وهي الشهادتان والصلاة والزكاة والصوم وحج البيت الحرام.
قال الله ﷻ: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (البقرة:٣) .
﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِليْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة:٤٥-٤٦) .
وقال الله ﷻ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة:١١٠) .
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (النساء: من الآية ١٠٣) .
وقال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (هود:١١٤) .
وقال ﷻ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة: من الآية ٥) .
وقال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلمُونَ﴾ (التوبة:١١) .
وقال ﷿: ﴿وَأْمُرْ أَهْلكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَليْهَا﴾ (طه: من الآية ١٣٢) .
وقوله: ﴿قَدْ أَفْلحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ (المؤمنون:١-٤) إلى قوله
[ ٨١ ]
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُولئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (المؤمنون:٩-١١) .
وقد تعدد ذكر الصلاة والزكاة في القرآن مقرونتين ومفردتين، وآخر ذلك قوله ﷻ: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (البينة:٥) .
وسيأتي أدلة باقي الأركان في موضعها. وأما الشهادة فقد تقدمت دلائلها قبل هذا.
وأخرج الشيخان في صحيحهما عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة وحج البيت، وصوم رمضان" (١) .قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ (البقرة: من الآية ٣) .
الإيمان في اللغة يطلق على: التصديق.
وأما الإيمان الشرعي المطلوب فقد قدمت من النصوص ما يشهد على القطع أنه قول واعتقاد وعمل (٢) وأكثر السلف على ذلك.
قال أبو العالية: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ أي: بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وجنته، وناره، ولقائه، وفسره بعض السلف: بما غاب عن العباد من أمر الجنة والنار، وقال ابن عباس: بما جاء منه أي: من الله، وقيل: الغيب: القرآن، وقيل: القدر (٣) . ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ (البقرة: من الآية ٣) قال ابن عباس: "أي يقيمون الصلاة بفروضها بإتمام الركوع والسجود
_________________
(١) رواه البخاري (٨) ومسلم (١٦) .
(٢) يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية.
(٣) انظر: تفسير ابن جرير (١/١٠١) .
[ ٨٢ ]
والتلاوة والخشوع".
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ اختار بعض العلماء عموم الآية في الزكاة والنفقات أي: أنهم يؤدون اللازم لهم في أموالهم كالزكاة ونفقة من تلزمهم نفقته؛ لأن الله عمم وصفهم ومدحهم بذلك، وكل من الزكاة والنفقة ممدوح به محمود عليه، وإنما قرن الله بين الصلاة والزكاة؛ لأن الصلاة حقه تعالى وعبادته وهي مشتملة على توحيده والثناء عليه، وتمجيده والابتهال إليه، ودعائه والتوكل عليه. والإنفاق وهو الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم، وأولى الناس بذلك القرابات، والأهل، والمماليك، ثم الأجانب.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (النساء: من الآية ١٠٣) . أي: فرضا مفروضا أو فرضا محدود الأوقات، لا يجوز إخراجها عن أوقاتها في شيء من الأحوال، والأول قول ابن عباس.
ولنقتصر عن الكلام على تفسير هذه الآيات؛ لئلا يفوت الغرض من الاختصار، والمقصود شرح حديث "بني الإسلام"، وإيضاح ما احتوى عليه من الأحكام.
والمقصود تمثيل الإسلام ببنيان، ودعائم البنيان "هذه الخمس"، فلا يثبت البنيان بدونها، وبقية خصال الإسلام كتتمة البنيان، فإذا فقد منها شيء نقص البنيان، ولكنه قائم لا ينتقض، ينقض ذلك بخلاف نقض هذه الخمس الدعائم؛ فإن الإسلام يزول بذلك.
قال ابن حجر: "هذا حديث عظيم، وهو أحد قواعد الإسلام، وجوامع الأحكام، إذ فيه معرفة الدين، وما يعتمد عليه عامة المسلمين،
[ ٨٣ ]
ولأنه حاور جميع الأركان التي كلها منصوص عليها في القرآن". (١) والمراد من الشهادتين: الإيمان بالله ورسوله، وقد ذكر ذلك البخاري تعليقا فقال: "بني الإسلام على خمس إيمان بالله ورسوله"، وذكر بقية الحديث. وفي رواية لمسلم "على خمس على أن يوحد الله". وفي رواية "على أن يعبد الله ويكفر من دونه".
فأما الصلاة، فهي مشتقة من الدعاء؛ لاشتمالها عليه هذا قول أكثر أهل العربية والفقهاء.
وشرعا: قربة فعلية ذات إحرام وسلام.
وهي أعظم الدعائم بعد الشهادتين، وفرضت ليلة الإسراء في السماء، وذلك بمكة المشرفة قبل الهجرة بسنة، بخلاف سائر الشرائع؛ فإنها فرضت بالأرض. وفرضها عليه، وعلى أمته ﷺ وهو في السماء، دليل على مزيتها على غيرها من الفرائض.
واختلاف العلماء، هل فرضت ركعتين وزيدت في الحضر أو أربعا ثم قصرت؟ على قولين (٢) .
وقد دل على مشروعيتها الكتاب والسنة، وأجمعت على فرضيتها الأمة، واتفقوا على قتل الممتنع من فعلها، وإنما اختلفوا في قتله، هل كفرا؟ وهو قول جماعة من السلف والخلف، منهم عبد الله بن المبارك، وأحمد، وإسحاق.
قال أيوب السختياني: "ترك الصلاة كفر، لا يختلف فيه". وحكى إسحاق: عليه إجماع أهل السنة. وقال محمد بن نصر المروزي: "هو
_________________
(١) والراجح منهما أنها فرضت ركعتين، ثم زيدت لحديث عائشة ﵂ قالت فرضت الصلاة ركعتين ثم هاجر النبي ﷺ ففرضت أربعا، وتركت صلاة السفر على الأولى.
(٢) رواه البخاري ورقمه (٢٩٣٥) .
[ ٨٤ ]
قول جمهور أهل الحديث".
وذهب طائفة منهم إلى أن: من ترك شيئا من أركان الإسلام الخمسة عمدا أنه كافر بذلك. وروى عن سعيد بن جبير ونافع والحكم وهو رواية عن أحمد وبه قال ابن حبيب من المالكية. (١)
وقد وردت أحاديث تدل على أن من تركها فقد خرج من الإسلام.
ففي صحيح مسلم عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: "بين الرجل والشرك والكفر ترك الصلاة" (٢) .
وخرج محمد بن نصر المروزي من حديث عبادة بن الصامت عن النبي ﷺ قال: "لا تترك الصلاة متعمدا، فقد تركها متعمدا فقد خرج من الملة" (٣) .
وفي حديث معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ قال: "رأس الإسلام وعموده الصلاة" (٤)، فجعل الصلاة كعمود الفسطاط، الذي لا يقوم الفسطاط ولا يثبت إلا به، ولو سقط العمود لسقط الفسطاط، ولم يثبت بدونه.
وقال عمر: "لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة" (٥) .
وقال سعد (٦) وعلي بن أبي طالب: "من تركها فقد كفر" (٧) .
_________________
(١) انظر: جامع العلوم والحكم لابن رجب (١/١٤٧) .
(٢) برقم (٨٢) .
(٣) هو في تعظيم قدر الصلاة (٩٢٠) وإسناده ضعيف، وله شاهد من حديث أميمة عند المروزي (٩١٢)، وعن أم أيمن عند أحمد (٦/٤٢١)، والمروزي (٩١٣) .
(٤) رواه الترمذي ورقمه (٢٦١٦) وقال: حسن صحيح، ورواه ابن ماجة (٣٩٧٣) .
(٥) رواه مالك (١/٣٨-٣٩)، وابن سعيد في الطبقات (٣/٣٥١)، والمروزي (٩٢٣) و(٩٢٩) وابن أبي شيبة (١١/٢٥) .
(٦) يغلب على الظن أنه سعد بن عمارة، ذكره البخاري في الصحابة، انظر المروزي (٩٤٦) .
(٧) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١١/٤٧)، والمرزي (٩٣٣) وفيه معقل الخثعمي، وهو مجهول.
[ ٨٥ ]
وقد استدل الإمام أحمد وإسحاق رحمهما الله تعالى على كفر تارك الصلاة بكفر إبليس بتركه السجود لآدم، وترك السجود لله أعظم.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إذا قرأ ابن آدم السجدة اعتزل الشيطان يبكي، ويقول: يا ويلي أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار" (١) .
وأما الزكاة: فقد فرضت الزكاة في السنة الثانية من الهجرة، وقدر ﷺ نصاب كل مزكي من أنعام بأنواعها ومعشر ونقد، كما هو مبين في الأحاديث الصحيحة. دل على فرضيتها الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقد قدمنا من الآيات، وأما السنة فالحديث المتقدم، وأما الإجماع فقال القرافي: "اتفقوا على فرضيتها، فمن جحدها فهو كافر، ومن أقر بها وامتنع من فعلها وأدائها قوتل عليها" قال ابن مسعود: تارك الزكاة ليس بمسلم (٢) .
وأما صوم رمضان: فهو فريضة، دل عليه الكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَليْكُمُ﴾ (البقرة: من الآية ١٧٨) . وقال تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (البقرة: من الآية ١٨٥) .
والسنة تقدم، والإجماع انعقد على فرضيته، وكونه أحد أركان الإسلام، وفرض في السنة الثانية من الهجرة بعد ليلتين خلتا من شعبان، فمن جحده قتل، ومن اقر بذلك وامتنع عن الفعل استتيب، فإن تاب وإلا قتل.
وعن ابن عباس مرفوعا: "عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة، عليهن أسس الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة، وصوم رمضان، من
_________________
(١) برقم (٨١) .
(٢) رواه ابن أبي شيبة في المصنف (٣/١١٤) واللالكائي في "أصول الاعتقاد" (١٥٧٥) .
[ ٨٦ ]
ترك منهن واحدة فهو بها كافر حلال الدّم (١) .
وعن عمرو بن مالك مرفوعا: "من ترك منهن واحدة فهو بالله كافر، ولا يقبل منه صرف ولا عدل، وقد حل دمه وماله".
وأما الحج: فهو خامس الأركان، دل على ركنيته الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِليْهِ سَبِيلًا﴾ (آل عمران من الآية:٩٧) .
والسنة: الحديث المتقدم، وما رواه مسلم والترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "يا أيها الناس، إن الله قد فرض عليكم الحج، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله، فسكت، حتى قالها ثلاثا، وقال: لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم" (٢) .
وأجمعت الأمة على وجوبه فمن جحده كفر، ومن امتنع من فعله فالله حسيبه.
وروي عن عمر ﵁، فيمن تمكن من الحج ولم يحج، أنهم ليسوا بمسلمين، وكان يعتقد كفرهم، ولذلك أراد أن يضرب عليهم الجزية، وقال: لم يدخلوا في الإسلام بعد، فهم على كتابيتهم (٣) .
_________________
(١) أخرجه اللاكائي في "أصول الإعتقاد" (١٥٧٦)، ورواه أيضا أبو يعلى (٢٣٤٩) وإسناده ضعيف.
(٢) رواه مسلم (١٣٣٧) والنسائي (٢٦١٩) ورواه الترمذي من حديث علي بن أبي طالب وقال: حسن غريب من حديث علي.
(٣) قال ابن كثير في "تفسير" (١/٣٦٨): "روى سعيد بن منصور في سننه عن الحسن البصري قال: قال عمر ابن الخطاب: "لقد هممت أن أبعث رجالا إلى هذه الأمصار، فينظروا إلى كل من له جدة ولم يحج، فيضربوا عليهم الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين". وأورده السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٧٥)، وقال: "إسناده صحيح! مع أن الحسن البصري لم يسمع من عمر، فالإسناد منقطع". وروى أبو بكر الإسماعيلي كما في "تفسير ابن كثير" (١/٣٨٦)، وسعيد بن منصور، وابن ابي شيبة كما في الدر المثور ٢/٢٧٥ عن عمر ﵁ قال: من أطاق الحج ولم يحج، فسواء عليه مات يهوديا أو نصرانيا. وقال الحافظ بن كثير: "واسناده صحيح إلى عمر ﵁".
[ ٨٧ ]
واعلم أن هذه الدعائم الخمس بعضها مرتبط ببعض، وروي أنه لا يقبل بعضها بدون بعض.
ففي مسند الإمام أحمد عن زياد بن نعيم الحضرمي قال: قال رسول الله ﷺ: "أربع فرضهن الله في الإسلام، فمن أتى بثلاث لم يغنين عنه شيئا حتى يأتي بهن جميعا: الصلاة والزكاة وصوم رمضان وحج البيت" (١) .
وعن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله الحرام ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا" رواه الترمذي (٢) .
خاتمة: لم يذكر الجهاد في هذا الحديث، مع أن الجهاد من أفضل الأعمال، وأنجح وسيلة يتقرب بها العبد إلى الله ذي الجلال، وينال بها السعادة في الحال والمآل، والفوز ببلوغ السؤل والآمال، وأعظم ذلك الرضوان الأكبر في النعيم الذي لا يزال. فالآيات المحكمات بفضله شاهدة، والأحاديث الصحيحة في ذلك واردة.
قال الله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (النساء:٧٤) ﴿فَضَّل اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّل اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيما درَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (النساء:٩٥-٩٦) .
_________________
(١) رواه احمد (٤/٢٠٠-٢٠١) وإسناده مرسل كما قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/١٤٩) .
(٢) رواه الترمذي (٨١٢) وقال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وفي إسناده مقال، وهلال بن عبد الله مجهول، والحارث يضعف في الحديث.
[ ٨٨ ]
وقال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ (التوبة:٢-٢١) .
وقال: ﴿إن الله اشترى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ بِأَنَّ لهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَليْهِ حَقًّا﴾ (التوبة١١١) .
وقال تعالى: ﴿يا أيها الذينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ (الصف: من الآية ١٠-١١) .
وفي الصحيحين: " تكفل الله للمجاهد في سبيل الله أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه بما نال من أجر وغنيمة" (١) .
وفي المسند عن معاذ من حديث طويل: " والذي نفس محمد بيده، ما شحب وجه ولا اغبرت قدم في عمل يبتغي به درجات الجنة بعد الصلاة المفروضة كجهاد في سبيل الله، ولا ثقل ميزان عبد كدابة تنفق في سبيل الله أو يحمل عليها في سبيل الله" (٢) .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "أفضل الأعمال إيمان بالله ثم جهاد في سبيل الله" (٣) .
وعنه ﷺ: "لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها"
_________________
(١) رواه البخاري ورقمه (٣١٢٣) ومسلم ورقمه (١٨٧٦) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) رواد (٥/٢٤٦) والطبراني في الكبير (٢٠/٦٣) ورقمه (١١٥) وفيه شهر بن حوشب، وهو متكلم فيه.
(٣) رواه البخاري (١٥١٩) ومسلم (٨٣) .
[ ٨٩ ]
وعنه: "من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة" (١) .
وفي حديث معاذ بن جبل ﵁: "إن رأس الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد" (٢) وذروة سنام كل شيء أعلاه. فبين انه أعلى شيء منه.
وإنما لم يذكره في هذا الحديث:
لأن المقصود منه بيان دعائمه وأركانه التي بسقوط أحدها يسقط جميع بنيانه، والجهاد ليس من الدعائم؛ لأن أكثر أهل العلم على أنه ليس فرض عين، بل هو فرض كفاية بخلاف هذه الأركان.
وأيضا الجهاد كما قال العلماء؛ لا يستمر فعله إلى آخر الدهر، بل إذا نزل عيسى بن مريم ﵇ لم يبق حينئذ ملة غير ملة الإسلام، فحينئذ تضع الحرب أوزارها، ويحمد الله تعالى سائر الملل الضالة نارها، ويمحو من ظاهر الغبراء آثارها، ويمحق أعوانها وأنصارها، فلا يبقى إلا ملة الإسلام، وشريعته ﵊، والعمل على ما قررته من الأحكام، فلا حاجة إلى الجهاد لزوال الكفر والإلحاد، بخلاف أركان الإسلام، فإنها لا تزال ممهدة المسالك، والكل لها سالك، حتى يأتيهم أمر الله على ذلك (٣) .
_________________
(١) رواه البخاري (٢٧٩٢) ومسلم (١٨٨٠) من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٢) رواه الترمذي (١٦١٦) وقال: حسن صحيح.
(٣) انظر: جامع العلوم والحكم (١/١٥٢) .
[ ٩٠ ]