قطعة من مقدمة الشيخ الإمام أبى محمد بن تميم الحنبلى فى عقيدة الإمام المبجل أحمد بن حنبل
وفى أصول مذهبه ومشربه رحمه الله تعالى ورضى عنه
عن مخطوطة مكتبة السلفى الشيخ محمد نصيف بجدة المنقولة من الجزء السادس والأربعين من الكواكب الدرارى من المكتبة الظاهرية العمومية بدمشق الشام. وصححت على أصلها
[ ٢ / ٢٦٣ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الشيخ الإمام أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب بن عبد العزيز التميمى ﵀:
فأما ورود التسمية بالشخص، كقوله «لا شخص أغير من الله» وبالصورة كقوله «فيتجلى لهم فى صورة لا يعرفونها» فاختلف أصحابنا فى هذه التسمية فمنهم: من أطلقها للنقل. ومنهم من تأولها، لعدم الإجماع على إطلاق القول.
قال الشيخ الإمام أبو محمد التميمى ﵀: وبهذا أقول. فنطلق الرؤية للخبر، ولا نطلق تسمية لم يجمع عليها أهل الأثر. وهذا كما قال تعالى ﴿٤٧:٥١ وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ﴾ ولا نشتق له من هذا الاسم «بنّاء» (٤٨:٥١ ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْناها﴾ ولا يشتق له اسم «فراش» فاعرف ذلك وتحققه.
وكان الإمام أحمد ﵀ شديد التحرى فى ذلك
سئل قبل موته - ﵀ - بثلاثة أيام عن أخبار الصفات؟ فقال: تمرّ كما جاءت. وأتعجب من الإنكار لها. وقد ثبت أن «القديم» شئ، لا كالأشياء، و«حىّ» لا كالأحياء. ووردت صفات فى الشرع يجب حملها على ما حملت عليه التسمية بكونه «شيئا» فلما فارق اسمه الأسماء فارقت صفاته الصفات.
قال الإمام أبو محمد: وما أظن أحدا من أهل الأثر خالف فى هذا إلا من أراد الله به غير الرشد.
وكان يقول - ﵀ - إن الشرك يحبط الأعمال كلها. ويقرأ (٦٥:٣٩ ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ)﴾ وإن المرتد إذا أسلم وجب عليه الحج للإسلام، وإن كان قد حج.
وكان يقول: إن التوبة واجبة من الذنوب، وإنها تمحو ما سلف، إذا قارنها الإخلاص، وهو الندم على ما فات. وترك المطال (^١)، والعزم على عدم العودة، وأن
_________________
(١) أى ترك التسويف والممالطة فى التوبة.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
الباري لا يجب عليه قبولها. لأنه لا يجب عليه شئ، وإنما يتفضل على عبده بذلك، إحسانا منه. ويتلو (٧٠:٢٥ ﴿إِلاّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحًا فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ)﴾.
وكان يأمر بالتوبة فى كل حال، ويدعو إليها النساء والرجال من المكلفين ويقول: هى واجبة على الأعيان. ويتلو (٣١:٢٤ ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)﴾ وقد توعد الله تعالى على تأخيرها، وعظّم الجرم على من تركها، فقال (١٨:٤ ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ - الآية) ويحث الأمة على وجوب المبادرة بالتوبة. ويروى عن النبى ﷺ أنه قال «إنه ليغان على قلبى، فأتوب إلى الله فى اليوم سبعين مرة».
وكان يقول: من ترك التوبة وجبت عليه التوبة. لأنه ترك واجبا. فهو كراكب الذنب. وكان يذهب إلى أن قبولها ليس بواجب على البارى، وإنما هو تفضل منه وترغيب لعباده. لأن الواجب ما ألزمه ملزم. وليس له سبحانه ملزم.
وكان يجوز التوبة من بعض الذنوب، حذرا من تنفير المكلف الذى لا يستطيع ترك جميع ما تعود. قال الله تعالى فى قطاع الطريق (٣٤:٥ ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ، فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)﴾ ولم يشترط فى ذلك توبتهم من جميع ذنوبهم. وكان يجوز توبة من تاب ونقض. ويقول: من تاب ونقض فهو مؤاخذ بما يأتى، إلا أن يعفو الله عنه. والتوبة عنده: الندم على ما مضى، والعزم على ترك فعل مثله. فإن كان عجز عن المثل: كفاه الندم على ما مضى. قال النبى ﷺ «الندم توبة» ويجب عليه تجديد الندم عند تجدد ذكر ما اجترم، لأن الأنس بذكر الذنب، وتسهيل العبارة به: دليل على عدم التألم. وذلك إصرار. فلذلك وجب تجديد الندم.
وكان يذهب إلى أن الفاسق بركوب الكبيرة مسلم، وأنه لا ينافى ما أتاه من ذنبه ما اعتقده من إيمانه. ويقرأ (٣٨:٩ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ
[ ٢ / ٢٦٦ ]
لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ)﴾ وهذه معصية، مع تسميتهم مؤمنين. ويقول: إنه برّ بطاعته، فاسق بمعصيته، ومعاصيه لا تضاد إيمانه. لأن ارتكاب الخطيئة لا ينافى الاعتقاد للتصديق.
وكان يقول: إن اجتناب الكبائر كفارة للصغائر. ويقرأ (٣١:٤ ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ، وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا)﴾.
وكان يقول: إن الكبائر ذنوب مخصوصة. وليس كل ذنب كبيرة.
وكان يقول: أىّ بنى آدم لم يذنب؟ والعدل منهم عنده: من لم يرتكب كبيرة، ولم يدم على صغيرة.
وكان ﵀ لا ينزل أحدا من أهل القبلة جنة ولا نارا. ويقول: أمره مرجى إلى الله، ونرجو له. ويظهر الثناء عليه بعد موته بما يرجو من نجاته. ولا يقول فيه إلا خيرا. ويمسك عن ذكر من مات من المسلمين على غير فعل رضى.
ويروى الحديث المأثور «لا تنزلوا أحدا من المسلمين جنة ولا نارا، ولا تقولوا فى موتاكم إلا خيرا». وكان لا يطلق على أحد القول بالكفر من جهة التأويل.
ويقول: قال النبى ﷺ «من قال لصاحبه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما» ويقول: الكفر ضد الإيمان، وهو الجهل الساتر لقلب الإنسان عن الإيمان بالله والعلم به. وكان يكفر من أفضى به معتقده إلى تكذيب الله سبحانه فى خبره، فذاك جهل، وهم القدرية القائلون بخلق القرآن، والمكذبون برؤية المؤمنين لله فى الآخرة، والقائلون بأن المعدوم شئ. وقد قال تعالى (٩:١٩ ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ، وَلَمْ تَكُ شَيْئًا)﴾ والذاهبون إلى أن أفعال العباد خلق لهم دون ربهم
وكان يقول: القدرية مجوس هذه الأمة. والرافضة يهودها، اتباعا للأثر فى هذه التسمية. ويروى قول النبى ﷺ «القدرية مجوس هذه الأمة (^١)»
_________________
(١) كتب الشيخ جمال الدين القاسمى فى هامش الأصل بخطه: الأحاديث والآثار فى هذا منكرة موضوعة كما بينه من صنف فى الموضوعات
[ ٢ / ٢٦٧ ]
وكان يقول: إن الله سبحانه أراد فساد المفسدين وصلاح الصالحين. وإن لم يرد نفع من لم ينتفع بهذا ويقرأ (٢٣:٨ ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ)﴾.
وكان يأمر بالاستعانة بالله على تكليف ما يشغل المكلف بغيره، فيدخل فى باب ما لا يطاق، لا لأنه مستحيل. ولكن لعدم التوفيق للاشتغال به، ويقرأ (٢٨٦:٢ ﴿رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ)﴾ ولا يحسن أن نرغب إليه تعالى فى المستحيل الباطل، كما لا يقال: ربنا لا تكن والدا ولا مولودا.
وكان يقول: إن الله تعالى لم ينعم على الكافر بنعمة فى الدين. وإن كانت نعمه عليه فى الدنيا تترى. لأنه لو أنعم عليه لهداه لرشده.
وكان يذهب إلى أن الكافر مخاطب بالشريعة والأحكام. لأنه مخاطب بالإيمان. وهو شرط. ومن خوطب بالشرط فهو مخاطب بالمشروط. ويقرأ (٥:٩٨ ﴿وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ، وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ. وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ)﴾.
وكان ﵀ يبطل القول بالتوالد، ولا يذهب إليه، وأن السهم الذى يرمى به الرامى، فالقتل الواقع به: من فعل الله سبحانه، لجواز أن يموت الرامى قبل وصول الرمية، فيموت المرمى بفعل فاعل معدوم. وهذا يؤدى إلى جواز وجود الأفعال من الموتى. ولأن هذا عنده فرع من خلق الأفعال. وهى عنده خلق لله سبحانه. ويقرأ (٩٦:٣٨ ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ)﴾.
وكان يقول - ﵀ - إن الميت بالقتل مات بأجله، وإن قتله لم يقطع عليه شيئا من أجله، وأنه لو لم يقتل لمات إن قضى ذلك، ويقرأ (٣٤:٧ ﴿فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ)﴾ وقد سمى الله تعالى مدعى ذلك كافرا، وقال (١٥٦:٣ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا)﴾ ويتلو (١٥٤:٣ ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ)﴾.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
وكان يذهب - ﵀ - إلى أن الأغذية كلها - حلالها وحرامها - من رزق الله تعالى، وأن الرزق ليس بمجرد الملك، وإنما هو ما تغذى به، ويتلو (٩:١١ ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها)﴾ وقوله (٣١:١٠ ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ)﴾ ولو كانوا لأنفسهم رازقين بأخذهم الحرام، أو غصبهم الأموال:
لم يكن لهذا التقدير فائدة. ولكانت البهائم تملك الحشيش الذى ترعاه. والبهائم لا يصح ملكها. فثبت أن الله سبحانه هو الرزاق: حلالا، وحراما.
وكان يذهب - ﵀ - إلى أن الغلاء والرخص من فعل الله سبحانه، وإلقائه الرغبة فى نفوس المحتكرين، والزهد فى قلوب التجار والمدخرين. وليس ذلك من فعل الآدميين. ويقرأ (٢٢:٥٧ ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها. إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ)﴾
وكان يقول: إن البارى يضل ويهدى، ويتلو (١٢٥:٦ ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ. وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾) ويقول: إن كل ما فى الوجود بقضائه وبقدره. وليس القضاء عنده بمعنى جبرهم عليها، ولا إلزامهم إياها، كما يقال: قضى القاضى بكذا. لأن القضاء بمعنى الأمر كقوله (٢٣:١٧ ﴿وَقَضى رَبُّكَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ)﴾ وبمعنى الخلق، كقوله (١٢:٤١ ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ)﴾ وبمعنى الإعلام، كقوله (٦٦:١٥ ﴿وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ)﴾ وبمعنى الإرادة، مثل قوله (٤٧:٣ ﴿إِذا قَضى أَمْرًا فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)﴾ فقضاء المعاصى بمعنى خلق الحركات التى بها المعاصى والإرادات الفاسدة، لا بمعنى الأمر بها، والجبر عليها
وكان ﵀ يذهب إلى أن البارى - جلت قدرته - مريد لكل ما العالم فاعلوه. ويقرأ (١٦:٨٥ ﴿فَعّالٌ لِما يُرِيدُ)﴾ (١١٢:٦ ﴿وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ)﴾ وأن من كان فى ملكه ما لا يريده: فهو المقهور المغلوب. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وكان يذهب - ﵀ - إلى أن أسماء البارى المختصة المشتقة قديمة، وإن
[ ٢ / ٢٦٩ ]
لم يوجد ما تشتق منه، ويقرأ آخر الحشر. وتلك جميعها أسماء قديمة. والقرآن قديم، ولا يفصل بين أسماء الذات والمشتقة من الصفات. لأنها غير متعذرة منه، ولا شئ منها هو عاجز عنه.
وكان يشق عليه - ﵀ - الكلام فى الاسم والمسمى. ويقول: هذا كلام محدث. ولا يقول: إن الاسم غير المسمى. ولا هو هو، ولكن يقول: إن الاسم للمسمى، اتباعا لقوله تعالى (١٨٠:٧ ﴿وَلِلّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها)﴾ ولأنها عنده أعلام على المسميات. فلذلك قال: هى له. وكذلك كان يقول: إن صفات البارى تعالى لا هى هو، ولا غيره. وإنما هى صفات لموصوف مجموع ذكرها مع المذكور، هى إلهيته. فهو سبحانه واحد بصفاته. وكان يقول: ليست أعراضا ولا أجساما. لأنه قد ثبت أن الموصوف ليس بعرض ولا جسم. فكذلك صفته.
وكان يقرأ (٣٢:١٠ ﴿فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ، فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ؟)﴾
وكان يذهب إلى أن معلومات البارى تعالى لا تتناهى. لأن علمه به من معلوماته. وهو سبحانه غير متناه. وكان يقرأ (٢٧:٣٢ ﴿وَلَوْ أَنَّما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ﴾ - الآية).
وكان يكره الكلام. ويمنع منه. ويغضب لسماعه. ويأمر باتباع الأثر.
ويقرأ (١٣:١٣ ﴿وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ، وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ)﴾ ويروى «لا تقوم الساعة حتى تكون خصوماتهم فى ربهم تعالى»
وكان ﵀ يقول: إن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان. ويقرأ (١٠١:٩ ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ)﴾ وقوله (٢٩:١٨ ﴿إِنّا أَعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا)﴾ والمعدّ موجود. ويروى عن النبى ﷺ أنه قال «دخلت الجنة.
فرأيت أكثر أهلها المساكين. ودخلت النار، فرأيت أكثر أهلها النساء»
وكان يقول: لله سبحانه صراط ممدود على متن جهنم أحدّ من السيف، وأدق من الشعر، من جانبيه حسك وكلاليب، يحاسب الناس عليه، ويحبسون
[ ٢ / ٢٧٠ ]
بأعمالهم. فمن نجا فهو الناجى. شعار الأنبياء عليه يوم القيامة «رب سلم، سلم» كما جاء فى الحديث
وكان يذهب إلى أن نعيم أهل الجنة دائم لا ينقطع، والإحسان إليهم لا يرتفع ويقرأ (٣٥:١٣ ﴿أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها)﴾ وأنهم لا يتناهى نعيمهم، ولا تفنى حركاتهم وكذلك أهل النار. ويقرأ (١٨:١٥ ﴿لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ وَما هُمْ مِنْها بِمُخْرَجِينَ)﴾ (٣٦:٣٥ ﴿لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا، وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها)﴾
وكان يذهب - ﵀ - إلى أن الشيطان يجرى من الإنسان مجرى الدم يوسوس له الباطل، ويدعوه إلى المعاصى، ويقرأ (٢٧:٧ ﴿إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ)﴾ وقوله (٩٨:١٦ ﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ)﴾ ولا تجوز الاستعاذة من معدوم. ويروى الحديث عن النبى ﷺ «مع كل إنسان شيطان يغويه. قالوا: وأنت؟ قال: وأنا، إلا أن الله أعاننى عليه فأسلم»
وكان يقول بوجود الجن، وأن لهم تسلطا على الإنسان. ويقرأ (٢٧٥:٢ ﴿كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ)﴾ ويتلوا أيضا (٦٢:١٧ ﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاّ قَلِيلًا)﴾ وقوله (٢٩:٤٦ ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ)﴾ والأحاديث فى ذلك كثيرة
وكان يؤمن بمعراج النبى ﷺ، وأنه ركب البراق، وعرج إلى السماء، وأنه رأى ربه بعينه. ويقرأ (١١:٥٣ ﴿ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى)﴾ (٦٠:١٧ ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ)﴾ (^١) والمعراج قد رواه عشرون من الصحابة بألفاظ مختلفة.
_________________
(١) آية النجم فيها «الفؤاد» والفؤاد غير العين بالبديهة. و«الرؤيا» فى سورة الإسراء هى المنامية. لان اليقظة «رؤية» هذه لغة العرب. والرؤيا هى رؤياه فى أحد، أو رؤياه هجرته إلى المدينة، أو رؤيا دخولهم المسجد الحرام. وقد كان فى كل فتنة وامتحانا للناس.
[ ٢ / ٢٧١ ]
وكان يقول. أفضل القرون: القرن الذين شاهدوا رسول الله ﷺ واتبعوه، ثم الذين يلونهم. ثم الذين يلونهم. وأفضل الصحابة: أهل بيعة الرضوان. وهم ألف وأربعمائة. وخيرهم وأفضلهم: أهل بدر، والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، وأعيانهم الأربعون أهل الدار. وخيرهم: عشرة شهد لهم النبى ﷺ بالجنة، ومات وهو عنهم راض. وأعيانهم:
أهل الشورى، الذين اختارهم عمر بن الخطاب ﵁ للمسلمين. وأفضلهم:
الخلفاء الأربعة الراشدون. وخيرهم أبو بكر، وعمر، لقوله ﷺ «هما من الدين بمنزلة السمع والبصر»، «وما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء بعد النبيين والمرسلين: أفضل من أبى بكر» وكان يقول: إن الأفضل هو أكثرهم ثوابا. وهذا من معلومات البارى، غير أن الحديث شهد بذلك، والإجماع انعقد عليه، وأن الخلفاء الراشدين فى الفضل على ترتيبهم فى الإمامة. وكان يكفر من تبرأ منهم، ومن سب عائشة أم المؤمنين، أو رماها بما قد برأها الله سبحانه منه: فهو كافر عنده. وكان يقرأ (١٧:٢٤ ﴿يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)﴾.
وكان ينهى عن الخوض فيما شجر بين أصحاب رسول الله ﷺ وأن لا يقال فيهم إلا الحسن والثناء الجميل. ويتلو (١٨:٨٤ ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ)﴾ وشهادته سبحانه لهم بالرضى عنهم تمنع من القدح فيهم. ويروى الحديث المأثور «إياكم وما شجر بين أصحابى: فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مدّ أحدهم ولا نصيفه»
وكان يأمر بالثناء على الزبير، وطلحة، وعبد الرحمن، ويأمر بالثناء على الأنصار، والمدح لهم، والمحبة لهم. قال النبى ﷺ «اللهم اغفر للأنصار، ولأبناء الأنصار، ولأبناء أبناء الأنصار» وقال «لا يحب الأنصار منافق ولا يبغضهم مؤمن»
[ ٢ / ٢٧٢ ]
وكان لا يمس معاوية بن أبى سفيان بسوء. ويرى له فضلا. ويقرأ (٧:٦٠ ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً)﴾ ويمسك عن الخوض فيما جرى بصفين والجمل. ويقول: تلك دماء صان الله يدى عن ملابستها، فأصون لسانى عن الخوض فيها. ويقول: إن الله تعالى أثنى عليهم، فيجب أن نحسن الظن فيهم. ويجوّز اجتهادهم، ويسوغ اتباعهم. ويقول: إن الحق فى إحدى جنبتى المجتهدين، ولا أعرفه عينا. ويقول: إن الحق واحد عند الله. فليس كل مجتهد مصيبا. ولكن المصيب له أجران، والمخطئ له أجر واحد، لتحريه الصواب وطلبه إياه. ويروى فى ذلك الحديث المأثور «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران. وإن أخطأ فله أجر»
وكان يمسك عن يزيد بن معاوية، ويكله إلى الله، ويتحرج من إطلاق القول فى أحد من الصدر الأول.
واختلف أصحابنا فيه. فمنهم: من جوز ذمه. لأنه أخاف المدينة. وقد لعن النبى ﷺ من أخاف المدينة. ومنهم: من توقف عن ذلك، وقال:
قد سئل أحمد عنه؟ فقال: قد صلّى الناس خلفه، وأخذوا عطاءه. ومنهم: من أجراه مجرى المسلمين المخطئين. والإمساك عما لا يجب أولى.
وكان لا يجوز لعن أحد من المسلمين لم ترد الشريعة بلعنه. ويروى الحديث المأثور «لعن المؤمن كقتله» و«المؤمن لا يكون لعانا»
وكان ﵀ يقول: الأئمة من قريش. ويعين على إمامة ولد العباس.
ويقول: العباس أبو الخلفاء. وقد انقضت الأعصار على ذلك. وكان ﵀ يأمر بالسمع والطاعة. وينهى عن الشذوذ والفرقة. ويروى الحديث فى ذلك «من شذّ شذ فى النار» وكان يأمر بطاعة الأئمة وأولى الأمر، وإن جاروا، ما أقاموا الصلاة، ودعوا إلى الحق. ويروى الحديث: «اسمعوا لهم وأطيعوا،
[ ٢ / ٢٧٣ ]
وإن أراقوا الدم وأخذوا المال» وكان يقول: من مات ورقبته عريّة من اعتقاد الإمامة فميتته جاهلية. وكان يجوز الغزو معهم، ويرد التعرض لشئ فى الحرب - لهم فيه إذن - إلا بإذن، ويجوز أخذ أعطيتهم، وقسم فيئهم، وتسليم الزكوات إليهم. ويأمر بدفع العشور والخراج إلى ولاتهم. كل ذلك اتباعا للأثر. ويقرأ (٥٩:٤ ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)﴾ وكان يأمر بالقتال معهم للبغاة عليهم، حتى لا تشق عصا المسلمين. وكان لا ينقض حكم أحد من حكامهم على اختلاف مذاهبهم فى الفروع، ويمضيها، إلا ما خالف نصا، أو إجماعا أو دليلا قائما.
وكان يمنع من ولاية المعتزلة والجهمية، ويمنع من الشهادة عندهم. ويقول:
لا تشهد عندهم، ولا كرامة. وقد طالبه رجل يوما بإقامة شهادة. فامتنع. فقال له: يضيع حقى، الله بينى وبينك. فقال له أحمد: الله بينى وبين من ولى قاضيا لا يجوز أن أشهد عنده.
وكان يأمر بهجران المناظر بالبدع، بعد إرشاده وترك قوله. ويقول: قد هجر رسول الله ﷺ الثلاثة الذين خلّفوا، وأمر بهجرانهم حتى صحت توبتهم.
وكان يقول: لا غيبة لأصحاب البدع. قد قال النبى ﷺ فى عيينة بن حصن «ذاك الأحمق المطاع»
وكان ﵀ يقول: الدار دار الإسلام، والمسلمون على ظاهر العدالة.
ومكاسبهم جميعها - إذا عريت عن مجرد الربا والمحظورات - مباحة. ولا يمنع من التجارة مع ظهور أفعال المفسدين، من الغصب وأخذ الأموال، خوفا من أن يصيب المسلم منها شيئا، إلا إذا علمه عينا، وتحققه يقينا. وكان يمنع من ذلك، من طريق الورع، لا على سبيل التحريم.
[ ٢ / ٢٧٤ ]
وكان ﵀ يقبل الهدية من المسلم المأمون الذى لا يعلم منه ريبة، ولا فى فعله فساد. ويقول: قد قبل رسول الله ﷺ الهدية. وكان يأمر بالمكافأة عليها حذر المنّة.
وكان ﵀ يكره المسألة، مقصرا عن طلب الحاجة، اتباعا لقوله ﵊، ووصيته لبعض أصحابه «لا تسأل الناس شيئا»
وكان ﵀ يحمل أمور المسلمين على الصحة، وعقودهم فى الأنكحة على الإباحة، إلا ما كان من نكاح متعة أو شغار. فإنه عنده حرام غير منعقد، ويسقط معه الحد، لشبهة الخلاف فيه.
وكان ﵀ يذهب إلى نفى القول بالرجعة (^١)، ويكفر من يقول بها.
ويتلو (١٥:٢٣، ١٦ ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ. ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ)﴾ من غير ذكر الرجعة. ومن قال غير ذلك فهو ضال.
وكان ﵀ لا يقبل توبة الزنديق والداعية. ويقول: من مذهبه إبطان الكفر: فلا يصح منه الرجوع القولى عنه. ويستحسن قول مالك بن أنس فى ذلك.
وقد روى عنه رواية أخرى: أنه أجراه مجرى المرتد فى قبول التوبة.
وكان يأمر بالتناصر، وترك التدابر، والتعاون على أفعال الخير. ويتلو (٢:٥ ﴿وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى، وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ)﴾ والحديث المأثور «لا تقاطعوا ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا»
وكان يقول: من أفضل خصال الإيمان: الحب فى الله. والبغض فى الله.
ويروى الحديث فى ذلك «أوثق عرى الإيمان: الحب فى الله، والبغض فى الله» ويأمر بالموالاة والأخوة. ويقرأ (١٠:٤٩ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ)﴾ ويروى حديث النبى ﷺ «المؤمنون كالجسد الواحد» ويتلو (٧١:٩ ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾
_________________
(١) أى رجعة على بن أبى طالب إلى الدنيا، وقتله لأعدائه، كما تدين الرافضة بذلك. وهى عقيدة وثنية قديمة
[ ٢ / ٢٧٥ ]
﴿وَالْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ)﴾ ويحث على العفو والصفح والتجاوز. ويتلو (٣٧:٤٢ ﴿وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ)﴾ ويروى فيمن شفى غيظه الحديث المتكرر.
ويقرأ (١٣٤:٣ ﴿وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ. وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)﴾
وكان ﵀ يفضل الفقر على الغنى، ويأمر بالزهد فى الدنيا. ويقول:
فى الصبر على المكاره خير كثير.
وكان يأمر بالتداوى من الأمراض. ويكره الشكوى. قال صالح بن أحمد:
سمعت أبى يئنّ فى مرضه. فقلت له: إن طاوسا - يعنى اليمانى - كان يكره الأنين فى المرض. فما أنّ إلى أن مات.
وكان ﵀ يكره الإمارة، ويشدد فى باب النظر للسلطان. ويروى حديث عبد الرحمن بن سمرة عن النبى ﷺ «لا تسل الإمارة. فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها. وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها»
وكان ﵀ يكره القضاء، ويشدد فيه. ويروى الحديث المأثور «من ولى القضاء فقد ذبح بغير سكين» والحديث الآخر «القضاة ثلاثة: قاضيان فى النار، وقاض فى الجنة. فأما اللذان فى النار: فرجل عرف الحق وقضى بغيره، فهو فى النار. ورجل قضى على جهل، فهو فى النار. ورجل عرف الحق فاتبعه وقضى به فهو فى الجنة» وروى عنه: أنه كان يذكر بعض الناس، فيقول: ﵀، آثر عذابهم على عذاب الله.
وكان قد ضرب على ولاية القضاء، وقال مرة: القضاء؟ نسأل الله العافية، ومرة قال: لا بد للناس من قاض. أتذهب حقوق الناس؟ ولكن هذا مع الضرورة إذا لم يوجد منه بد. وكان يجيز أرزاق القضاة بقدر الكفاية.
والكسب أحب إليه من أرزاقهم.
وكان ﵀ يحرم الغناء، ويشدد فيه، ويأمر بكسر الملاهى، وإن كانت لها قيمة، إذا كانت لا تصلح إلا للهو. ويروى عن النبى ﷺ «بعثت بكسر الطبل».
[ ٢ / ٢٧٦ ]
وكان يعتقد أن كل مسكر حرام، وكل مسكر خمر. ويذكر الحديث المروى «الخمر من هاتين الشجرتين: الكرمة، والنخلة» وفى الحديث «من الحنطة خمر، ومن العسل خمر، ومن الذرة خمر».
وكان ﵀ يذهب إلى جواز المسح على الخفين. ويقول: قد فعله أصحاب رسول الله ﷺ، وحديث جرير بن عبد الله «إن هذا كان قبل نزول المائدة. فقال: إنما أسلمت بعد المائدة، وبعد القادسية» ومسح على الخفين جميع الجيش، وهم جلة أصحاب محمد ﷺ.
وكان يأمر بالتكبير على الجنائز أربعا. ويقول: على ذلك مضت السنة.
ويجوز اتباع الإمام إلى سبع إذا كان غير مبتدع، وكان للاجتهاد أهلا. ويذهب إلى حديث النبى ﷺ «كبروا على موتاكم بالليل والنهار أربعا».
وكان يقول بوقوع الطلاق الثلاث فى لفظ واحد. وأنها تحرم به، مدخولا بها كانت أو غير مدخول بها. ولا يبيحها إلا بعد زوج آخر وإصابة. ويذهب إلى حديث ابن عمر «يا رسول الله، أرأيت لو طلقتها ثلاثا؟ فقال: بانت منك زوجك، وعصيت ربك (^١)» وكان يكرهه لموضع الخلاف، ويوقعه بصريح الحديث.
وكان يقول: إن النبى ﷺ غير موروث. ويذهب إلى الحديث الذى يروى «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة».
وكان ﵀ يرى صلاة التراويح سنة مؤكدة، وأن نسبتها إلى عمر بن الخطاب فضيلة، وأنه لم يجبر عليها ولا سنها. وإنما هى سنة رسول الله ﷺ. ويروى فى ذلك حديث النبى ﷺ «إن الله فرض عليكم صوم شهر رمضان، وسننت لكم قيامه. فمن صامه وقامه إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه».
_________________
(١) رواه الدار قطنى. وقد حقق الامام ابن القيم فى تهذيب السنن وزاد المعاد: أن الأصح عدم وقوع الثلاث بلفظ واحد إلا واحدة، وكذلك شيخ الاسلام ابن تيمية
[ ٢ / ٢٧٧ ]
وكان ﵀ يرى شفع الأذان وإفراد الإقامة، اتباعا للسنة الصريحة.
والوتر عنده: ركعة مفصولة، ويقنت بعد الركوع فيها. والصاع عنده: خمسة أرطال وثلث بالعراقى.
وكان يتحرج أن يدخل إلى دار فيها صور، أو دعوة فيها لهو أو غناء، أو جنازة يتبعها نوح أو مزمار. فإذا حضر لم يرجع عنها. ويقول كما قال الحسن لابن سيرين: لا ندع حقا لباطل.
وكان ﵀ يمنع من التزهيد المفضى إلى تحريم ما أحل الله، والامتناع من المباح الذى رفع الله فيه الحرج. ويقول: قال النبى ﷺ «المحرّم ما أحل الله كالمحل ما حرم الله» إلا أن يكون رجلا يخاف على نفسه الفتنة، أو يدعوه إلى الشهوة فليسرها بذلك. ويأخذ بالعزائم من غير أن يحرم ذلك فيجوز.
قد قال النبى ﷺ «من ترك شيئا لله عوض الله ما هو خير منه» ولم يزل العلماء يؤدبون نفوسهم بالمنع من الشهوات المباحات، لا على وجه التحريم.
وكان ﵀ يمنع من تزكية النفس. ويقرأ (٣٢:٥٣ ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقى)﴾.
وكان من مذهبه: اعتبار الكفاءة فى النكاح. وهى عنده: الدين، والمنصب ويروى قول النبى ﷺ «زوجوا الأكفاء، وتزوجوا إلى الأكفاء»
وكان يمنع من المفاضلة بين الأنبياء. لقوله ﵊ «لا تفاضلوا بين الأنبياء، ولا يفضلنى أحد على يونس بن متى» ويقول - مع هذا - إن الأنبياء بعضهم أفضل من بعض. لقوله تعالى (٥٥:١٧ ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ)﴾ ولكن ليس تعيين التفضيل إلى أحد منا.
وكان يعتقد مع ذلك: أن محمدا ﷺ خير الرسل، وخاتم الأنبياء والشهيد على الجميع، وأن أمته خير الأمم. ويقرأ (٤١:٤ ﴿وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيدًا)﴾ وقوله (١١٠:٤ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ)﴾.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
وكان يرى تفضيل صالحى المؤمنين على الملائكة.
وكا؟؟؟ ﵀ - لشدة اتباعه للسنن - يمنع من سماع قصائد ابن الخبازة فى الزهد والترغيب. ويقول: الاجتماع لذلك محدث، وكذلك يمنع الكلام فى الخطرات والوساوس والإشارات. ويقول: الكتاب والسنة هو المأمور به.
وقد سئل مرة عن المريد؟ فقال: أن يكون مع الله كما يريد، وأن يترك كل ما يريد لما يريد. وهذا ضرب من ذلك، ولكنه ليس بأصل يكون الكلام مقصورا عليه، دون غيره. وكان يعظم الصوفية ويكرمهم، وقال - وقد سئل عنهم - وقيل له: يجلسون فى المساجد؟ فقال: العلم أجلسهم. وكان يحرم الغناء والألحان فى القرآن والشعر. ويكره غناء القصب، فأما حدو الأعراب: فقال:
حدا عبد الله بن رواحة وغيره. فلا بأس به.
وقال ﵀: طوبى لمن أخمل الله ذكره. وأرسل إلى عبد الوهاب - يعنى الوراق - عليك بالخمول. فإنى قد بليت بالشهرة.
وكان يقول: الزهد: ترك حب الثناء.
وقال أبو بكر المروذى: قال لى أبو عبد الله: قل لعبد الوهاب - يعنى الوراق - أخمل ذكرك. فإنى أنا قد بليت بالشهرة. وسمعت أبا طاهر محمد بن أحمد الغبارى الفقيه يقول: قال أحمد بن حنبل ﵀: طوبى لمن أخمل الله ذكره.
وكان ﵀ يمنع من الدخول على الأمراء، ويقول: الخلوة أنفع.
وكان يأمر بإظهار العلم. وقال فى الحبس، وهو مهدد بالضرب والقتل:
إذا سكت الجاهل لجهله، وأمسك العالم تقية، فمتى تقوم لله حجة؟
وكان يأمر بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر بحسب الطاقة. ولا يلقى باليد إلى التهلكة. ويروى الحديث «حسب امرئ مسلم يرى منكرا لا يستطيع له غيرا: أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره» ويقول: هو باليد مع القدرة، وباللسان عند عدم المكنة، وبالقلب عند خوف الفتنة، والعجز عن القيام بالفريضة. وهو
[ ٢ / ٢٧٩ ]
أضعفها. وكان يذهب إلى أنه لا يجوز كشف منكر قد استسرّ به، كما لا يجوز ترك إنكاره مع المظاهرة والمجاهرة به. ويأمر بأن يظن بالمسلمين خيرا. وكان يقول: إن التوارى بالمنكر لا يمنع إنكاره إذا ظهرت رائحة، أو صوت. وكان يأمر بالمعروف، وإن لم يغلب على ظنه زواله، إذا أمن فيه من ظهور ما هو أعظم منه، لأن الغرض عنده: التذكرة والإرشاد، وليس عليه مع العجز زوال العين.
وكان يأمر بإظهار المذهب الصحيح عند ظهور المذاهب الفاسدة. ويقول:
الغرض إقامة حجج الله. وليس فى ذلك مشقة. فإن خاف على نفسه التلف أو الإهانة المفضية إلى ضعف كلمة الحق: لم يلزمه. وكان يقول: إذا أمكن رفع ذلك إلى السلطان ليزيله لم تمد إليه يد، وكان السلطان به أولى. فإن خاف فواته قبل بلوغه إلى السلطان: كان له التسرع إليه، مع شرط أمان الهلاك والفتنة، والهوان العائد بنقص الدين. ويجب على الكافة إعانة السلطان إذا استعان بهم على رفع المنكر. ويجب على العلماء إنكار ما يحدث من البدع والمذاهب الفاسدة بإقامة الحجج المزيلة للشبهة، الكاشفة عن غمة الضلالة.
ويجب على الإمام ونائبه تنفيذ ذلك، وأخذ أهل الزيغ بالرجوع عما هم عليه، بعد قيام الحجة. فإن أبوا أنالهم من النكال بحكم اجتهاده ما يأمل معه رجوعهم. وإن كانت لهم شوكة، وأظهروا قوة ونصبوا حربا: قاتلهم، كما قاتل أبو بكر ﵁ ما نعى الزكاة. وكذلك البغاة يدعوهم الإمام إلى مراجعة الحق، ويبطل شبههم، ويردهم بأسهل ما أمكن، ثم بما يؤدى إليه الاجتهاد والسيف عند الإياس منهم، وامتناعهم وتضريم الحرب.
وكان يأمر بالوعظ، مثل الأدب والتخويف بالله تعالى قبل اليد، كل ذلك طلبا للسلامة، وحملا لأمور المسلمين على الستر والصحة.
وكان يذهب إلى أنه يلزم الإمام ما يلزم الأمة، ولا يلزم الأمة جميع ما يلزم الإمام. لأن الأحكام الشرعية عنده تنقسم أقساما، منها ما يعم وجوبه، ويلزم
[ ٢ / ٢٨٠ ]
جميع المكلفين فعله. وهو الإيمان بالله وتوحيده، وتصديقه فى خبره، وتصديق رسله وكتبه، والتزام العبادات التى تضمنتها أوامره. فهذا عام الوجوب.
وكان ﵀ يقول: أوجب الله على المكلفين النظر والاستدلال الموصلين إلى العلم. ويتلو (١٨٥:٧ ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ؟)﴾ وقوله (٢١:٥١ ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ؟)﴾
وكان يقول: اختلاف المسلمين يدل على وجوب النظر. لأنه لا يجوز أن يكون المختلف فيه حقا كله، فيكون أهل الملل المنسوخة على صواب، ولا باطلا كله، فلا وجه للاختلاف. ولا بد من كون بعضه حقا وصوابا وبعضه باطلا.
ولا يعلم ذلك فى الأحكام التى لا تدرك بالضرورة إلا بالاستدلال، فثبت وجوبه
وكان ﵀ يقول: العلم على ضربين: ضرورة واستدلال، والضرورة ما وقع تحت الحواس الخمس. وهذا لا طريق إلى دفعه، ولا شبهة فى كونه، وعلم منه لا يدرك بحاسة من هذه الحواس، وهو الأخبار المتواترة، والأنباء السائرة عن الأمم السالفة، والبلاد القاصية، والملوك الخالية. فهذا يعلم ضرورة. وكذلك علم الإنسان بنفسه، وما يجده من باطن خاله - من صحة وسقم، ولذة وألم، وقوة وهرم، وشهوة وندم - فهذا جميعه علم ضرورة. لأنه لا سبيل إلى دفعه عن القلوب، ولا اعتراض للشك عليه.
والاستدلال: ما وقع وكشف بطلب واستنباط ونظر. هذا علم المحدثين. فأما الباري - جلت قدرته - فعلمه خارج عن هذه الأقسام. لأنه وصفاته لا يشبه الأنام.
ومن مذهبه: أن العلم هو معرفة المعلوم على ما هو به. وهذه عبارة عن قوله، لم يحفظ من لفظه.
والعقل: ضرب من العلوم الضرورية التى يختص بها الحيوان الناطق، ومسكنه القلب. ومعناه: الميزة بين الشيئين فى الحالة الثانية.
والدليل: ما أزال الإشكال، وتوصل به إلى العلم بالحال. والدال: هو المستدل
[ ٢ / ٢٨١ ]
والمدلول: الحكم عليه. ويجوز أن يستعمل اسما للذى ينصب الدليل، أعنى المستدل. وأول نعمة لله على عباده: خلقهم أحياء، وجعلهم أهلا لهذه الأشياء، وما وفقهم له من الرشاد والهدى، ثم نعمه بعد ذلك عليهم تترى.
والأمر عنده على الوجوب، إذا تعرى لفظه عن قرينة تدل على غيره. وله عنده صيغة تدل بمجردها على كونه أمرا. وهى لفظة «افعلوا» وهو عنده على الفور والعجلة، دون التراخى والمهلة. وكان أحمد ﵁ يقرأ (١٦:٦٤ ﴿فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ)﴾ وهو مستطيع للفور. فلا وجه للتراخى. وكان يذهب إلى أنه لا يقتضى التكرار، إلا بقرينة تدل على الاستكثار. ويقول: قد أدى الواجب، وسمى مطيعا، ومتى تكرر الأمر فهو تأكيد للمأمور، إلا أن تقوم عليه دلالة بارادة التكرار للفعل.
وكان ﵀ يقول: إنه إذا ورد لفظ أمر بعد تقدم نهى: دل على الإباحة، دون الإيجاب. ويقرأ ﵀ (٢:٥ ﴿وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا)﴾ ومتى خير الآمر المأمور فى أشياء يفعلها: فالواجب واحد لا بعينه، لا يسقط به فرض سواه. وله العدول إلى أيها شاء. ومتى قام الدليل على أن الأمر لم يرد به الوجوب لم يدل على الجواز.
والمندوب إليه: داخل تحت الأمر، للترغيب لا للالزام.
والأمر بالشئ نهى عن ضده. ولا يدخل الأمر فى الأمر المطلق إلا بدليل.
ويدخل العبيد عنده فى الأمر المطلق. ولا يدخل النساء فى خطاب الذكور.
والزيادة على المأمور به ليس بواجب، مثل تطويل الركوع والسجود. لأنه لا يأثم بتركه. فدل على عدم وجوبه. ولا يقع الأمر من الأمر على وجه مكروه. لأن الحكيم لا يستدعى ما يكره، مع غناه عنه.
وكان يقول ﵀: إن النهى يدل على فساد المنهى عنه. وله عنده صيغة.
فإذا ورد الأمر وفيه استثناء من غير جنسه: لم يكن استثناء صحيحا عنده. وقد اختلف فى جميع ذلك أصحابه.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
وكان من مذهبه: صحة القول بالعموم، وأن له صيغة تدل على استغراق الجنس، كقوله تعالى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ وبعض أصحابه كان يمنع منه، ولا يقول به. ومتى ورد لفظ العموم، ثم ورد تخصيص لبعضه: فالباقى على عمومه، لأنه إخراج بالدليل لبعضه. فأصله على ظاهره.
وكان ﵀ يذهب إلى القول بدليل الخطاب فى أنه حجة لله على خلقه.
ويقول: هو مفهوم قول العرب، وجريان اللسان العربى، خوطبنا به. والتنبيه على الحكم أقوى عند بعض أصحابه من دليل الخطاب.
وكان ﵀ لا يجوز تأخير البيان للخطاب المجمل. لأنه يفضى عنده إلى اعتقاد المكلف خلاف المراد. وهذا لا يوصف به من يريد لعباده الإرشاد.
وكان ﵀ يقول: إذا فعل النبى ﷺ فعلا، ودل الدليل على أنه غير خاص به، وخرج مخرج البيان منه: فهو على الوجوب. ويجب اتباعه عليه. ويقرأ (٢١:٣٣ ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)﴾ ويروى عنه ﷺ «صلوا كما رأيتمونى أصلى»
وكان ﵀ يسوغ الاجتهاد فى الدين، إذا حدثت الحوادث التى لا نصوص عليها، ويقول: إن الحق فى أحد جهتى المجتهدين. فالمصيب له أجران، والمخطئ له أجر. والطّلبة: إصابة الدليل. ويقول: إن العامى يمكنه ضرب من الاجتهاد، وهو طلب الأوثق فى نفسه، والأدين عنده والأعلم.
وكان يقول: العالم لا يقلد أحدا، وإن ضاق عليه وقت الحادثة. وكان النبى صلّى الله عليه لا يجتهد. لأن الوحى غير ممتنع عليه. ومن أصحابه من جوزه.
وكان يجوز الاجتهاد بحضرته ﷺ لأنه من طاعات المجتهدين عنده. والطاعة بحضرته غير قبيحة.
وكان يذهب - ﵀ - إلى أن أدلة الله سبحانه فى الأحكام الشرعية والحوادث التى لا تدخل تحت العلوم الضرورية: مأخوذة من أصول خمس.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
فأولها: كتاب الله. ويقرأ (٣٨:٦ ﴿ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ)﴾
والثانى: سنة رسول الله ﷺ، ويتلو (٥٩:٤ ﴿فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ)﴾ والرجوع إليه ﷺ بعد عدمه: إنما هو إلى سنته. ويروى «عليكم بسنتى» ويقرأ (٧:٥٩ ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)﴾.
الثالث: إجماع أهل العصر من العلماء، أهل العقد والحمل إذا لم يختلفوا.
فإن خالف بعضهم - ولو واحد منهم - لم يكن إجماعا. وإذا انتشر القول عن بعضهم، وعلمه جميعهم، فلم ينكروا شيئا منه: فهو إجماع.
وكان يقول: الإجماع إجماع الصحابة. ومن سواهم تبع لهم.
وذهب بعض أصحابه إلى أن إجماع كل عصر على الشرط الأول بمنزلة إجماع الصحابة، ويروى «لا تجتمع أمتى على ضلالة».
وكان ﵀ يحب إجماع أهل المدينة، ويقدمه على غيره، لا لأنه لا إجماع إلا منهم، ولكن لأنهم أشد اتباعا، وأكثر رواية، وأخص دراية بأفعال الرسول ومن كان بعده، وكل مصر: فهذا معدوم فيه. لأنها داره ومسكنه ومقر أفعاله، وتناهى بيانه، ولم يقبضه الله إلا على أفضل الأحوال بإجماعهم على علم أقر الله عليه رسوله. فلذلك اعتمد عليه، وزاده ميلا إليه.
وكان يختار قراءة نافع بن أبى نعيم. ويأمر بها، ويكره الإمالة. ويحب التفخيم. ويذكر بعد نافع أبا بكر بن عياش. ويختار نقله عن عاصم بن بهدلة، لوضوح نقل نافع، وثقة ابن عياش.
وأصحابه جوزوا صحة انعقاد الإجماع من طريق القياس. لأنه عندهم صادر عن الدليل، متعبّد به ومعول عليه. فهو كما لو انعقد عن آية أو سنة.
والرابع: قول الواحد من الصحابة إذا انتشر، ولم يعرف له منكر أنكره.
ويروى «أصحابى كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم» فيكون قول الصحابى على
[ ٢ / ٢٨٤ ]
الصفة المذكورة، كقوله ﷺ فى شهادته بالهداية. وإذا صار التابعى من أهل الاجتهاد: دخل مع الصحابة فى إجماعهم، واعتبر خلافه. وكذلك عنده إذا اختلف الصحابة على قولين وانقرض العصر على أحدهما: جاز القول بالآخر عنده بعدهم، على خلاف بين أصحابه.
والخامس: القياس. وهو رد الشئ إلى نظيره بعلة تجمع بين أصله وفرعه.
فإن عدم ذلك فلا قياس.
وكان يقول بالقياس من طريق الشبه والمقاربة، حتى يكون له علة صحيحة تجمع بين الأصل والفرع.
وكان يمنع - ﵀ - من القول بالاستحسان، ليس الدين عنده مأخوذا من طريق الحسن الجميل. فإن فى الشرع حسنا يقبحه العقل (^١). فلا حكم للاستحسان. وقد روى عنه: أنه استحسن فى بعض المواضع. وذلك محمول - من قوله على استحسان طريق حديث على غيره، أو قول صحابى خالفه سواه.
واستحسن قوة علته. فغلّب الحكم بعلة على غيرها. فإن الحكم قد ثبت بعلل شتى
وكان يقول: لا يجوز القياس على ما ورد مخصصا فى غيره، أو زمان أو مكان.
لأن التعيين عنده: يمنع إلحاق مثله به، إذا كان مما يقاس عليه، لما خص بذكر مقصور عليه.
وكان ﵀ يجعل القياس فى الأدلة بمنزلة الميتة، مع الضرورة، والتراب عند عدم الماء. وأما استنباط الدليل منها: فحرام عنده، ممنوع منه.
وكان يقول بالقطع فى خبر التواتر، إذا كان مثله لا يجوز التواطؤ عليه، ولا الاجتماع على كتمان الحق فيه، ويقول: لا تجتمع الدواعى على كتمان الصدق.
ولا يصح ذلك فى عدد كثير فى العصر الواحد. ويصح الاجتماع على الصحة والصدق، لتوافر الدواعى عليه.
_________________
(١) لعله يقصد عقول السفهاء. فأما ذوو العقول السليمة والفطر المستقيمة: فإنما الدين عندهم كما قال الله (٢٩:٣٠ فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها)
[ ٢ / ٢٨٥ ]
فأما خبر الواحد: فيوجب العمل بموجبه، والمصير إلى حكم نطقه، دون القطع بعينه. لأنه يجوز عليه ما لا يجوز على المتواتر. وإنما يحسن فيه الظن بالناقل أو الجهل بالراوى. وكان رحمه الله تعالى يقرأ (١٢٢:٩ ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ. لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)﴾ فأمر بنفير طائفة، وذكر إنذارها عند عودها. وهذا ليس من طريق التواتر. فثبت جواز قبول خبر الواحد، وقد روى أن أهل قباء تحولوا إلى البيت الحرام عن بيت المقدس لخبر واحد. وكان ﵊ يقبل الكتب، وينفذ الرسل، ويقبل الهدية، وينكح الزوجة بتسليم أهلها. وهذا كله خبر واحد.
وقد حكى عن بعض أصحابه أنه كان يقول: إنه يوجب العلم.
وما وجدته من لفظه، ولا أظنه يذهب إليه.
وكان ﵀ ينبه على القول باستصحاب الحال. لأنه كان يسأل عن المسألة التى فيها غموض، فيقول: لم ينقل فى ذلك شئ. أو لم يرو فيه شئ. وهذا صريح فى القول باستصحاب الحال. لأنه لا يجد حكما، فيحمل الذمة على براءتها، والساحة على فراغها، والهمة على خلوها، والضمائر على انطلاقها.
وكان ﵁ لا يرى القول بشريعة من مضى. ويقول: هى منسوخة وليست شريعة لنا فى الأحكام، وإن وافقت شرعنا ولم يرد نسخ ما فيها من الموافقة. ويقول: قال الله تعالى (٤٨:٥ ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا)﴾
ومن أصحابه من قال: هى شريعة لنا، إلا أن يرد النسخ.
ولا أدرى حكاه عن نفسه أو وجده من لفظ إمامه، ويستدل بقوله:
(١٣:٤٢ ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحًا﴾ - الآية)
وكان يذهب إلى أن لفظ رسول الله ﷺ فى الأحكام أعم من السبب الذى خرج عليه الكلام، إلا أن يكون الجواب مقصورا على السبب فلا يتعداه. قال: لأن النبى ﵊ يجوز أن يسأل عن شئ
[ ٢ / ٢٨٦ ]
فيجيب عنه وعن غيره، مثل ما أجاب فى ماء البحر. فلما جاز أن يعم الجواب ولا يقصره على سببه: وجب الأخذ بعموم لفظه، دون خصوص سببه.
وكان ﵀ يذهب إلى أن الله تعالى ورسوله ﵊ إذا قالا قولا، فتضمن عددا يأتى فى آخره كناية أو تقييد أو استثناء: فذاك راجع إلى جميع المذكور. دون الخطاب الذى قبله. لأن هذا لسان العرب عنده. فإنه لو قال رجل من العرب: اقتلوا ذهلا وتميما وقيسا، إلا النساء والصبيان. فإن ذلك راجع إلى نساء الجميع وصبيانهم. وكذلك خطاب الله تعالى ورسوله ﷺ
وكان ﵀ يذهب إلى أن الصحابى إذا قال قولا مخالفا للقياس، فهو مقدم على القياس. والظاهر: أنه قاله توقيفا عن رسول الله ﷺ، لحديث عمر ﵇: أنه حكم فى إحدى عينى الدابة بربع قيمتها. وتقدير ابن مسعود فى رد الآبق أربعين درهما. وحديث ابن عباس فيمن نذر أن يذبح ابنه: أن يذبح كبشا. قال لأن الظن فيهم: أنهم بطرق القياس أعلم، وبما يوجب الحكم به أفهم. لأن الله أثنى عليهم، والرسول أمر باتباعهم. فلا يعدلون عن موجب القياس إلا لما هو أقوى منه. فهو نص عن الرسول ﷺ
وكان ﵀ يكره تخصيص الظاهر بالقياس. لأن الظاهر عنده أقوى.
فلا يخص بالأضعف
وأكثر أصحابه أجازوه. لأنه دليل تخصيص الظاهر كالنطق
وكان ﵀ إذا تعارضت الأخبار عنده: حمل كل واحد على وجهه إن أمكن. فإن لم يمكن، وأدى ذلك إلى التناقض: قدم أكثرها رواة، وأعلم الناقلين، فإن تساوت فى ذلك: فما عضده الإجماع، أو قواه القياس. فإن كان أحدهما مثبتا والآخر نافيا: قدم المثبت. لأنه يوجب حكما. وكذلك الحاظر يقدمه على المبيح. وكذلك إذا كان فى أحدهما نقل عن العادة إلى العبادة: قدم الناقل.
كل ذلك طلبا لزيادة الحكم. فإن الأصل البراءة. والدين تكليف. فيقدم شرط
[ ٢ / ٢٨٧ ]
التكليف على أصل التخفيف. وبهما علم له تاريخ: قدم المتأخر. فإن جهل ذلك - وكان أحدهما خاصا والآخر عاما - قضى بالخاص.
وكان ﵀ يرجح أدلة الشرع بعضها على بعض: إما بكثرة الرواية، أو كثرة الاستعمال، أو تقديم فضلاء النقل على غيرهم، أو زيادة حكم من الأحكام وإن قل، أو ما يشهد له القياس، أو لكون أحدهما أشبه بظاهر الكتاب، أو يكون أحدهما قولا والآخر فعلا. فالقول أعم، أو يكون أحدهما مسندا إلى قوله والآخر مستدلا منه على قوله، أو يقول الراوى «سمعت رسول الله ﷺ» ويقول الآخر «عن النبى ﷺ» فالسامع أولى، أو يكون أحدهما يعضده استعمال بعض الصحابة، أو يكون رواية أحد الخلفاء الراشدين، وضروب أخرى من الترجيحات. كل ذلك لاحتياطه ﵀. وقد استدل فى فسخ الحج: أن خمسة من أصحاب رسول الله ﷺ فعلوه، لا سيما مراسيل التابعين.
وكان من شيوخ أصحابه - ﵏ - من يمنع تخصيص العلة الشرعية، ويقولون: ذلك نقض لها، وفساد، كما يقولون فى تخصيص العلة العقلية. وكان بعضهم يستمر على جواز تخصيص العلة الشرعية، ويقول: هى أمارة على الحكم كالخبر، ويجوز تخصيص بعض الخبر، كذلك العلة. وأكثرهم يأبى ذلك
ولاح لنا من كلامه ﵀: أن الأشياء قبل ورود الشرع على الحظر، وأن استعمال الأعيان بغير إذن مالكها لا يجوز. وبعض أصحابه قال: هى على الإباحة. وكان ينصره شيخنا أبو الحسن التميمى، ﵀. وكان بعض شيوخى ﵀ يقول: هى على الوقف إلى أن يرد الدليل. والذى أذهب إليه: أن الله ما أخلى عصرا من الأعصار من حجة له، ومبين عنه فلا تتصور هذه المسألة.
وكان ﵀ يقول فى العلماء الحسن الجميل، ويجيب السائل عن المتهم منهم والمقدوح فيه بأحسن عبارة. فيقول: غيره أحب إلى منه
[ ٢ / ٢٨٨ ]
ومن بعض قوله: نعرفه وننكره. وبعضهم يقول: قد قيل فيه شئ. وبعضهم يسكت عنهم. وسأله رجل يوما عن وهب بن وهب القاضى؟ فقال: كان كذابا يضع الحديث. فقال له السائل: إنّي من ولده. فقال: أنا أعتذر إليك، وأستغفر الله. والله لا أقولها بعد هذا. كل ذلك تحرجا وحفظا للسانه ﵁
وكان شديدا على أهل البدع، أو من قاربهم، إن لم يباينهم. وإن كان صحيح الاعتقاد. قد هجر ﵀ على بن المدينى، ويحيى بن معين، والحسين الكرابيسى، إلى أن تاب يحيي عنده. وما كان يقول إلا الخير فيمن يعلم فيه الخير. وكان يمسك عمن أمسك، ولم يظهر ما يوجب الامتناع منه.
قيل له: سمعت من أبى معاوية الضرير - وكان قدريا - ولم تسمع من شبابة بن سوار - وكان شيعيا - فقال كان: شبابة يدعو.
وقد قال فى مالك: إذا ذكر الحديث فمالك النجم. وقال: هل رأت عيناك كوكيع بن الجراح. وسفيان الثورى: هو الإمام. والشافعى: من أحباب قلبى.
وقد بايننا وبايناه، ما رأينا منه إلا خيرا، وكان شديد الاتباع للسنن. فقال: ابن عيينة حفظ على الأمة ما لولاه لضاع. وقد قال فى ابن مهدى: كان قرة عيني. وكان يثنى على الليث بن سعد. وسئل عن يعقوب ومحمد - صاحبى أبى حنيفة -؟ فقال:
سل غيرى، ولم يقل إلا خيرا. وقال: ابن المبارك جمع الزهد والعلم، وكان يترحم على أبى نعيم كثيرا، لامتناعه عن الإجابة فى الفتنة. وقيل له يوما: صبرت يا أبا عبد الله فى المحنة؟ فقال: أنا ما صبرت، الذى صبر أخى أحمد بن نصر الخزاعى. وذاك: أنهم أغلظوا له القول، فأغلظ لهم، فضربوا عنقه وما خافهم.
وقيل له: ادع على ظالمك. فقال: ليس بصابر من دعا على من ظلمه
فهذا بعض ما نعلمه من اعتقاده. ونعرفه من مذهبه.
سلك الله بنا طريقه، وجعل رسوله غدا فى الجنة رفيقه، وعصمنا من الخوض فى الباطل، والقدح فى الأئمة، والنسبة إليهم ما قد نزههم الله عنه إن شاء الله
[ ٢ / ٢٨٩ ]
وهذه المقدمة ذكرتها وسطرتها بحكم الحال الحاضر، من غير رجوع إلى كتاب أو استعانة بأصل، لعجلة الرسول، وحثه على المبادرة.
وأنا أذكر - بمشيئة الله وعونه - فيما بعد جملة مشروحة، أستدرك فيها ما لعله قد شذ من المسائل، وأشيد الكلام فيها بالدلائل
نسأل الله تعالى حسن التوفيق لذلك إن شاء الله
والحمد لله على عونه وإحسانه. وصلّى الله على سيدنا محمد النبى وآله، وسلم تسليما كثيرا طيبا مباركا فيه.
وكان الفراغ منه: يوم الأحد ثامن عشر ربيع الآخر سنة خمس وثلاثين وثمانمائة. كتبه الفقير إلى ربه: إلياس بن خضر بن محمد بن جبريل التركمانى.
وفقه الله للخير، واستعمله بطاعته، وأدخله برحمته فى عباده الصالحين. وصلّى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وآله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين
تم نقلا من أصله القديم: على يد الحقير حامد بن أديب التقى لقبا، الأثرى مذهبا، الحسينى نسبا. فى ٢٧ رمضان سنة ١٣٢٧ من قطعة تحت رقم ٤٦ من الكواكب الدرارى لابن عروة، من الدشت بالمكتبة الظاهرية بدمشق الشام.
[ ٢ / ٢٩٠ ]