فَهُوَ سُبْحَانَهُ عَالم بالأشياء مُدبر لَهَا من غير مُخَالطَة وَلَا موالجة بل هُوَ العالي عَلَيْهَا مُنْفَرد عَنْهَا وَقَرَأَ أَحْمد بن حَنْبَل قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ القاهر فَوق عباده﴾ وَقَرَأَ ﴿إِلَيْهِ يصعد الْكَلم الطّيب وَالْعَمَل الصَّالح يرفعهُ﴾ وَقَرَأَ ﴿يدبر الْأَمر من السَّمَاء إِلَى الأَرْض ثمَّ يعرج إِلَيْهِ فِي يَوْم كَانَ مِقْدَاره ألف سنة مِمَّا تَعدونَ﴾
[ ١٠٨ ]
وَقَرَأَ ﴿إِنِّي متوفيك ورافعك إِلَيّ﴾ وَقَرَأَ ﴿يخَافُونَ رَبهم من فَوْقهم ويفعلون مَا يؤمرون﴾
وَذهب أَحْمد بن حَنْبَل ﵁ إِلَى أَن الله ﷿ يغْضب ويرضى وَأَن لَهُ غضب ورضى وَقَرَأَ أَحْمد قَوْله ﷿ ﴿وَلَا تطغوا فِيهِ فَيحل عَلَيْكُم غَضَبي وَمن يحلل عَلَيْهِ غَضَبي فقد هوى﴾ فأضاف الْغَضَب إِلَى نَفسه وَقَالَ ﷿ ﴿فَلَمَّا آسفونا انتقمنا مِنْهُم﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس يَعْنِي أغضبونا وَقَوله أَيْضا ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا وَغَضب الله عَلَيْهِ ولعنه﴾ وَمثل ذَلِك فِي الْقُرْآن كثير
وَالْغَضَب والرضى صفتان لَهُ من صِفَات نَفسه لم يزل الله تَعَالَى غاضبا على مَا سبق فِي علمه أَنه يكون مِمَّن يعصيه وَلم يزل رَاضِيا على مَا سبق فِي علمه أَنه يكون مِمَّا يرضيه
وَأنكر أَصْحَابه على من يَقُول إِن الرضى وَالْغَضَب مخلوقان
٥٤ - أقالوا من قَالَ ذَلِك لزمَه أَن غضب الله ﷿ على الْكَافرين يفنى وَكَذَلِكَ رِضَاهُ على الْأَنْبِيَاء وَالْمُؤمنِينَ حَتَّى لَا يكون رَاضِيا على
[ ١٠٩ ]
أوليائه وَلَا ساخطا على أعدائه وَسمي مَا كَانَ عَن الصّفة باسم الصّفة مجَازًا فِي بعض الْأَشْيَاء وسمى عَذَاب الله تَعَالَى وعقابه غَضبا وسخطا لِأَنَّهُمَا عَن الْغَضَب كَانَا
وَقد أجمع الْمُسلمُونَ لَا يتناكرون بَينهم إِذا رَأَوْا الزلازل والأمطار الْعَظِيمَة أَنهم يَقُولُونَ هَذِه قدرَة الله تَعَالَى وَالْمعْنَى أَنَّهَا عَن قدرَة كَانَت وَقد يَقُول الْإِنْسَان فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ إغفر لنا علمك فِينَا وَإِنَّمَا يُرِيد معلومك الَّذِي كَلمته فيسمى الْمَعْلُوم باسم الْعلم وَكَذَلِكَ سمي المرتضى باسم الرضى وَسمي المغضوب باسم الْغَضَب