعلم أن الله ﷻ قد أوجب على كل من دان الله تعالى بدين الإسلام، واتبع سنة خير الأنام، لا سيما العلماء والأمراء والولاة والحكام، أن يدعوا الناس إلى التوحيد، الذي هو أفراد الله بالعبادة وإخلاصها للملك الحميد، ويجاهدهم على ما داموا به وراضت نفوسهم عليه من شرك التقريب والتقليد، الذي يخلد صاحبه في العذاب الشديد.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (يوسف:١٠٨) .
وقال ﷻ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلى اللَّهِ وَعَمِل صَالِحًا وَقَال إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت:٣٣) .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾ (البقرة:١٥٩) .
وقال ﷾: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ (آل عمران:١٨٧) .
وقال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران:١٠٤) .
_________________
(١) رواه مسلم (٢٨٨٩) وأبو داود (٤٢٥٢) والترمذي (٢٢٢٩) وابن ماجة (٣٩٥٢) .
[ ٢٤٦ ]
وقد قال ﷺ: "لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من الدنيا وما فيها" (١) .
وقال ﷺ لعلي بن أبي طالب حين أعطاه الراية يوم خيبر: "فولله لأن يهدي بك الله رجلا واحدا خير لك من حمر النعم" (٢) .
وخرج ابن ماجة عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولا لله ﷺ: " أفضل الصدقة أن يتعلم المرء المسلم علما ثم يعلم أخاه المسلم" (٣)، وإنما كان تعليم العلم أفضل أنواع الصدقة، لأن الانتفاع به فوق الانتفاع بالمال، لأنه ينفد ويفنى والعلم باق. وقال ﷺ: "ما من داع إلى هدى إلا كان له أجر من تبعه من غير أن بنقص من ثوابهم شيئا" (٤) .
وخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: لولا آيتان أنزلهما الله تعالى في كتابه ما حدثت شيئا أبدا ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ . (٥)
وورد من طرق متعددة عنه ﷺ أنه قال: "من سئل عن علم فكتمه، ألجمه يوم القيامة بلجام من نار" (٦) .
_________________
(١) رواه ابن المبارك في الزهد (١/٤٨٤) .
(٢) رواه البخاري (٢٨٤٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) رواه ابن ماجة (٢٤٣) وضعفه الألباني.
(٤) رواه مسلم (٢٦٧٤) عن أبي هريرة ﵁.
(٥) رواه البخاري (١١٨) ولم أجده عند مسلم بهذا اللفظ، والموجود عن ابن عباس بنحوه (٢٧٨٧) .
(٦) رواه أحمد (٢/٣٤٤) والترمذي (٢٦٤٩) وأبو داود (٣٦٥٨) وابن ماجة (٢٦٤) وصححه. وقال الترمذي: حديث حسن.
[ ٢٤٧ ]
وقال علي ﵁: "ما أخذ الله تعالى على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا" (١) .
وخرج البخاري عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقية قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها طائفة أجادب أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس فشربوا، وسقوا، وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه بما بعثني الله تعالى به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به" (٢) .
والمراد بالعلم: العلم النافع للقلوب، الموصل إلى خير المطلوب، وهو ما جاء به ﷺ من الهدى الذي أعظمه التوحيد.
وقد تضمن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ أبلغ وعيد، وأعظم زجر شديد، لمن كتم ذلك أو قصر فيما أمر به من القيام في الدعوة على العباد، وبذل الوسع في الاجتهاد، والحث على سبيل الرشاد، فمن دأب نفسه في ذلك نال الفوز والإسعاد؛ لأنه اقتفى آثار نبيه ﵊؛ وهدي أصحابه وأتباعهم الذين سلكوا منهج السداد، ومن قصر فيه فقد فرط وخالف المنهاج النبوي وباء بالسخط واللعنة والإبعاد. قال الله تعالى: ﴿أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ﴾ (البقرة: من الآية (١٥٩) .
_________________
(١) انظر: فيض القدير (٣/١٤٥) .
(٢) رواه البخاري (٧٩) ومسلم (٢٢٨٢) .
[ ٢٤٨ ]
وقال ﷻ: ﴿قلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلى اللَّهِ﴾ أي: قل يا محمد هذه الدعوة التي تدعوا جميع الناس عليها، والطريقة السوية التي أنا عليها، ﴿سَبِيلِي﴾ أي: سنتي ومنهاجي القويم، ﴿أَدْعُو إِلى اللَّه﴾ أي: إلى توحيده، الذي هو الصراط المستقيم ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ أي: على يقين ومعرفة أبين بها الحقّ والهدى، والضلال والردى ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ أي: من آمن بي وصدق، وعرف الإيمان وحقق، يدعو إلى مل دعوت إليه، ويجاهد الآبين عليه.
فظهر من هذا وبان، أن الدعوة واجبة وحق على كل إنسان، يدعي أنه من أهل الإسلام والإيمان، وأنه متبع للسنة والقرآن، ولكن كل على حسب حاله في ذلك، إذ ليسوا سواء في المراتب والمسالك.
وقال الحافظ العماد بن كثير: في قوله تعالى: ﴿ولتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران:١٠٤) . أي: منتصبة للقيام بأمر الله في الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
قال أبو جعفر الباقر (١): قرأ رسول الله ﷺ ﴿ولتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلى الْخَيْرِ﴾ فقال: "الخير اتباع القرآن سنتي" رواه ابن مردودية.
والمقصود من هذه الآية: أن تكون فرقة من هذه الأمة متصدية لهذا الشأن وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة بحسبه (٢) .
_________________
(١) هو أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الباقر، وقيل له الباقر لأنه بقر العلم أي شقه وعرف أصله وخفيه، ولد سنة ٥٦هـ وتوفي سنة ١١٤هـ. انظر: السير (١/١٤٢) .
(٢) انظر: تفسير ابن كثير (٢/٧٥) .
[ ٢٤٩ ]
وهذا المقام مما ينبغي أن يتنافس فيه المتنافسون، ويعتني بشأنه الناصحون، ويرغب في تحصيل أجره الراغبون، ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ﴾ (العنكبوت:٤٣) .
والمدار في العمال الإخلاص والاحتساب، فعليهما يترتب القبول والثواب.
وقد آن لجواهر عقد هذه اللآلىء، أن تنتظم فرايدها في سلك الكمال، وحان لها أن ترتسم غررا في صفحات محيا الوجود، وتلتئم دررا يفوق نظامها العقود، وأذنت شموس بيانها أن تطلع غربا وشرقا، فتصبح نفوس أعدائها بكؤوس المر شرقا، مع أنها لم تغص عليها قريحة لها في الفهم طول باع، ولا في العلم تبحر وجودة وسعة اطلاع، بل فهم كليل، وذهن عليل، ومسحة من علم قليل، ولكن إذا ساعدت الأقدار، رفعت الأغمار من الحضيض إلى اليفاع، وسهلت لمعارج المصاعد إلى رقي مدارج المقاصد، ويسرت أسباب المطالب، وأنجحت الأماني والرغائب، فزالت من المرء وصمة الاتضاع، وأرجو أن تكون إلى الصراط المستقيم داعية، وأن تعيها من الناس أذن واعية، ولهدم شبه المبطلين ساعية، فلا يكون لها إن شاء الله بعد هذه ارتفاع، وأن تكون في وجه أهل الضلال وسوما، ولشياطين المشركين رجوما، ولهداة المسلمين نجوما، وان يعم النفع بها والانتفاع، واسأل من يسرها منه بالمعونة، أن يجعلها عن شوب الرياء مصونة، وأن يصيرها بالقبول مقرونة، وأن يحقق رجائي فيه يوم اشتداد الإفزاع، وأن يمن علي في الحياة باقتفاء سنة نبيه محمد ﷺ والاهتداء بهديه والاتباع، وأن
[ ٢٥٠ ]
يحشرني في زمرته وأصحابه والاتباع، وأن لا يجعلني ممن ضل سعيه وبطل عمله وضاع. وأعوذ بك اللهم من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ودعاء لا يسمع، ونفس لا تشبع. نعوذ بك اللهم من شر هؤلاء الأربع. والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين، إنك حميد مجيد.
وكان الفراغ من جمع هذه الدرر، وتسطير هذه الغرر، في رابع يوم من صفر عام ١٢١٦هـ ألف ومائتين وستة عشر، أحسن الله لنا الختام، وتجاوز عما اقترفناه من الآثام، ولا يؤاخذنا بما سعت الأقدام، وطغت به الأقلام، وطفحت فيه الأفهام، فهو أهل التقوى وأهل المغفرة، وأهل الفضل وقبول المعذرة.. إنه على ما يشاء قدير، وبعباده لطيف خبير.
وكان الفراغ من نسخ هذه الرسالة الجليلة المقدار نهار ثالث وعشرين من صفر المذكور، بقلم أحوج العباد إلى عفو ربه الجبار، محمد بن علي بني النجار. غفر الله له وللمسلمين القائمين بالدين، ولمن ألفها، وقرأها، وطالع فيها، وتأمل معانيها، وامتثل أوامرها، وانتهى عن مناهيها.
غفر الله للجميع بمنه وكرمه.. أمين
[ ٢٥١ ]
وكان الفراغ من تحقيق هذه الرسالة ومراجعتها في نهار اليوم السادس من شهر ربيع الأول، بقلم أفقر الخلائق إلى الجليل الخالق، أتم الله له حسن الخاتمة، وتمام العاقبة في الدنيا والآخرة.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على خير البشرية، وعلى أصحابه، ومن سار على نهجه إلى يوم يرث الله البرية.
[ ٢٥٢ ]