الأشعَريةُ -ومَن وافقهم كالماتُريدية- حين رَأوْا ما وَقَعَ من المعتزلة الجَهمية مع أهل السُّنَّة من الفتنةِ، في الصِّفات عامَّةً، وفي كلام الله تعالى خاصَّةً، رَأوْا سلوكَ طريقةٍ وسَط -في زَعْمِهم- بين معقولِ المعتزلةِ ومَنقول أهْل السُّنَّة، فأرادوا التوفيقَ بين المَذْهَبَيْن، لا على سبيلِ موافقةِ كلّ من الطائفتين: المعتزلةِ، وأهل السُّنَّة، وإنَّما على سبيل التوفيقِ بين صَريح المعقول، وصَحيح المنقول -كذا زعموا-.
ولكنَّ القومَ كانوا أعلمَ بالكلام والجَدَل المَوروث عن الجَهمية وغيرهم، أكثر من علْمِهم بالمنقول عن الله -﷿- والرَّسول -ﷺ-، وأكثر من علْمِهم بطريقةِ السَّلَف، فمالُوا إلى ما غَلَبَ عليهم من معقول الجَهْمية أكثرَ من مَيْلِهم إلى طريقةِ السَّلَف، معَ أنَّهم ردّوا على الجَهمية، ونقَضوا عليهم كثيرًا من أصولِهم.
قال شيخ الإِسلام رحمه الله تعالى: "لكنَّ الأصلَ العقليَّ الذي بني عليه ابنُ كُلَّاب (١) قولَه في كلامِ اللهِ وصفاتِه هو أصْلُ الجَهميةِ والمعتزلةِ
_________________
(١) وهو رأسهم قبل الأشعري -كما بيّنته أول الباب-.
[ ٣٤٥ ]
بعينه" (٢).
وقال الحافظ أبو نَصْر السِّجْزيُّ فيهم: "وحاوَلوا الردَّ على المعتزلة من طريق مُجرَّد العَقْل، وهم لا يَخْبُرونَ أصولَ السُّنة، ولا ما كان السَّلَف عليه، ولا يحتجُّون بالأخبار الواردةِ في ذلك زَعْمًا منهم أنَّها أخبارُ آحادٍ لا تُوجبُ عِلْمًا" (٣).
وكانَ من أعْظَم ما مالوا فيه إلى طريقة الجَهْمية اعتقادُهم في كلام الله تعالى، فإنَّهم أنكروا عليهم قولَهم: (القرآن مخلوق) أشدّ الِإنكار، وصنَّفوا في ذلك المصنفاتِ الكثيرة، ووقعت بينهم في ذلك مناظرات، وحَسِبوا أنَّهم انتصروا عليهم، معَ أنَّهم وافَقوهم في أصْلِ مذهَبهم، وفي كثير من أصولهم، وإنْ رفَضوا التسليمَ لأكثرِ ذلك.
فلمَّا رَأوْا ما ألْزَمَت به الجَهميةُ المعتزلةَ من معقولِهم، التزموهُ، ولم يردّوه باعتقاد السَّلَف النَّقي، وإنَّما لجؤوا إلى ابتداع أصولٍ فاسدةٍ لم يقُلْ بها السَّلفُ، ولا المعتزلةُ، ولا أحدٌ من الأمَّةِ، بل ولا الأمَمُ قبلَهم.
• الكلام عن الأشعرية:
فأصْلُ تلكَ الأصول أنَّهم عرَّفوا الكلامَ بتعريفٍ لا يُعرَفُ في اللُّغَةِ ولا في الشَّرْعِ ولا في المَعقول، فقَالوا:
الكَلامُ: هو المعنى القائمُ بالنَّفْسِ -ويُعَبِّرونَ عنه بـ (الكلام
النفسي) - وهو الكلام الحقيقيُّ، والألفاظُ مَوضعةٌ للدَّلالة عليه.
_________________
(١) "حديث النزول" ص: ١٧٣.
(٢) "درء تعارض العقل والنقل" ٢/ ٨٤.
[ ٣٤٦ ]
وعليه قالوا: الكلامُ ليسَ بحُروفٍ ولا أصْواتٍ، والمتكلِّمُ: مَن قامَ به الكلامُ، لا من أوجَدَ الكلام.
وهذا عندَهم عامٌّ في كلّ كلامٍ.
وقد نَصَروهُ ببعض الشُّبَه حَسِبوها أدلَّةً، فقالوا: دلَّ على صِحَّةِ ما قُلْنا اللُّغَةُ والشَّرْعُ.
أمَّا اللُّغَة، فإنَّ العربي يقولُ. (كان في نفسِي كلامٌ) و(كانَ في نفسِي قولٌ) و(كان في نفسِي حديثٌ).
وقالَ عُمَرُ ﵁: "زوّرتُ في نفسِي كلامًا فأتى أبو بكر فزادَ عليه" (٤).
فسمَّى عُمَرُ ما في نفسِهِ كلامًا.
وقال الأخطل:
لا تعجبنَّكَ مِنْ أثيرٍ خُطْبَةٌ حتى يكونَ مع الكَلام أصِيلا
إنَّ الكَلامَ لَفِي الفؤادِ وإنَّما جُعِلَ اللِّسانُ على الفُؤادِ دليلًا
_________________
(١) وردَ هذا في حديث السقيفة. أخرجه أحمد رقم (٣٩١) والبخاري ١٢/ ١٤٤ - ١٤٥ من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس بالقصة مطوّلةً، وفيها قالَ عمر: وكنتُ قدْ زوّرتُ مقالةً أعجبتني أريدُ أن أقدّمَها بين يَدَيْ أبي بكر وأخرجه البخاري ٧/ ١٩ - ٢٠ من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في القصة نفسها، وفيه: فذهبَ عمرُ يتكلَّمُ، فأسكتَه أبو بكر، وكان عُمَرُ يقول: "لله ما أردتُ بذلك إلاَّ أنّي قد هيّأتُ كلامًا قد أعجَبني خشيتُ أنْ لا يَبلُغَه أبو بكر
[ ٣٤٧ ]
وأمَّا الشَّرْعُ، فقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١].
فالله تعالى لَمْ يُكَذِّب المنافقينَ في ألفاظهم، وإنَّما كَذَّبَهم فيما تُكِنُّهُ ضَمائِرُهم وسَرَائِرُهم، فدلَّ على أنَّه حقيقةُ الكَلام والقَوْل.
ومثلُهُ قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨].
فالقَوْلُ بالنَّفْس قائِمٌ وإنْ لم ينْطِقْ به اللسانُ، والقولُ هو الكلامُ.
وقولُه تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦].
فأسقط حكمَ الكُفْر عن المُكْرَه على كلمةِ الكُفْر، وجعَلَ الحكمَ لصِدْقِ الكلامِ القائمِ بالقَلْبِ.
فهذه الآيات وما في مَعناها دالَّةٌ على أنَّ حقيقةَ الكلام هو المعنى القائمُ بالنَّفْس، لا الحُروفُ والأصْواتُ التي هي أماراتٌ ودَلالاتٌ على الكلام الحَقيقي (٥).
ومِن السُّنَّة:
قولُه -ﷺ-: "يا مَعْشَرَ مَن آمَنَ بلسانهِ، ولم يَدْخُلِ الإيمانُ قلبَه" (٦).
_________________
(١) انظر: "الإِنصاف" لأبي بكر الباقلاني ص: ١٠٩.
(٢) حديث صحيح، وهذا بعضه، وتتمته: " لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتِهم، فإنَّه من يتَّبع عَوْراتِهم يتَّبع الله عورته، ومَنْ يتَّبع الله عَوْرته يفضحه =
[ ٣٤٨ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = [وإن كان] في بيتِه". وهو مَروي عن جماعةٍ من الصَّحابة عن النَّبيِّ ﷺ، وهم:
(٢) أبو بَرْزَة الأسْلَمي. أخرج حديثَه: أحمد ٤/ ٤٢٠ - ٤٢١، ٤٢٤ وأبي داود رقم (٤٨٨٠) وابن أبي الدنيا في "الصمت" رقم (١٦٨، ١٦٩) والخرائطي في "مساوئ الأخلاق" ج ٢ ق ٢/ ب من حديث الأعمش عن سعيد بن عبد الله بن جريج عن أبي برزة. وأبْهِمَ شيخُ الأعمش في موضع عند كلّ من أحمد وابن أبي الدنيا. قلت: وإسناده حسن.
(٣) البراء بن عازب. أخرج حديثه: أبو يعلى رقم (١٦٧٥) وابن أبي الدنيا في "الصمت" رقم (١٦٧) وأبو نعيم في "دلائل النبوة" رقم (٣٥٦) والبيهقي في "الدلائل" أيضًا ٦/ ٢٥٦ من طريق مصعب بن سَلاّم عن حمزة بن حبيب الزيّات عن أبي إسحاق السَّبيعي عن البَراء. قلت: وإسناده صالح في الشواهد.
(٤) عبد الله بن عمر. أخرج حديثه: الترمذي رقم (٢٠٣٢) وابن حبان رقم (١٤٩٤ - موارد) وأبو بكر الإسماعيلي -كما في "تفسير ابن كثير" ٦/ ٣٨٢ - من طريق الفضل بن موسى حدثنا الحسين بن واقد عن أوفى بن دَلْهَم نافع عن ابن عمر. قال الترمذي: "حديث حسن غريب". قلت: إسناده جيد.
(٥) بُريْدة بن الحُصَيْب. أخرج حديثه: الطبراني في "الكبير" ٢/ ٥ من طريق أبي تُمَيْلَة يحيى بن واضح عن رُمَيْح بن هلال الطائي ثنا عبد الله بن بُريْدة عن أبيه. قلت: إسناده ضعيف لجهالة رُمَيْح بن هلال، لكنه صالح في الشواهد. =
[ ٣٤٩ ]
فأخبَرَ أنَّ الكلامَ الحقيقيَّ هو الذي في القلْب دونَ نُطْقِ اللسانِ، وأنَّ الحُكْمَ للكلام الذي في القَلْب على الحقيقةِ، وأنَّ قَوْلَ اللسان مَجازٌ قد يُوافقُ القلبَ وقد يُخالِفُه.
وقوله -ﷺ-: "النَّدَمُ تَوْبَةٌ" (٧).
والنَّدَمُ معنى في القَلْبِ.
وقولُه -ﷺ-: "يقولُ الله -﷿-: أنا عنْدَ ظَنّ عبدي بي، وأنا معه حينَ يذكُرُني، إنْ ذَكَرَني في نفسهِ ذكرتُهُ في نَفْسِي" (٨).
فأثبتَ الذِّكْرَ للنَّفْس.
_________________
(١) = ٥ - عبد الله بن عباس. أخرج حديثه: الطبراني في "الكبير" ١١/ ١٨٦ أو العُقيلي في "الضعفاء" ١/ ٨٢ وابن عَدِي في "الكامل" ٦/ ٢٠٧٤ من طريق قدامة بن محمد ثنا إسماعيل ابن شَيْبة الطائفي عن ابن جُريج عن عطاء عن ابن عباس. أورده العُقيليُّ في مناكير إسماعيل، وأورده ابن عَدِي في مَناكير قُدامة، والذي أراه أن روايته بهذا الإِسناد من مناكير إسماعيل، فإنَّه أتى عن ابن جريج بأحاديث منكرَة جدًّا لا يُحْتَمل تفرُّده بها عنه، أمَّا قُدامةُ فإنَّه صَدوق لا بأس به. ولكنَّ الحديث صحيحٌ بطرقهِ السابقة صحّةً لا رَيْب فيها.
(٢) حديث صحيح. وردَ عن النَّبيِّ -ﷺ- من عدة وجوه. رواه عنه ابن مسعود، وأنس بن مالك، ووائل بن حُجْر، وأبو سعد الأنصاري، أبو هريرة، وعائشة. وتفصيل الكلام عليه يطول، وله موضع آخر.
(٣) حديث صحيح، مُتَّفق عليه.
[ ٣٥٠ ]
فالذِّكرُ والقوْلُ والكلامُ واحدٌ.
فَعُلِمَ أنَّ حقيقةَ الكلام: المعنى القائم في النَّفس (٩).
وكذا احتجُّوا بقوله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١].
فأطلقَ اسْمَ الكلام على غيرِ الألْفاظِ.
قلتُ: فهذه جملةُ ما احتجُّوا به لنُصْرَةِ بِدْعَتهم، وأنا ذاكِرٌ بتوفيق الله تعالى نقضَه عليهم.
• النقض على الأشعرية:
قبلَ الشُّروع في ذلك أذكِّرُكَ بما ذكرناه في الباب الأول من كون أهل السُّنَّة والجَماعة يُقرّون بأنَّ حَديثَ النَّفْس قد يُسَمَّى كلامًا وقَوْلًا، ولكن بقرينةٍ تبيّن ذلك، وأمَّا مُطْلَقُ الكلام والقَوْل فإنَّهُ يَعُمُّ الألفاظَ والمعانيَ مجتمعةً، فالكلامُ -مَثلًا- عندَ النَّحْويينَ مُخْتَصٌّ بالألفاظِ دونَ المعاني، بقرينةِ مَباحث هذا العلْمِ، فإنَّه إنَّما يَبْحَثُ في الألفاظِ لا في المَعاني، كذلك قد يُرادُ بهِ المعنى مجرّدًا بالقَرائنِ، كما سَتراه في الأجوبةِ الآتيةِ.
أولًا: ذكر الجواب عما استدلّوا به من اللغة:
أمَّا قولُ العربيّ: (كانَ في نفسِي كلامٌ) ونحو ذلك، فإنَّنا لا نُخالِفُ في صحَّتهِ، لكن ليسَ على مرادِكم -معشرَ الأشعرية- وإنَّما على مُرادِنا من كَوْن لفظ (الكلام) إذا جاء مقيّدًا، كانَ التقييدُ قرينةً دالّةً على إخراجهِ من
_________________
(١) انظر: "الإِنصاف" للباقلاني ص: ١٠٩ - ١١٠.
[ ٣٥١ ]
إطلاقِه، ونحن نقرّ أنَّه قد تُراد به المَعاني أو الألفاظُ بالقرائن، فلمَّا قيَّدَه العربيّ ههنا بالنَّفْس أخرجَه من مُطْلَق الكلام، فكيفَ يصِحُّ لكم -معشرَ الأشعرية- أن تحتجُّوا بما هو مَجاز على قواعِدكم لتقرير ما هو الحَقيقة؟
وذلك أنكم تقولونَ: ما تَصْرِفُه القرائنُ عن حَقيقته إنما هو المَجاز.
وأمَّا قَوْلُ عُمَر يوم السَّقيفة، فجوابنا عنه من وجْهين:
الأوَّل: أنَّ (التَّزوير) كما يقولُ الأصمعي: "إصلاحُ الكلام وتَهْيئتُهُ" (١٠) فمعناه إذًا: أنَّه قَدَّرَ في نفسهِ كلامًا وهيّأه لم يتكلَّم به بَعْدُ، فليس كلامًا حتى يتكلَّمَ به.
ومثالهُ: مَن يُقَدِّرُ في نفسهِ أن يعمَل عمَلًا كانْ يُصلِّي مثلًا، ثمَّ لا يفعل، فهل يقال: إنَّه صلَّى في نفسهِ؟ معَ أنَّ القَلْبَ له عمَل، كما أنَّ للجَوارح عملًا.
والثاني: لو صَحَّ ما قالوه لكان موافقًا لمَذْهَبنا لا لِمَذْهَبِهم، فإنَّهم يَعدّونَ مطلقَ الكلام كلامَ النَّفْس، أمَّا نحنُ فعندنا مطلقُ الكلام اللفظُ والمَعنى جميعًا، وقد يُرادُ أحدُهما بقرينةٍ، وهي موجودةٌ في قول عُمَر المذكور، ألا وهي التقييدُ بالنَّفْس، فكيفَ صَحّحْتم تعريفَ الكلام المُطْلَقِ بالكلام المقيَّدِ؟
وأمَّا شِعْرُ الأخْطَلِ، فالجَواب عنه من وجوهٍ:
الأوَّل: أنكرَ بعضُ العلماء كونَه من شعرهِ، وذلك أنَّهم فتّشوا دواوينَه فلم يَجِدوه فيه.
_________________
(١) "غريب الحديث" لأبي عبيد ٣/ ٢٤٢.
[ ٣٥٢ ]
قال أبو محمَّد الخشّابُ نَحْويُّ العراقِ: "فتشتُ شِعْرُ الأخطلِ المدوّن كثيرًا فما وجَدْتُ هذا البيتَ" (١١).
والثاني: أنَّه لم يَثْبُت نقلُه عن قائلهِ بإسنادٍ، لا صَحيحٍ ولا ضعيفٍ.
والثالث: لم يتلقَّه أهلُ العَربية بالقَبول.
والرابع: أورَدَه بعضُهم بلفظ:
إنَّ البَيانَ لَفي الفُؤادِ
وهذا يُفْسِدُ المَعْنى الذي أرادوا -كما لا يَخْفى-.
والخامس: الأخطلُ شاعرٌ مولَّدٌ، لا يُحْتَجُّ بشعرهِ في اللُّغة، وهذا معلومٌ عندَ أهل التَّحقيق.
والسادس: أنَّه نَصْرانيُّ مُثَلِّثٌ كافِرٌ، وقد ضَلَّت النَّصارى في معنى كلام الله تعالى ومُسَمَّاه، فجعَلوا المسيحَ نَفْسَ كلمة الله.
والسابع: أكثرُ من يحتَجُّ من أهل البِدَع بهذا الشِّعْر يُخْفي البيت الأوَّل، لأنه عندَ التَّحقيق حُجَّةٌ عليهم، وذلكَ أنَّ الشاعرَ حين ذكرَ الكلامَ في البيت الأوَّل ذكَره مطلقًا، ليشمَلَ اللفظَ والمَعنى، إذ الذي يُسمَعُ من الخَطيب ألفاظهُ، فأبانَ الشاعِرُ عن حقيقةِ الكلام المؤثّر الذي يقَعُ من النُّفوس مَوْقعًا بأنَّه ما اشْتَمَلَ على المَعاني التي مَوْضِعُها القَلْبُ، لا مُجَرَّدُ الألفاظ التي تُسْمَعُ من المتكلِّم، ولم يُرِدْ تعريفَ الكلام وَوَضْعَ حدٍّ له بكونه المَعاني المجرَّدة.
_________________
(١) "العلوّ" للذهبي ص: ١٩٤.
[ ٣٥٣ ]
والثامن: مُسمَّى (الكلام) و(القول) ونحوهِما ليسَ ممَّا يُحتاج في تفسيره إلى قولِ شاعر، بل ولا ألْفِ شاعر، فإنَّه ممَّا قد عُلِمَ ضرورةً، إذ هو ممَّا تكلَّمَ به الأوّلونَ والآخرونَ من أهْل اللّسانِ، وعَرَفوا معناه في لُغَتهم.
واللُّغة إنَّما تُسْتفَاد من استعمالِ أهلِها لها في كلَامهم، لا تُسْتَفاد مِمَّا يُذْكَر من الحُدودِ والتَّعريفات، بأن يقال: (الرأس كذا الكلام كذا ) (١٢).
فالحاصِلُ: أنّ الاحتجاجَ بهذا الشِّعْر ظاهرُ الفَسادِ، وفَسادُهُ أبْيَنُ وأظهرُ من تكلّفِ التفصيل له، والقومُ استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خَيْرٌ، فترَكوا نصوصَ الوَحْي الصَّريحةَ لقَوْلِ نَصْرانيٍّ كافرٍ، لم يُحَقِّقوه صِحَّةً، لا رِوايةً ولا دِرايةً.
قال الِإمام أبو المَعالي أسْعَدُ بن المُنَجّا شيخُ الحَنابلة:
كنتُ يومًا عندَ الشَّيخ أبي البَيان (نَبأ بن محمَّد بن مَحفوظ القُرَشي الشّافعي) رحمه الله تعالى، فجاءَه ابن تَميم الذي يُدعى الشيخ الأمين، فقالَ له الشيخ بعدَ كلام جَرى بينهما: "ويحَكَ، الحنابلة إذا قيل لهم: ما الدَّليلُ على أنَّ القرآنَ بحَرْفٍ وصَوْتٍ؟ قالوا: قال الله كذا، وقال رسولُهُ كذا -وسرد الشيخُ الآياتِ والأخبارَ- وأنتم إذا قيل لكم: ما الدَّليلُ على أنَّ القرآنَ معنى قائم في النَّفس؟ قلتُم: قالَ الأخطل:
إنَّ الكلامَ لَفِي الفؤادِ
أيش هذا الأخطل؟ نَصْرانيٌّ خَبيثٌ، بَنَيْتُم مذهَبَكم على بيتِ شعرٍ
_________________
(١) انظر: كتاب "الإِيمان" لشيخ الإسلام ص: ١٣٢ - ١٣٤.
[ ٣٥٤ ]
من قولِهِ، وتركْتُم الكتابَ والسُّنَّة؟! " (١٣).
وقال شيخُ الإِسلام: "كانَ مِمَّا يُشَنَّعُ به على هؤلاء أنَّهم احتجّوا في أصْلِ دينهم ومعرفةِ حقيقةِ الكلام -كلام الله، وكلام جميعِ الخَلْق- بقول شاعر نَصْرانيّ يُقال له: الأخطل:
إنَّ الكلامَ لَفِي الفؤادِ وإنَّما جُعِلَ اللسانُ على الفؤادِ دليلا
وقد قالَ طائفةٌ: إنَّ هذا ليسَ من شِعْرهِ، وبتقدير أن يكونَ من شعرهِ فالحَقائقُ العقليةُ، أومسمَّى لفظ (الكلام) الذي يتكلَّم به جميعُ بني آدم، لا يُرْجَعُ فيه إلى قولِ ألفِ شاعرٍ فاضِل، دَعْ أنْ يكونَ شاعرًا نَصْرانيًّا اسمُه: الأخْطَل، والنَّصارى قد عُرِفَ أنّهم يتكلَّمونَ في كلمةِ الله بما هو باطلٌ، والخَطَل في اللُّغة: هو الخَطَأ في الكَلام.
وقد أنشَدَ فيهم المُنْشِد:
قُبْحًا لِمَنْ نَبَذَ القرانَ وَراءَه فإذا استدلَّ يقولُ: قال الأخطلُ (١٤)
وقال شيخ الإِسلام أيضًا: "ولو احتجَّ مُحْتجٌّ في مسألةٍ بحديثٍ أخرَجاه في الصَّحيحين عن النَّبِيّ -ﷺ- لَقالوا: هذا خبرُ واحدٍ، ويكون مِمَّا اتّفقَ العلماءُ على تصديقهِ وتلقّيهِ بالقَبول، وهذا البيتُ لم يَثْبُت نقلُهُ عن قائلهِ بإسنادٍ صَحيح لا واحدٍ ولا أكثرَ من واحدٍ، ولا تلقَّاةُ أهلُ العربيَّة بالقَبول، فكيفَ يثْبُتُ به أدنى شَيْءٍ من اللغة فَضْلًا عن مسمَّى
_________________
(١) رواه الذهبي في "العلو" ص: ١٩٣ - ١٩٤ بسند صحيح، وفي المتن تحريف في المطبوعة، انظر "مختصره" ص: ٢٨٤ - ٢٨٥.
(٢) "مجموع الفقاوى" ٦/ ٢٩٦ - ٢٩٧.
[ ٣٥٥ ]
الكلام" (١٥).
ثانيًا: ذكر الجواب عما استدلوا به من الكتاب والسنة:
إنَّ ما احتجُّوا به من ذلك قَدْ حُرِموا التَّوفيق في فَهْمِهِ، فقالوا على الله غيرَ الحقّ.
فقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ ﴾ الآية.
نقولُ للأشعرية: أقرَرْتُمْ بأنَّه تعالى لم يُكَذِّب المنافقينَ في ألفاظِهم، وقد سَمَّاه تعالى قولًا، فقال: ﴿قَالُوا نَشْهَدُ﴾.
ولمَّا كانت الألفاظُ المجرَّدةُ غيرَ كافيةٍ لإِثباتِ إيمانِهم وصِدْقِهم فيه، وإنَّما يَجِبُ أنْ يقارِنَها إيمانُ القَلْب، واستقرارُ معنى ما قالوه فيه، لأجلِ ذلك كَذَّبَهم في دَعْواهم، فالذي كذَّبَهم الله تعالى فيه إنَّما هو الدَّعوى المجرَّدةُ، وعَدَمُ صحَّةِ ذلك منهم، ولم يُكَذِّبْهم في صِحَّةِ كونِ ما نَطَقوا به قولًا وكلامًا، بلْ أقرَّ ذلك وثبَّتَه، وليس الخِلافُ بيننا في صِدْق القول أو كذبهِ، وإنَّما في ماهيَّتهِ وحَقيقتهِ.
ونظيرُ هذه الآية قولُ النَّبيّ -ﷺ-: "يا معشرَ مَن آمنَ بلسانِهِ " الحديث.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ الآية.
فهو كسابقهِ في فَساد الاحتجاج به، وذلك من وَجْهَيْن:
الأوَّل: يُحْتَمَلُ أنَّهم قالوهُ بألسنتِهم سِرًّا، يُحَدِّثُ بعضُهم بعضًا
_________________
(١) كتاب "الإِيمان" ص ١٣٢.
[ ٣٥٦ ]
بذلك، وهو قولُ بعضِ أهل التَّفسير.
والثاني: أن لفظَ (القَوْل) وَرَدَ في الآية مرَّتَيْن، مَرَّةً مقيّدًا بالنفسِ، والثانية مطلقًا، ولا ريْبَ أنَّ المُطْلَقَ هو تَناجيهم بالإِثمِ والعُدوانِ، ومعْصيةِ الرَّسول -ﷺ-، وتحيَّتُهم له بغَيْر ما حَيَّاه به الله، وكلّ ذلك أقوالٌ، هي ألفاظٌ ومَعاني، فأطلقَه للعلْم به، وقيَّدَ القوْلَ الأوَّلَ بالنَّفْس ليكونَ خاصًّا بالمعنى دونَ اللفظِ، هذا على تَسْليم كونهِ حديثَ نفْس.
فلو كانَ مطلقُ القولِ إنَّما يُرادُ به حديثَ النَّفس لم تكُن هناك حاجَةٌ إلى تقييدِه بها، ولَكانَ التناجي والتَّحيَّةُ مَعانيَ مجرَّدةً، تُحَدِّث القلوبُ بعضُها بعضًا بها من غير نُطْقٍ ولا لَفْظٍ، وهذا لا يتصوَّرُه عاقلٌ.
ومثْلُ هذه الآية احتجاجُهم بقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الأعراف:٢٠٥] فهذا هو الذِّكْرُ باللسان سِرًّا، فلَم يَخْرُجْ عن كونهِ أَلفاظًا أومعانيَ مجتمعةً، ألا ترى قولَه: ﴿وَدُونَ الْجَهْرِ﴾؟ والذي يَلي مرتبةَ الجَهر الذي هو الذّكرُ برفْع الصَّوْت، مرتبةُ الإِسْرار التي هي الذِّكْرُ بخَفْضِ الصَّوْت، وكلُّ ذلك قائمٌ باللسانِ والقَلْب.
وأقولُ للأشعرية: بماذا تُفسِّرونَ إذًا قولَ أبي هُرَيْرَة لمنْ سألَهُ عن قراءَةِ أمّ الكتاب وراءَ الإِمامَ: "اقْرَأ بها في نَفْسِكَ" (١٦)؟ هل هو عندَكم المعنى القائمُ في القَلْب أيضًا؟
_________________
(١) حديث صحيح، وهذا جزء منه موقوف، وقد رواه مسلم وغيره. وهو مخرج في كتابي "الإِعلام بأحكام القراءة وراء الإِمام".
[ ٣٥٧ ]
إن قلتُم: نعَمْ، أبطَلْتُم مذاهبَكم، فإنَّكُم تُسلّمونَ أنّ الخلافَ في هذه المسألة إنَّما هو في نُطْق اللّسانِ، لا في استحْضار المَقروء في القلْبِ.
وإن قُلْتُم: لا، أفسَدْتُم أصلَكم أنَّ الكلامَ الحقيقيِّ ما قامَ في النَّفْس من المَعاني.
ونَظير الآية المذكورةِ احتجاجهُم بحديثِ: "يقولُ الله -﷿-: أنا عندَ ظَنِّ عَبْدي بي، وأنا معه حين يذكُرني " الحديث.
فإنَّ الذّكْرَ في النَّفْس هنا هو ذكرُ اللسان سِرًّا، ألا تَراه قال في تتمة الحديث: "وإنْ ذكَرَني في مَلأٍ ذكرتُه في مَلأٍ خيرٍ منهم"؟ فهما منزلتان.
ونظيرهُ أيضًا احتجاجُهم بقَوْله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [الملك: ١٣].
بل إنَّ احتجاجَهم بهذه الآية أظْهَرُ في الحُجَّة عليهم، وذلك أنَّه تعالى أثبتَ لهم قَوْلًا يُسَرُّ به، وقَوْلًا يُجْهَرُ به، والمَجْهورُ إنَّما يكون برفْع الصَّوت، وضدُّه الذي يُسَرّ به، ويجمَعُهما نُطْقُ اللسان، يوضِّحُه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]، فهذه ثلاثُ مَراتب: الأولى: الجَهْر، والثانية: السِّرّ، والثالثة: ما هو أخفى من السِّرّ، وليسَ هو إلَّا حديثَ النَّفْس، ولذلكَ قال في الآية: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ تَنْبيهًا لهم على أنَّه إذا كانَ يعلَمُ ما في الصُّدور، وهو المُعبّرُ عنه في الآية الأخرى بـ ﴿وَأَخْفَى﴾ فعِلْمُهُ بالجَهْرِ بالقولِ والسِّرّ به أولى، ذكر نحوَ هذا شيخُ الإِسلام.
وأمَّا احتجاجهُم بقولِهِ -ﷺ-: "النَّدَمُ توبَةٌ" وما في مَعناه، ونحوه
[ ٣٥٨ ]
احتجاجهُم بقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٥] وما في معناه، فليسَ واردًا في مَحَلّ النِّزاع، لأنَّ الخلافَ بينَنا وبين الأشعرية إنَّما هو في مسمَّى القولِ والكلامِ، لا بقيامِ المَعاني في القلب.
وأمَّا احتجاجهُم بآية الإِكراهِ فشبيهٌ بهذا، فإنَّه لم يُسَمِّ ما في القَلْب كلامًا، وإنَّما قال: ﴿وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ لأنَّه موضعُهُ ومَحَلُّه في الأصْلِ.
وتَسْميةُ ما في القَلْب من الإِيمان كَلامًا راجعٌ إلى أصْلِهم في الإِيمان بأنَّه التَّصديقُ القَلْبي، إذ هم فيه مُرْجئةٌ جَهميةٌ، وهو عندَ أهل السُّنَّة من السَّلَف والأئمَّةِ: تصديقُ القَلْب، وقولُ اللِّسان، وعمَلُ الجَوارح، حقيقةً في هذا جميعًا، فرفع الله الحرَجَ عن المُكْرَه رفعًا مؤقَّتًا للضَّرورة، تيسيرًا عليه وتَخفيفًا، لا على أنَّ الإِيمانَ على الحقيقة هو تصديقُ القَلْب فقَط، فإنَّه لو كان كذلكَ لَمَا كان فَرْقٌ بين حال الإِكراه وعَدَمهِ، ففيم الرُّخْصَةُ إذًا؟
وعلى تسليم كَوْن إيمانِ المُكْرَه كلامًا فإنَّه مقيَّد بذكْر القَلْب. وأمَّا احتجاجُهُم بقوله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ فَلنا عنه جَوابان:
الأوَّل: أنَّه تعالى قالَ في سورة مريم [١٠]: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ والقصَّةُ واحدةٌ، فاستثنى في الموضِع الأول ولم يَسْتَثْنِ في الثاني، فدلَّ على أنَّه استثناءٌ منقطعٌ لا مُتَّصل، فيكونُ المعنى: آيتك ألاَّ تكلِّمَ النَّاسَ، لكن تَرْمِزُ لهم رَمْزًا، وهو قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ [مريم: ١١] هو الإِيحاءُ بالرَّمْز.
[ ٣٥٩ ]
والثاني: إنْ لم يصحّ كونُه استثناءً منقطعًا، كان كلامًا مقيّدًا بالرَّمْز، فلا إشكالَ.
ذكرَ نحوَ لهذا شيخُ الإِسلام.
فهذا جملةُ ما موَّهَت به الأشعريةُ والماتُريديةُ على الأمَّة ليَلْبِسوا عليها دينَها، ولا يَخفاك ما يتَّسِمُ به من التَّناقُض والاضطرابِ.
يا هؤلاءِ نحنُ لا نختلفُ معكم في كَلامٍ مقيَّدٍ، فإنَّ القرائنَ تُخْرِجُ اللَّفظَ عن معناه إلى وجوهٍ من المَعاني، وإنَّما نَخْتَلفُ معكم في مطلق (الكلام) و(القول) وها أنتم قد عجَزْتُم عن الإِتيان ولو بحُجَّةٍ واحدةٍ تُثْبتونَ بها صحَّةَ قَوْلِكم، وتعلّقْتُم بما هو أوْهى من بيتِ العنكبوتِ، لتَنْصروا ما حَسِبْتُم كونَه حقًّا، ولَيْتَكُم تصوَّرْتُم قولَكُم وأمكَنكم صياغَتَه بتعريفٍ لتفهموه أنتم قبلَ أن تُفْهِموه خصومَكُم.
أيّ ضلالٍ هذا الذي أدخَلَه ابنُ كُلاّب وأتباعُهُ على الأمَّةِ ليُفْسِدوا به الضَّروراتِ؟ فلقد كان الناسُ في سَلامة من ذلك، ومعَ ذلك فقد قابَلوا باطلَ الجَهمية حين ظهَرَ بأحسَنِ الردّ وأبْيَنِهِ، ولم يَحتاجوا إلى هذه الضَّلالات الكُلّابية والأشعرية.
قال شيخُ الإِسلام: "ولَمْ يكن في مسمَّى الكلام نزاعٌ بين الصَّحابة والتابعينَ لهم بإحسانٍ، وتابعيهم، لا من أهل السُّنَّة، ولا مِن أهل البدعةِ، بل أوَّل من عُرِفَ في الإِسلام أنَّه جعلَ مسمَّى الكلام المعنى فقط هو عبد الله بن سعيد بن كُلّاب، وهو متأخِّرُ في زمَن محنةِ أحمد بن حنبل، وقد أنكر ذلكَ عليه علماءُ السُّنَّةِ وعلماءُ البدعةِ، فيمتنعُ أن يكونَ الكلام الذي
[ ٣٦٠ ]
هو أظهرُ صفاتِ بني آدم، كما قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] ولفظُه لا تُحْصى وجوهُه كثرةً، لَمْ يعرفْهُ أحدٌ من الصحابةِ والتابعين وتابعِيهم، حتى جاءَ مَن قالَ فيه قولًا لم يَسْبِقْهُ إليه أحدٌ من المسلمينَ ولا غيرِهم" (١٧).
وقال الحافظ أبو نَصْر السِّجْزيُّ: "رَكِبوا مُكابَرَةَ العِيانِ، وخَرَقوا الإِجماعَ المُنْعَقِدَ بين الكافَّة: المُسْلم والكافِر" (١٨) بلْ "ألجَأهم الضِّيقُ مِمَّا دخَلَ عليهم في مقالَتهم إلى أنْ قالوا: الأخرَسُ متكَلِّمٌ، وكذلك السَّاكتُ والنائمُ، ولهم في حال الخَرَس والسُّكوت والنَّوم كلامٌ هم متكلِّمونَ به، ثمَّ أفصَحوا بأنَّ الخرَسَ والسُّكوتَ والآفات المانعة من النّطق لَيْسَتْ بأضْداد الكلام" (١٩).
قال: "وهذه مقالةٌ تُبَيِّنُ فضيحةَ قائلها في ظاهِرها من غير رَدٍّ عليه، ومَن عُلِمَ منه خَرْقُ إجماع الكافّة، ومخالفَةُ كلّ عَقْليّ وسَمْعيّ قبلَه لم يُناظَرْ، بل يُجانَبُ وَيُقْمَعُ" (٢٠).
قلتُ: ولقد كانت هذه البدعةُ جَديرةً بالإِعراض عنها لولا ما عمَّ بها من فَساد الاعتقاد، ولَبْسِ الحَقّ بالباطل، فلا حولَ ولا قوة إلاَّ بالله.
_________________
(١) كتاب "الإِيمان" ص: ١٢٨.
(٢) نقله عنه شيخ الإِسلام في "درء التعارض" ٢/ ٨٥.
(٣) نقله عنه شيخ الإِسلام أيضًا في "درء التعارض" ٢/ ٨٦.
(٤) المصدر السابق ٢/ ٨٦.
[ ٣٦١ ]
• كلام الله تعالى عند الأشعرية:
على الأصْل الذي ذكرناهُ عنهم في تعريف الكلام بَنوا اعتقادَهم في كلام الله تعالى.
فقالوا: كلامُ الله القديمُ هو الكَلام النَّفسيُّ، وهو معنى واحدٌ، قائمٌ بذاتهِ، غيرُ مخلوق، صفةٌ من صفاتهِ، غيرُ بائنٍ عنه، لم يزَلْ موصوفًا به، ليسَ بحَرْفٍ ولا صَوْتٍ، وليسَ هو بلُغَةٍ، ولا يتجَزَّأ، ولا ينقسِمُ، ولا يتفاضَل، ولا يتعدَّدُ، ولا يَدْخلُه النَّسْخُ، ولا يتعلَّق بمشيئةِ الله واختيارهِ، وهو الأمرُ والنَّهيُ والخبرُ، يُفْهِمُه الله مَن شاءَ من عبادهِ بعباراتٍ مخلوقةٍ تدلُّ عليه، فعبارةُ القرآن بالعَربيةِ، والتَّوراة بالعِبْرية، والإِنجيلِ بالسّريانيةِ، وهي عباراتٌ عن الكلام النفسيّ الحَقيقي ودلالاتٌ عليه، وهي جميعًا معنى واحدٌ، فمعنى القرآن هو معنى التوراة والِإنجيل وغير ذلك من كلام الله، وتكليمُ الله لِمَنْ كلَّمَه من عباده إنَّما هو خَلْق إدراكِ ذلك المعنى لهم.
فالقرآنُ، والتَّوراةُ، والِإنجيلُ، بألفاظِها وحُروفها مخلوقةٌ، وهي دَلالاتٌ على الكلام النَّفسيّ، خلَقَها الله في شَيْءٍ.
قالوا في القرآن العربيّ: خلَقَه الله في اللَّوْح المَحفوظ -وهذا أشهَرُ عند متأخِّريهم، وهو الذي يقولُه صاحب "تحفة المريد" وغيره-.
ومنهم مَن قال: خلَقَهُ في الهَواء، فأخَذَهُ جبريلُ ﵇.
ومنهم مَن قال: بلْ إنَّ الله أفْهَمَ جبريلَ المعنى، فعبَّرَ عنه جبريلُ بقولِهِ، فالقرآن قولُ جبريلَ ﵇وهذا صرَّحَ به أكبرُ مُحقِّقيهم على الإِطلاق بعدَ الأشعري: أبو بكر الباقلّاني-.
[ ٣٦٢ ]
ومنهم مَن قال: بل هو عبارةُ محمَّد -ﷺ- وهو قولٌ مرجوحٌ عند متأخِّريهم، لكنه مذكورٌ مشهورٌ عندهم-.
فهذا جملةُ اعتقادِهم في كلام الله تعالى، وأنا ذاكرٌ تفصيلَه عنهم ونقضَه عليهم في المباحث الآتية بتوفيق الله وتيسيره.
[ ٣٦٣ ]