كتاب فيه اعتقاد الإمام المنبل أبى عبد الله احمد بن حنبل ﵀ ورضى عنه
إملاء الشيخ الإمام أبى الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز بن الحارث التميمى ﵁.
رواية ابن أخيه الشيخ الإمام جمال الإسلام أبى محمد رزق الله بن عبد الوهاب ﵁ وأرضاه.
رواية الشيخ الإمام الحافظ أبى الفضل محمد بن الناصر بن محمد بن على البغدادى عن أبى محمد التميمى.
رواية الشيخ الإمام الحافظ أبى محمد المبارك بن على بن الحسين بن عبد الله ابن محمد بن الطباخ البغدادى عنه.
رواية أبى محمد عبد الله بن عبد الواحد بن علاق الأنصارى عنه، فيما كتب له فى الإجازة.
[ ٢ / ٢٩١ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
اخبرنا الشيخ الإمام الحافظ أبو محمد المبارك بن على بن الحسين بن عبد الله ابن محمد المعروف بابن الطباخ البغدادى ﵀ فى الدنيا والآخرة إجازة. قال:
حدثنا شيخنا الإمام الحافظ أبو الفضل محمد بن الناصر بن محمد بن على البغدادى بها قال: أخبرنا الإمام جمال الإسلام أبو محمد رزق الله بن عبد الوهاب التميمى. قال:
أخبرنا عمى أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز التميمى بجميع هذا الاعتقاد. وقال:
جملة اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل ﵁، والذى كان يذهب إليه:
أن الله ﷿ واحد لا من عدد. لا يجوز عليه التجزؤ، ولا القسمة.
وهو واحد من كل جهة. وما سواه واحد من وجه دون وجه، وأنه موصوف بما أوجبه السمع والاجماع، وذلك دليل إثباته، وأنه موجود.
قال أحمد بن حنبل ﵁: من قال إن الله ﷿ لم يكن موصوفا حتى وصفه الواصفون. فهو بذلك خارج عن الدين.
وبيان ذلك: أن يلزمه أن لا يكون واحدا حتى وحده الموحدون. وذلك فاسد وعنده: أنه قد ثبت أن الله تعالى قادر حى عالم. وقرأ ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ ﴿وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ ﴿وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾
قال: وفى صفات الله تعالى ما لا سبيل إلى معرفته إلا بالسمع، مثل قوله تعالى ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فبان بإخباره عن نفسه ما اعتقدته العقول فيه، وأن قولنا (سميع بصير) صفة من لا يشتبه عليه شئ، كما قال فى كتابه الكريم. ولا تكون رؤية إلا ببصر. يعنى من المبصرات بغير صفة من لا يغيب عليه ولا عنه شئ.
وليس ذلك بمعنى العلم، كما يقوله المخالفون. ألا ترى إلى قوله لموسى ﴿إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى﴾ قال: وقوله تعالى ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ يدل على أن معنى «السميع» غير معنى «العليم» وقال ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها﴾
[ ٢ / ٢٩٣ ]
وقال ﵊ «سبحان من وسع سمعه الأصوات» ومعنى ذلك من قوله: أنه لو جاز أن يسمع بغير سمع لجاز أن يعلم بغير علم. وذلك محال. فهو عالم بعلم، سميع بسمع.
ومذهب أبى عبد الله أحمد بن حنبل ﵁: أن لله ﷿ وجها.
لا كالصور المصورة، والأعيان المخططة، بل وجه وصفه بقوله ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلاّ وَجْهَهُ﴾ ومن غيّر معناه فقد ألحد عنه. وذلك عنده وجه فى الحقيقة، دون المجاز ووجه الله باق لا يبلى، وصفة له لا تفنى، ومن ادعى أن وجهه نفسه فقد ألحد.
ومن غيّر معناه فقد كفر. وليس معنى «وجه» معنى «جسد» عنده.
ولا «صورة» ولا «تخطيط» ومن قال ذلك فقد ابتدع.
وكان يقول: إن لله تعالى يدين. وهما صفة له فى ذاته، ليستا بجارحتين، وليستا بمركبتين ولا جسم، ولا من جنس الأجسام ولا من جنس المحدود، والتركيب ولا الأبعاض والجوارح، ولا يقاس على ذلك، ولا له مرفق، ولا عضد، ولا فيما يقتضى ذلك من إطلاق قولهم «يد» إلا ما نطق القرآن به، أو صحت عن رسول الله ﷺ السنة فيه. قال الله تعالى ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ وقال رسول الله ﷺ «كلتا يديه يمين» وقال الله ﷿ ﴿ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ؟﴾ وقال ﴿وَالسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ ويفسد أن تكون يده القوة والنعمة والتفضل. لأن جمع يد: أيد. وجمع تلك أياد.
ولو كانت اليد عنده القوة لسقطت فضيلة آدم. وثبتت حجة إبليس.
وكان يقول: إن الله تعالى علما، وهو عالم بعلم، لقوله تعالى ﴿(وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) *﴾ ولقوله ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ﴾ وذلك فى القرآن كثير. وقد بينه الله ﷿ بيانا شافيا بقوله ﷿ ﴿لكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِما أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ وقال ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ﴾ وقال ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ وهذا يدل على أنه عالم بعلم، وأن علمه بخلاف العلوم المحدثة التى يشوبها الجهل،
[ ٢ / ٢٩٤ ]
ويدخلها التغير، ويلحقها النسيان، ومسكنها القلوب، وتحفظها الضمائر، ويقومها الفكر، وتقويها الذاكرة. وعلم الله تعالى بخلاف ذلك كله، صفة له لا تلحقها آفة ولا فساد، ولا إبطال. وليس بقلب ولا ضمير واعتقاد ومسكن، ولا علمه متغاير، ولا هو غير العالم، بل هو صفة من صفاته. ومن خالف ذلك وجعل «العلم» لقبا لله ﷿ ليس تحته معنى محقق: فهذا عند أحمد ﵁ خروج عن الملة.
وكان يقول: إن لله تعالى قدرة. وهى صفة له فى ذاته، وأنه ليس بعاجز، ولا ضعيف، لقوله ﷿ ﴿(وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) *﴾ وقوله تعالى ﴿(قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ - الآية) ولقوله (فقدرنا، فنعم القادرون) ولقوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ ولقوله تعالى ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ فهو قدير وقادر، وعليم وعالم. ولا يجوز أن يكون قديرا ولا قدرة له، ولا يجوز أن يكون عليما ولا علم له.
وكان يقول: إن الله تعالى لم يزل مريدا. والإرادة صفة له فى ذاته، خالف بها من لا إرادة له. والإرادة صفة مدح وثناء. لأن كل ذات لا تريد ما تعلم أنه كائن فهى منقوصة. والله تعالى مريد لكل ما علم أنه كائن. وليست إرادته كإرادات الخلق. وقد أثبت ذلك لنفسه فقال ﴿إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ: أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ﴾ فلو كانت إرادته مخلوقة: لكانت مرادة بإرادة أخرى. وهذا ما لا يتناهى. وذلك فى القرآن كثير. وقد دلت العبرة على أن من لا إرادة له فهو مكره.
وكان يقول: إن لله ﷿ كلاما هو به متكلم. وذلك صفة له فى ذاته، خالف بها الخرس والبكم والسكوت، وامتدح بها نفسه. فقال ﷿ فى الذين اتخذوا العجل (ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا؟ اتخذوه وكانوا ظالمين) فعابهم لمّا عبدوا إلها لا يتكلم. ولا كلام له. فلو كان إلهنا لا يتكلم ولا
[ ٢ / ٢٩٥ ]
كلام له: رجع العيب عليه، وسقطت حجته على الذين اتخذوا العجل من الوجه الذى احتج عليهم به. ويزيد ذلك: أن إبراهيم ﵇ أنّب أباه بقوله:
﴿يا أَبَتِ، لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا؟﴾ وحكى عن ابن مسعود، وابن عباس: أنهما فسرا قوله ﷿ ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ قالا: غير مخلوق.
وكان يقول: إن القرآن كيف تصرف غير مخلوق، وأن الله تعالى تكلم بالصوت والحرف (^١).
وكان يبطل الحكاية، ويضلل القائل بذلك. وعلى مذهبه: أن من قال:
إن القرآن عبارة عن كلام الله ﷿، فقد جهل وغلط. وأن الناسخ والمنسوخ فى كتاب الله ﷿ دون العبارة عنه، ودون الحكاية له. وتبطل الحكاية عنده بقوله ﷿ ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ و«تكليما» مصدر تكلم يتكلم فهو متكلم. وذلك يفسد الحكاية. ولم ينقل عن أحد من أئمة المسلمين من المتقدمين - من أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين ﵈ - القول بالحكاية والعبارة. فدل على أن ذلك من البدع المحدثة.
وكان يقول: إن الله ﷿ مستو على العرش المجيد. وحكى جماعة عنه أن «الاستواء» من صفات الفعل. وحكى جماعة عنه أنه كان يقول: إن الاستواء من صفات الذات.
وكان يقول فى معنى «الاستواء»: هو العلو والارتفاع، ولم يزل الله تعالى عاليا رفيعا قبل أن يخلق عرشه، فهو فوق كل شئ، والعالى على كل شئ. وإنما خص الله العرش لمعنى فيه مخالف لسائر الأشياء، والعرش أفضل الأشياء وأرفعها.
فامتدح الله نفسه بأنه على العرش استوى، أى عليه علا. ولا يجوز أن يقال:
_________________
(١) الأولى أن نقول «إن الله تكلم، ويتكلم» ونقف على ما صح به الخبر عن الله ورسوله. لا نزيد ولا ننقص. فان ذلك من علم الغيب الذى لا يدخله العقل والقياس
[ ٢ / ٢٩٦ ]
استوى بمماسة، ولا بملاقاة. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. والله تعالى لم يلحقه تغير ولا تبدل، ولا يلحقه الحدود قبل خلق العرش، ولا بعد خلق العرش.
وكان ينكر على من يقول: إن الله فى كل مكان بذاته. لأن الأمكنة كلها محدودة. وحكى عن عبد الرحمن بن مهدى عن مالك: أن الله تعالى مستو على عرشه المجيد، كما أخبر، وأن علمه فى كل مكان، ولا يخلو شئ من علمه، وعظم عليه الكلام فى هذا واستبشعه.
فهو سبحانه عالم بالأشياء، مدبر لها من غير مخالطة، ولا موالجة، بل هو العالى عليها، منفرد عنها. وقرأ أحمد بن حنبل قوله تعالى ﴿(وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ) *﴾ وقرأ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ، وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ وقرأ ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمّا تَعُدُّونَ﴾ وقرأ ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ﴾ وقرأ ﴿يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾
وذهب أحمد بن حنبل ﵁ إلى أن الله ﷿ يغضب ويرضى وأن له غضبا ورضى. وقرأ أحمد قوله ﷿ ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي. وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ فأضاف الغضب إلى نفسه. وقال ﷿ ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ﴾. قال ابن عباس: يعنى أغضبونا. وقوله أيضا ﴿فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها. وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ ومثل ذلك فى القرآن كثير، و«الغضب والرضى» صفتان له، من صفات نفسه، لم يزل الله تعالى غاضبا على ما سبق فى علمه أنه يكون ممن يعصيه، ولم يزل راضيا على ما سبق فى علمه أنه يكون مما يرضيه.
وأنكر أصحابه على من يقول: إن الرضى والغضب مخلوقان. قالوا: من قال ذلك، لزمه أن غضب الله ﷿ على الكافرين يفنى، وكذلك رضاه على الأنبياء والمؤمنين، حتى لا يكون راضيا على أوليائه، ولا ساخطا على أعدائه، وسمى ما كان عن الصفة باسم الصفة مجازا فى بعض الأشياء، وسمى عذاب الله تعالى وعقابه غضبا وسخطا. لأنهما عن الغضب كانا.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
وقد أجمع المسلمون - لا يتناكرون بينهم - إذا رأوا الزلازل والأمطار العظيمة، أنهم يقولون: هذه قدرة الله تعالى. والمعنى: أنها عن قدرة كانت.
وقد يقول الإنسان فى دعائه «اللهم اغفر لنا علمك فينا» وإنما يريد معلومك الذى علمته، فيسمى المعلوم باسم العلم، وكذلك سمى المرتضى باسم الرضى، وسمى المغضوب باسم الغضب.
مسألة: وذهب إلى أن لله تعالى نفسا. وقرأ أحمد بن حنبل ﴿(وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ) *﴾ وقال ﷿ ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ وقال ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ وليست كنفس العباد التى هى متحركة متصعدة، مترددة فى أبدانهم، بل هى صفة له فى ذاته، خالف بها النفوس المنفوسة المجعولة، ففارق الأموات. وحكى فى تفسيره عن ابن عباس فى قوله تعالى ﴿تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ﴾ قال: تعلم ما فى النفس المخلوقة، ولا أعلم ما فى نفسك الملكوتية ﴿إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ الْغُيُوبِ﴾.
وأنكر على من يقول بالجسم. وقال: إن الأسماء مأخوذة بالشريعة واللغة.
وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على كل ذى طول وعرض وسمك، وتركيب وصورة وتأليف. والله تعالى خارج عن ذلك كله. فلم يجز أن يسمى جسما، لخروجه عن معنى الجسمية، ولم يجئ فى الشريعة ذلك. فبطل
وكان يذهب إلى أن الله تعالى يرى فى الآخرة بالأبصار. وقرأ ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ. إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ ولو لم يرد النظر بالعين: ما قرنه بالوجه. وأنكر نظر التعطف والرحمة. لأن الخلق لا يتعطفون على الله تعالى ولا يرحمونه. وأنكر «الانتظار» من أجل ذكر الوجه، ومن أجل أنه تبعيض وتكرير. ولأنه أدخل فيه «إلى» وإذا دخلت «إلى» فسد الانتظار. قال الله تعالى ﴿ما يَنْظُرُونَ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ وقال ﷿ ﴿فَناظِرَةٌ: بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ؟﴾ فلما أراد الانتظار لم يدخل «إلى» وروى الحديث المشهور فى قوله «ترون ربكم» إلى آخره
مسألة: وكان يقول: إن الله تعالى قديم بصفاته التى هى مضافة إليه فى نفسه.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
وقد سئل: هل الموصوف القديم، وصفته: قديمان؟ فقال: هذا سؤال خطأ، لا يجوز أن ينفرد الحق عن صفاته. ومعنى ما قاله من ذلك: أن المحدث محدث بجميع صفاته على غير تفصيل. وكذلك القديم تعالى قديم بجميع صفاته.
مسألة: وعظم عليه الكلام فى الاسم والمسمى، وتكلم أصحابه فى ذلك.
فمنهم من قال: الاسم للمسمى. ومنهم من قال: الاسم هو المسمى. والقول الأول قول جعفر بن محمد. والقول الثانى: قول جماعة من متكلمى أصحاب الحديث الذين طلبوا السلامة، أمسكوا، وقالوا: لا نعلم.
وكان يذهب إلى أن أفعال العباد مخلوقة لله ﷿، ولا يجوز أن يخرج شئ من أفعالهم عن خلقه. لقوله ﷿ ﴿(خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) *﴾ ثم لو كان مخصوصا لجاز مثل ذلك التخصيص فى قوله ﴿(لا إِلهَ إِلاّ هُوَ) *﴾ وأن يكون مخصوصا أنه إله لبعض الأشياء. وقرأ ﴿وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ وقرأ ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ وقرأ ﴿وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيّامًا آمِنِينَ﴾ وروى عن على بن أبى طالب ﵁ أنه «سئل عن أعمال الخلق التى يستوجبون بها من الله السخط والرضا؟ فقال: هى من العباد فعلا. ومن الله تعالى خلقا. لا تسأل عن هذا أحدا بعدى»
وكان أحمد يذهب إلى أن الاستطاعة مع الفعل. وقرأ قوله ﷿ ﴿(انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا. فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا) *﴾ وقرأ ﴿ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ والقوم لا آفة بهم. وكان موسى تاركا للصبر. وقرأ ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ فدل على عجزنا. ودل ذلك على أن الخلق بهذه الصفة لا يقدرون إلا بالله، ولا يصنعون إلا ما قدره الله تعالى. وقد سمى الإنسان مستطيعا إذا كان سليما من الآفات.
مسألة وكان يقول: إن الله تعالى أعدل العادلين، وإنه لا يلحقه جور، ولا يجوز أن يوصف به، عزّ عن ذلك وتعالى علوا كبيرا. وأنه متى كان فى ملكه
[ ٢ / ٢٩٩ ]
ما لا يريده: بطلت الربوبية. وذلك مثل أن يكون فى ملكه ما لا يعلمه، تعالى الله علوا كبيرا.
قال أحمد بن حنبل: ولو شاء الله أن يزيل فعل الفاعلين مما كرهه أزاله.
ولو شاء أن يجمع خلقه على شئ واحد لفعله. إذ هو قادر على ذلك، ولا يلحقه عجز ولا ضعف، ولكنه كان من خلقه ما علم وأراد. فليس بمغلوب ولا مقهور، ولا سفيه ولا عاجز، برئ من لواحق التقصير. وقرأ قوله تعالى ﴿وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها﴾ ﴿وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى﴾ ﴿(وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾) وهو ﷿ لا يوصف - إذا منع - بالبخل: لأن البخيل هو الذى يمنع ما وجب عليه. فأما من كان متفضلا فله أن يفعل، وله أن لا يفعل.
واحتج رجل من أصحابنا - يعرف بأبى بكر بن بن أحمد بن هاني الاسكافى الأثرم - فقال: جعل الله تعالى العقوبة بدلا من الجرم الذى كان من عبده. وهو مريد للعقوبة على الجرم. وفى ذلك دليل واضح على أنه مريد لما أوجب العقوبة.
لأن كل من أراد البدل من الشئ فقد أراد المبدل، ليصح بدله. وليس يصح إرادته للبدل حتى يصح البدل.
وأيضا فقد خلق الله من يعلم أنه يكفر، ولم يكن بذلك سفيها ولا عابثا.
وكذلك أيضا إذا أراد سفههم لا يكون سفيها، ولو جاز أن يقع من الفاعلين فعل لا يريده الله، ولا يلحقه فى ذلك ضعف، ولا وهن ولا عجز، ولا غلبة ولا قهر.
لأنه قادر أن يلجئهم إليه: كان جائزا أن يقع منه فعل لا يريده. ولا يقع منه ضعف، ولا وهن ولا تقصير. لأنه قادر على تكوينه وإيقاعه. وإذا بطل هذا بطل أن يكون من الأفعال ما لا يريده.
وذهب أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى إلى أن عدل الله ﷿ لا يدرك بالعقول؛ فلأجل ذلك كان من حمله على عقله جوّره.
وشرح بعض أصحابه ذلك فقال: لما كان الله ﷾ لا يتصور
[ ٢ / ٣٠٠ ]
بالعقول، ولا يتمثله التمييز، وفات العقول دركه. ومع ذلك فهو شئ ثابت، وما تصور بالعقل فالله بخلافه. وكذلك صفاته. فمن حمل الربوبية وصفاتها على عقله: رجع حسيرا. ورام أمرا ممتنعا عسيرا. والمخالفون بنوا أصولهم فى التعديل والتجوير: على عقولهم العاجزة عن درك الربوبية. ففسد عليهم النظر.
وكان أحمد بن حنبل ﵁ يقول: إن الله تعالى يكره الطاعة من العاصى، كما يكره المعصية من الطائع. حكاه ابن أبى داود، وقرأ ﴿وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللهُ انْبِعاثَهُمْ﴾ وانبعاثهم طاعة الله. والله يكرهه (^١)
وكان أحمد بن حنبل يذهب إلى أن الإيمان قول باللسان، وعمل بالأركان واعتقاد بالقلب، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. ويقوى بالعلم. ويضعف بالجهل. وبالتوفيق يقع، وأن «الإيمان» اسم يتناول مسميات كثيرة من أفعال وأقوال، وذكر الحديث عن النبى ﷺ قال «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها: قول لا إله إلا الله. وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق»
وعنده أن «الصلاة» يقع عليها اسم «إيمان» وقراءة القرآن يقع عليها اسم إيمان.
وسئل عن الإيمان: أمخلوق، أو غير مخلوق؟ فقال: من قال إن الإيمان مخلوق فقد كفر. لأن فى ذلك إيهاما وتعريضا بالقرآن. ومن قال: إنه غير مخلوق فقد ابتدع. لأن فى ذلك إيهاما وتعريضا أن إماطة الأذى عن الطريق وأفعال الأركان غير مخلوقة، فكأنه أنكر على الطائفتين.
وأصله الذى بنى عليه مذهبه: أن القرآن إذا لم ينطق بشئ، ولا روى فى السنة
_________________
(١) لم يكن انبعاثهم طاعة. لانهم منافقون. فلو انبعثوا وخرجوا لكان منهم ما وصف الله بقوله (٤٦:٩ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاّ خَبالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ، يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ. وَفِيكُمْ سَمّاعُونَ لَهُمْ) وبهذا يعلم أن الله لا يكره الطاعة من أى عبد وإلا لما دعا العصاة والكافرين إلى التوبة والانابة والإسلام واتباع ما أنزله سبحانه
[ ٢ / ٣٠١ ]
عن النبى ﷺ فيه شئ، وانقرض عصر الصحابة ولم ينقل فيه عنهم قول: الكلام فيه حدث فى الإسلام، فلأجل ذلك أمسك عن القول فى خلق الإيمان. وأن لا يقطع على جواب فى أنه مخلوق أو غير مخلوق. وفسق الطائفتين وبدعهما.
وكان يذهب إلى أن التوراة والإنجيل وكل كتاب أنزله الله ﷿ غير مخلوق، إذا سلم له أنه كلام الله تعالى.
وكان يكفر من يقول: إن القرآن مقدور على مثله، ولكن الله تعالى منع من قدرتهم، بل هو معجز فى نفسه؛ والعجز قد شمل الخلق.
وكان يقول: إن الإيمان يزيد. ويقرأ ﴿وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمانًا﴾ ويقرأ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيمانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ وما جاز عليه الزيادة جاز عليه النقصان.
وكان يقول: إن الإيمان غير الإسلام.
وكان يقول: إن الله سبحانه قال ﴿فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ استثناء من غير الجنس
وفرق أصحابه بين الإيمان والإسلام. فقالوا: حقيقة الإيمان التصديق.
وحقيقة الإسلام الاستسلام؛ فلا يفهم من معنى التصديق الاستسلام. ولا يفهم من معنى الاستسلام التصديق. واستدل أحمد بن حنبل بحديث الأعرابى وسؤاله عن الإيمان والإسلام. وجواب رسول الله ﷺ عنهما بجوابين مختلفين، واستدل أيضا، بحديث الأعرابى الآخر، وقوله: «يا رسول الله، أعطيت فلانا ومنعتنى؟ فقال له النبى ﷺ: ذلك مؤمن. فقال الأعرابى: وأنا مؤمن. فقال له النبى ﷺ: أو مسلم» وبحديث وفد عبد القيس، وبقوله ﷿ ﴿قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنّا. قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا﴾
[ ٢ / ٣٠٢ ]
وكان لا يكفر أحدا من أهل القبلة بذنب، كبيرا كان أو صغيرا، إلا بترك الصلاة. فمن تركها فقد كفر، وحل قتله، قاله ابن حنبل. ويستدل بقوله ﷿ (؟؟؟ اورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، فمنهم ظالم لنفسه، ومنهم مقتصد، ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله) فقد جمع بينهم فى الاصطفاء
وكان لا يفسق الفقهاء فى مسائل الخلاف.
وكان يسلم أحاديث الفضائل، ولا ينصب عليها المعيار، وينكر على من يقول: إن هذه الفضيلة لأبى بكر باطلة. وهذه الفضيلة لعلى باطلة. لأن القوم أفضل من ذلك. ولا يتبرأ من عين رأت رسول الله ﷺ، إلا أن يجمع المسلمون على التبري منها.
ويقول: إن لله تعالى ميزانا يزن فيه الحسنات والسيئات، ويرجع إلى الحديث المروى عن رسول الله ﷺ.
ويقول: إن الذنوب من ورائها الاستغفار والتوبة. وإن اخترمته المنية قبل الاستغفار والتوبة: فأمره مرجى إلى الله ﷿، إن شاء غفر، وإن شاء عاقب. ويجوز عنده أن يغفر الله لمن لم يتب. واستدل على ذلك بقوله ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ والتائب لا يقال له ظالم. واستدل بقوله ﷿ ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ والتائب لا يقال له مسرف.
ويقول: إن الشهداء بعد القتل باقون يأكلون أرزاقهم.
وكان يقول: إن الأنبياء أحياء فى قبورهم يصلون، وأن الميت يعلم بزائره يوم الجمعة، بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس (^١)، وأن الله تعالى يعذب قوما فى قبورهم، ويذهب إلى الحديث المروى عن رسول الله ﷺ، وأن لله تعالى صراطا يعبر عليه الناس، وأن عليه حيات تأخذ بالأقدام، وأن العبور
_________________
(١) هل صح فى هذا حديث
[ ٢ / ٣٠٣ ]
عليه على مقادير الأعمال: مشاة وسعاة، وركبانا، وزحفا. ويذهب إلى الحديث المروى عن رسول الله ﷺ «استجيدوا ضحاياكم، فإنها مطاياكم على الصراط» وأن الله تعالى ملكين، يقال لأحدهما منكر والآخر نكير، يلجان إثر الميت فى قبره فإما يبشرانه وإما يخوفانه، ويذهب إلى حديث عمر ﵁ «كيف بك إذا نزلا بك، وهما فظان غليظان، فأقعداك وأجلساك وسألاك؟ فتغير عمر بن الخطاب، وقال: يا رسول الله وعقلى معى؟ فقال: إذن كفيتهما» وذكر حديث ابن عباس فى قوله ﷿ ﴿لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ قال «عند سؤال منكر ونكير»
وكان يقول: إن الله تعالى يجيب دعوة الداعى المؤمن والكافر، ويفاوت بينهم فى السؤال.
وكان يقول: إن من خالف الإجماع والتواتر فهو ضال مضل، ويفسق من خالف خبر الواحد، مع التمكن من استعماله.
وكان يقول: إن خير الناس بعد رسول الله ﷺ: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم على، وإن عليا رابعهم فى الخلافة والتفضيل، ويتبرأ ممن ضللهم وكفرهم.
وكان يقول: إنه لا معصوم إلا رسول الله ﷺ والأنبياء من قبله، وسائر الأمة يجوز عليهم الخطأ.
وكان يقول: إن الإجماع إجماع الصحابة.
وكان يقول: إن صح إجماع بعد الصحابة فى عصر من الأعصار قلت به.
وكان يقول: لو لم يجز أن يفعل الله تعالى الشر لما حسنت الرغبة إليه فى كشفه، وأن للعبد ملائكة يحفظونه بأمر الله، وأن القضاء والقدر يوجبان التسليم، وأن الغزو مع الأئمة واجب، وإن جاروا.
وقال أحمد بن حنبل ﵁: وأرى الصلاة خلف كل بر وفاجر. وقد
[ ٢ / ٣٠٤ ]
صلّى ابن عمر خلف الحجاج - يعنى الجمعة والعيدين - وأن الفئ يقسمه الإمام.
فإن تناصف المسلمون وقسموه بينهم فلا بأس به. وأنه إن بطل أمر الإمام لم يبطل الغزو والحج، وأن الإمامة لا تجوز إلا بشروطها: النسب، والإسلام، والحماية، والبيت والمحتد، وحفظ الشريعة، وعلم الأحكام، وصحة التنفيذ، والتقوى، وإتيان الطاعة، وضبط أموال المسلمين. فإن شهد له بذلك أهل الحل والعقد من علماء المسلمين وثقاتهم، أو أخذ هو ذلك لنفسه، ثم رضيه المسلمون جاز له ذلك، وأنه لا يجوز الخروج على إمام. ومن خرج على إمام قتل الثانى. ويجوز الإمامة عنده لمن اجتمعت فيه هذه الخصال، وإن كان غيره أعلم منه.
وكان يقول: إن الخلافة فى قريش ما أقاموا الصلاة.
وكان يقول: لا طاعة لهم فى معصية الله تعالى.
وكان يقول: من دعا منهم إلى بدعة فلا تجيبوه ولا كرامة. وإن قدرتم على خلعه فافعلوا.
وكان يقول: الدار إذا ظهر فيها القول بخلق القرآن والقدر وما يجرى مجرى ذلك: فهى دار كفر.
وكان يقول: الداعية إلى البدعة لا توبة له. فأما من ليس بداعية فتوبته مقبولة.
وكان يقول: إن الإيمان منوط بالإحسان، والتوبة رأس مال المتقين.
وكان يقول: إن الفقر أشرف من الغنى، وإن الصبر أعظم مرارة، وانزعاجه أعظم حالا من الشكر.
وكان يقول: الخير فيمن لا يرى لنفسه خيرا.
وكان يقول: على العبد أن يقبل الرزق بعد اليأس، ولا يقبله إذا تقدمه طمع.
وكان يحب التقلل طلبا لخفة الحساب.
[ ٢ / ٣٠٥ ]
وكان يقول: إن الله تعالى يرزق الحلال والحرام. ويستدل بقوله ﷿ ﴿كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ. وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ يعنى ممنوعا.
وكان يقول: إن الرزق مقسوم، لا زيادة فيه ولا نقصان. وإن وجه الزيادة:
أن يلهمه الله تعالى إنفاقه فى طاعة، فيكون ذلك زيادة ونماء. وكذلك الأجل لا يزاد فيه ولا ينقص منه. ووجه الزيادة فى الأجل: أن يلهمه الطاعة. فيكون مطيعا فى عمره. فبالطاعة يزيد. وبالمعاصى ينقص. وأما المدة عنده: فلا تزيد ولا ينقص. وقرأ ﴿لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
وكان يذهب إلى جواز الكرامات للأولياء. ويفرق بينها وبين المعجزة.
وذلك: أن المعجزة توجب التجرى إلى صدق من جرت على يده. فإن جرت على يدى ولى كتمها وأسرها. وهذه الكرامة، وتلك المعجزة. وينكر على من رد الكرامات ويضلله.
وكان يأمر بالكسب لمن لا قوت له، ويأمر من له قوت بالصبر، ويجعله فريضة عليه.
وكان يقول: إن بعض النبيين أفضل من بعض. ومحمد ﷺ أفضلهم، والملائكة أيضا بعضهم أفضل من بعض. وإن بنى آدم أفضل من الملائكة. ويخطى، من يفضل الملائكة على بنى آدم.
ويقول: إن الوصية قبل الموت أخذ بالحزم للقاء الله ﷿، ويقول:
إن التائب من الذنوب كمن لا ذنب له.
ويقول: من كان له ورد فقطعه: خفت عليه أن يسلب حلاوة العبادة.
قال إبراهيم الحربى: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إن أحببت أن يدوم الله لك على ما تحب فدم له على ما يحب.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
وكان يقول: أهل الصفة أعيان الصحابة (^١).
وكان يقول: الصبر على الفقر مرتبة لا ينالها إلا الأكابر.
وسأله رجال: طلبت العلم بنية؟ فقال: هذا شرط شديد، ولكن حبب إلىّ شئ فجمعته.
وسئل قبل موته بيوم عن أحاديث الصفات؟ فقال: تمرّ كما جاءت، ويؤمن بها، ولا يرد منها شئ إذا كانت بأسانيد صحاح، ولا يوصف الله بأكثر مما وصف به نفسه، بلا حد ولا غاية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ومن تكلم فى معناها ابتدع.
وكان يقول: أصحاب الحديث أمراء العلم.
وكان يقول: إذا ذكر الحديث فمالك بن أنس هو النجم. وكان يقول:
سفيان الثورى جمع الحالين العلم والزهد. وكان يقول: سفيان بن عيينة حفظ على الناس ما لولاه لضاع. وكان يقول: الشافعى من أحباب قلبى. وكان يقول.
هل رأت عيناك مثل وكيع؟ وكان يقول: أنا أحب موافقة أهل المدينة.
وكان يحب قراءة نافع. لأنها أكثر اتباعا.
فهذا وما شاكله محفوظ عنه. وما خالف ذلك فكذب عليه وزور.
وكان دعاؤه فى سجوده «اللهم من كان من هذه الأمة على غير الحق، وهو يظن أنه على الحق، فرده إلى الحق، ليكون من أهل الحق»
وكان يقول: «اللهم إن قبلت عن عصاة أمة محمد ﷺ فداء فاجعلني فداهم»
تم الاعتقاد بحمد الله ومنّه وحسن توفيقه.
_________________
(١) فى هذا النقل نظر طويل، فإنه قد تقدم قريبا أن خير الصحابة: أبو بكر ثم الخلفاء من بعده. ولم يكن أحد منهم من أهل الصفة.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
قال فى الأصل:
وفرغ من نسخه: العبد المعترف بذنبه، الفقير إلى ربه عبد القوى بن عبد الله ابن رحال بن عبد الله بن أبى القاسم بن أبى الهار القرشى الشافعى، حامدا لله وحده، مصليا على محمد وآله وصحبه، ومسلما تسليما.
وذلك فى ليلة الثلاثاء الرابع من ربيع الأول سنة ست وسبعين وخمسمائة.
وكان تمام نسخه على يد حامد بن محمد أديب التقى فى ١٣ رمضان سنة ١٣٤٢ من نسخة قديمة فى المكتبة العمومية الظاهرية بدمشق (من كتاب الأمر بالمعروف للخلال. رقم ٢٤٥ حديث).
وكان الفراغ من طبعه بحمد الله وحسن توفيقه بمطبعة السنة المحمدية.
وصلّى الله وسلم وبارك على عبده الكريم محمد، وآله وصحبه.
[ ٢ / ٣٠٨ ]