الكلامُ في لغة العرب التي بها نزل القرآن كما يقول ابن فارس ﵀: "يدلّ على نُطْقٍ مُفهم، تقول: كلّمتهُ، أكلّمهُ تكليمًا، وهو كليمي، إذا كلّمَكَ أو كلَّمْتَه" (١).
فقوله: "نطق" للدلالة على أنه لفظ اللسان.
وقوله: "مُفْهِم" للدلالة على كونه معنى.
فهو إذًا لفظ ومعنى.
وكذلك القول.
ولفظ "الكلام" و"القول" مما تُعْلَمُ حقيقتُهُ ضرورةً، ووَقر في نفس كل عاقل من خلق الله معرفةُ ماهيّة هذَين اللفظين، لأنَّهما صفتان لازمتان لكل من وصِفَ بأنه "متكلم، قائل" ومن المحال إطباق جميع العقلاء على الجهل بتصورهما.
فكل عاقلٍ متصورٌ مدركٌ أن كلَّ ما نطقَ به اللسان من الألفاظ
_________________
(١) "معجم مقاييس اللغة" ٥/ ١٣١.
[ ٥٥ ]
المفيدة للمعاني فهو كلام، أو قول.
وحين يخبر مخبرٌ فيقول: "تكلّمَ زيدٌ بكذا" أو "قالَ زيدٌ كذا وكذا" يتصوّر السامع أن لسانَ زيد تلفّظ بألفاظٍ دلّت على معنى كان قائمًا في نفس زيد، لا يفهم السامع أن زيدًا أضمرَ في نفسه معنى مجرَّدًا، بل لو لم يكن زيد تلفّظ بلسانه بما أضمر في نفسه كان المُخبِر كاذبًا في إخباره: أن زيدًا تكلّم.
وأيضًا، فإن السامع لا يفهم أن زيدًا هذى هذيانًا ليس له معنى فسمّاه المخبِرُ كلامًا، أو قولًا، وإنما يفهم أنه تكلمَ بكلام، وقال بقولٍ، مؤلَّف من الحروف التي هي الألفاظ المشتملة على المعاني.
ولا يُعقل بحال كلامٌ مجردٌ عن المعنى، أو مجرّدٌ عن اللفظ، إلاَّ بقرينة تقيّده بأحد الحالين.
فباتَ بهذا أن "الكلامَ" و"القول" إنما يُطلقان على ما كان لفظًا ومعنًى، لا لفظًا مجردًا، ولا معنًى مجردًا.
وأنبّه على أن القولَ يفارق الكلامَ من حيث وقوع المجاز فيه بأوسع من وقوعه في الكلام (٢)، لكنَّ هذا غيرُ مراد فيما ذكرناه، لأن ما حقّقناه إنما هو حقيقة اللفظين لا مجازهما.
قال شيخ الإِسلام ﵀: "وعامّة ما يوجد في الكتاب والسُّنَّةِ وكلام السَّلفِ والأئمة، بل وسائِرِ الأمم عربِهم وعجمِهم من لفظ: الكلام، والقول، وهذا كلام فلان، أو كلام فلان، فإنَّه عند إطلاقه يتناول اللفظ
_________________
(١) انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص: ١٠٩.
[ ٥٦ ]
والمعنى جميعًا، لشموله لهما، ليس حقيقة في اللفظ فقط -كما يقوله قومٌ-
ولا في المعنى فقط -كما يقوله قومٌ- ولا مشترك بينهما -كما يقوله قومٌ- ولا مشترك في كلام الأدميين، وحقيقة في المعنى في كلام الله -كما يقوله قومٌ-" (٣).
وقال الحافظ الأمام أبو نصر السِّجزي - ﵀ -: "لم يكن خلافٌ بين الخلق على اختلاف نحلِهم من أوَّلِ الزمان إلى الوقت الذي ظهرَ فيه ابن كُلاّب (٤) والقلانسي (٥) والأشعري (٦)، وأقرانهم من أن الكلام لا يكون إلاَّ حرفًا وصوتًا، ذا تأليفٍ واتِّساقٍ، وإن اختلفت به اللغات " (٧).
ومن الدلائل على صِحَّة ما ذكرنا ما يلي:
١ - إطباق سائر الأمم والطوائف - سوى بعض أهل البدع أمثال ابن
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" ١٢/ ٤٥٦ - ٤٥٧. ويشير بقوله: "كما يقوله قوم" إلى ما أحدثته المبتدعة في تعريف الكلام، ليبطلوا أن يكون كلامُ الله تعالى حروفًا وكلماتٍ.
(٢) هو أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاّب القطان البصري، وإليه تنتسب طائفة "الكلاّبية" وعلى طريقته جرى أبو الحسن الأشعري وغيره، وسيأتي شيء من ذكر حاله في الباب الثالث.
(٣) هو أبو العباس أحمد بن عبد الرَّحمن القلانسي الرازي، مذكور في أقران أبي الحسن الأشعري الآتي، وكان على شاكلته في الاعتقاد.
(٤) هو أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعريّ، وإليه تنتسب طائفة "الأشعرية" وسيأتي ذكر بعض حاله في الباب الثالث.
(٥) "درء تعارض العقل والنقل" ٢/ ٨٣.
[ ٥٧ ]
كُلاّب - على تناول "الكلام" و"القول" للّفظ والمعنى جميعًا، كما ذكرناه عن السِّجزي وشيخ الإِسلام.
٢ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ [الأعراف: ١٤٨].
هذه الآية ظاهرة في كون المنفيّ عنهم الكلامَ الذي هو اللفظ والمعنى جميعًا، إذ الخطاب لهم لا يكون معنًى مجردًا يقوم في أنفسهم، ولا لفظًا مجردًا غير دالّ على معنى.
٣ - وقوله تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ [الكهف:٤ - ٥].
فأطلق الكلمة على اللفظ الخارج من الأفواه.
وكذلك سائر ما جاء في كتاب الله تعالى من إطلاق لفظ الكلام مرادًا به الحقيقة.
ومثله القول.
قال تعالى: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٧].
٤ - حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: "إنَّ الله تجاوز لأمَّتي عما حدّثت به أنفسَها، ما لَمْ تكلَّم به، أو تعمل به" (٨).
_________________
(١) حديث صحيح.
[ ٥٨ ]
فهذا الحديث ظاهر في إخراج حديث النفس عن مطلق الكلام، ألا تراه قد فرّق بينه وبين حقيقة الكلام بقوله: "ما لم تكلّم به أو تعمل به"؟ فجعل الكلامَ الذي هو القولُ قسيمًا للعمل، غيرَ حديث النفس.
٥ - حديث معاذ بن جبل ﵁ قال:
يا رسول الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: "ثكلتك أمّك يا معاذ، وهل يكبُّ الناس على وجوههم في النار -أو قال: على مَناخرهم- إلاَّ حصائدُ ألسنتهِم؟ " (٩).
قلتُ: فهذا بَيِّنٌ في أنَّ الكلام ما كان ألفاظًا منظومةً دالَّةً على معاني مفهومةٍ؛ لأنَّ المعنى المجرَّدَ الذي يقوم بنفس المتكلم لا يحاسَبُ عليه العبدُ -كما في الحديث السابق- وهذا بخلافِ ما نَطَقَ به اللسانُ فإنَّه
_________________
(١) = أخرجه أحمد ٢/ ٣٩٣، ٤٢٥، ٤٧٤، ٤٨١، ٤٩١، والبخاري ٥/ ١٦٠، ٩/ ٣٨٨، ١١/ ٥٤٨ - ٥٤٩ ومسلم رقم (١٢٧) وأبو داود رقم (٢٢٠٩) والترمذي رقم (١١٨٣) والنسائي ٦/ ١٥٦ - ١٥٧ وابن ماجة رقم (٢٠٤٠، ٢٠٤٤) من طرق عن قتادة عن زُرارة بن أوفى عن أبي هريرة به مرفوعًا. وأخرجه النسائي ٦/ ١٥٦ من طريق حجاج بن محمد عن ابن جُريج عن عطاء عن أبي هريرة به مرفوعًا. قلت: وهذا سند صحيح، وما عنعنه ابنُ جُريج عن عطاء فلا يضره.
(٢) قطعة من حديث حسن. أخرجه أحمد ٥/ ٢٣١ والترمذي رقم (٢٦١٦) وابن ماجة رقم (٣٩٧٣) من طريق معمر عن عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن معاذ به مرفوعًا. قال الترمذي: "حديث حسن صحيح". قلت: هو حديث حسن بطرقه على التحقيق، ولتفصيل ذلك موضع آخر.
[ ٥٩ ]
محاسَبٌ عليه، وهذا عينُهُ هو الذي أطلق عليه الشرعُ الكلامَ، لا المعنى المجرَّدُ.
٦ - حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: "كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيتان إلى الرحمن: سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمدِهِ" (١٠).
قلت: وهذا ظاهر أيضًا في أنَّ الكلامَ هو المعنى الملفوظُ به بالحروف، إذ لا تُعقَل الخِفّة على اللسان في المعنى المجرَّدِ.
٧ - حديث عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله -ﷺ-:
"إنَّ الله، يُحْدِثُ لنبيّه ما شاء، وإنَّ مِمَّا أحْدَثَ لنبيّه: أن لا تَكَلَّموا في الصَّلاة" (١١).
وحديث معاوية بن الحَكَم السُّلَمي ﵁ قال: قال رسول الله -ﷺ-:
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد رقم (٧١٦٧) ٢/ ٢٣٢ والبخاري ١١/ ٢٠٦، ٥٦٦، ١٣/ ٥٣٧ ومسلم رقم (٢٦٩٤) والترمذي رقم (٣٤٦٧) والنسائي في "اليوم والليلة" رقم (٨٣٠) وابن ماجة رقم (٣٨٠٦) من طرق عن ابن فضيل عن عمارة عن أبي زرعة عن أبي هريرة به مرفوعًا.
(٢) حديث جيّد الإسناد. أخرجه أحمد ١/ ٣٧٧، ٤٣٥، ٤٦٣ وأبو داود رقم (٩٢٤) والنسائي ٣/ ١٩ من طرق عن عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن عبد الله به مرفوعًا في قصة. وعلَّقه البخاري ﵀ في "الصحيح" ١٣/ ٤٩٦.
[ ٦٠ ]
"إنَّ هذه الصلاةَ لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناسِ، إنما هو التسبيحُ والتكبيرُ وقراءةُ القرآن" (١٢).
ولا خلافَ بين أهل العلم أن مَن تكلَّمَ في صَلاته عامدًا لغير مصلحةِ الصلاةِ فصلاتُه باطلةٌ، ولا يرَون بما تُحَدِّثُ الإِنسانَ به نفسُه ممّا لا تعلُّقَ له بالصلاة من أمور الدنيا وغيرِها مُبطلًا للصلاةِ، لأنَّه بالاتفاق ليسَ بكلامٍ، ذكر نحوَ هذا شيخُ الإِسلام.
ونظائر هذا في الكتاب والسنَّة كثيرةٌ جدًا، وهي دلائلُ قاطعةٌ بأنَّ مطلقَ لفظ "الكلام" شاملٌ للألفاظ والمعاني جميعًا، خِلافًا لأهل البدع الذين أرادوا نُصْرَةَ أهوائِهم بإبطال الدلائل الصَّحيحةِ الصَّريحةِ من المعقولِ والمنقولِ.
وقد ذكرنا أن "الكلامَ" و"القولَ" قد يراد بهما المعنى فقط، أو اللَّفظُ فقط، لكن بقرينةٍ تُبيِّنُ ذلك، لا عندَ الإطلاقِ والتجرُّدِ من القرائن.
قال شيخُ الإِسلام: "الكلامُ إذا أطْلِقَ بتناوَلُ اللفظَ والمعنى جميعًا، وإذا سُمّيَ المعنى وحدَه كلامًا، أو اللَّفظُ وحدَه كلامًا، فإنَّما ذاك مع قيد يدلّ على ذلك" (١٣).
قلتُ: وذلك كقول عنترةَ:
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد ٥/ ٤٤٧، ٤٤٨ ومسلم رقم (٥٣٧) وأبو داود رقم (٩٣٠، ٩٣١) والنسائي ٣/ ١٤ - ١٨ والدارمي رقم (١٥١٠، ١٥١١) من طريق هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم به مرفوعًا في قصة.
(٢) "مجموع الفتاوى" ٦/ ٥٣٣.
[ ٦١ ]
يا دارَ عَبْلةَ بالجِواء تكلّمي وعِمي صَباحًا دارَ عبلةَ واسْلَمي (١٤)
وكقول الآخر:
وامتلأ الحَوضُ وقالَ: قَطني قَطني رويدًا قد ملأتُ بطني
فمحصَّل ما ذكرنا:
أن لفظَ "الكلام" و"القول" وما تصرّف منهما، من فعلٍ، ومصدرٍ، واسم فاعل، وغير ذلك، كلّ ذلك راجع إلى اللفظ والمعنى جميعًا.
فإذا قالَ قائلٌ في كلامٍ ما: إنَّ المرادَ بالكلام ههُنا اللفظ وحدَه، أو المعنى وحدَه، طالبناه بالقرينة المقيّدة التي صَرَفَتِ الكلامَ عن حقيقته المعلومة، وإلاَّ كانَ كاذبًا.
ولنا بسط آخر لهذه المسألة في الباب الثالث عند إبطال قول بعضِ أهل البدع -الكلاّبية والأشعرية وأشباههم- إنَّ الكلامَ حقيقةٌ في المعنى، وهو ما سمّوه بـ "الكلام النفسي" وإنَّما هذا تقريرٌ موجزٌ لإزالةِ ما قد يَرِدُ من لَبْسٍ في هذا الموضوع.
*****
_________________
(١) معلقته: البيت الثاني.
[ ٦٢ ]