كَلِماتُ الله تعالى لا نِهَايَةَ لهَا، وهي باقيةٌ لا تَنْفَدُ كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: ١٠٩].
ومِن كلماتهِ تعالى: كُتُبُه المنزَلَةُ، كالتَّوراةِ، والِإنجيلِ، والقرآنِ، وكلماتُهُ التي يخلقُ بها الخَلْقَ، وكلماتُهُ التي كلَّمَ بها آدمَ، والَّتي كلَّم بها موسى، والتي كلَّمَ بها محمَّدًا -ﷺ-، وكلماتُهُ التي يُكلِّمُ بها عبادَه في المَحْشَر، وفي الجنَّةِ، وكلماتُهُ التي يُخاطِبُ بها أهلَ النار توْبيخًا وتَقْريعًا، وغيرُ ذلك من كلامِهِ ﵎.
فكلامُهُ تعالى متبعّضٌ مُتَجَزّىءٌ، فالتَّوراةُ بعضُ كلامِه وجزءٌ منه، والإنجيلُ كذلك، والقرآنُ كذلكَ، والقرآنُ أبعاضٌ وأجزاءٌ، وسُوَرٌ وآياتٌ، وكلماتٌ.
وجَميعُ هذا من المُسَلَّماتِ المَعْلومةِ لدى الكافَّةِ، دَلَّ عليها الحِسُّ، والعقْلُ، والشَّرْعُ، وهي أجلى من أن تحتاجَ إلى ضَرْبِ الأمثلةِ، وسِياق البَراهينِ والأدلّة، ولكن مَنْ رامَ الهدى باتباع الهوى فقد ضلَّ السَّبيلَ.
[ ١٨٧ ]
فكلامُهُ تعالى الذي هو أجزاءٌ وأبعاضٌ، بعضُهُ أفضَلُ من بعضٍ، وليس ذلك من جِهَةِ المُتكلِّم به وهو الله تعالى، وإنَّما هو من جهةِ ما تضمَّنَ من المَعاني العَظيمةِ، فإنَّ كلامَ الله المتضمِّن للتَّوحيدِ والدَّعْوةِ إليه، أفضلُ من كلامهِ المتضمِّنِ ذكرَ الحُدودِ والقِصاصِ ونحو ذلكَ، وما يُخْبِرُ به عن نفسهِ وصفاتِهِ أعظمُ مما يُخْبِرُ به عن بعضِ خلقهِ، وذلكَ لشَرَف الأوَّلِ على الثاني.
وقد ورَدَ في السُّنَّةِ الصَّحيحةِ ما يُثْبِتُ ذلك ويوضِّحُه ويُجَلّيهِ، فمِنْ ذلك:
١ - حديث أنَس بن مالكٍ ﵁ قال:
كان النبيُّ -ﷺ- في مَسيرٍ لَهُ، فنزَلَ ونزَلَ رجُلٌ إلى جانِبِهِ، فالتفتَ إليه
النبيُّ -ﷺ-، فقال:
"ألا أخْبركَ بأفضَلِ القُرآنِ؟ ".
قال: فتلا عليه ﴿الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٥٧).
٢ - وعن أبي سَعيد بن المُعلَّى ﵁ قال:
كنتُ أصلِّي في المَسْجدِ، فدَعاني رسولُ الله -ﷺ-، فلَمْ أجِبْهُ، فقلتُ: يا رسولَ الله! إنِّي كنتُ أصلّي، فقالَ:
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه النسائي في "فضائل القرآن" -من "الكبرى"- رقم (٣٦) و"عمل اليوم والليلة" رقم (٧٢٣) من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس به، وسنده صحيح.
[ ١٨٨ ]
"ألَم يَقُلِ الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤].
ثمَّ قالَ لي:
"لأعلِّمَنَّكَ سورةً هي أعظمُ السُّوَرِ في القرآنِ، قبلَ أن تَخْرُجَ من المَسجدِ".
ثمَّ أخَذَ بيَدي، فلَمَّا أرادَ أنْ يَخرُجَ قلتُ لهُ: ألَمْ تَقُلْ: "لأعلِّمنَّكَ سورةً هي أعظَمُ سورةٍ في القُرآنِ"؟
قال: "الحَمْدُ لله ربّ العالَمينَ، هيَ السَّبعُ المَثاني، والقُرآنُ العظيمُ الذي أوتيتُهُ" (٥٨).
٣ - وعن أبَيّ بن كَعْبٍ قال: قالَ رسول الله -ﷺ-:
"يا أبا المُنْذر، أتَدْري أيُّ آيةٍ مِن كتابِ الله معَكَ أعظَمُ؟ ".
قال: قلتُ: الله ورسولُهُ أعلَمُ.
قال: "يا أبا المُنْذِرِ، أتَدْرِي أيُّ آيَةٍ من كتابِ الله مَعَكَ أعظَمُ؟ ".
قال: قلتُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ [البقرة: ٢٥٥].
قال: فضربَ في صَدْرِي، وقالَ:
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد ٣/ ٤٥٠ و٤/ ٢١١ والبخاري ٨/ ١٥٦ - ١٥٧، ٣٠٧، ٣٨١ و٩/ ٥٤ وأبو داود رقم (١٤٥٨) والنسائي ٢/ ١٣٩ وفي "فضائل القرآن" -من "الكبرى"- رقم (٣٥) وابن ماجة رقم (٣٧٨٥) من طرق عن شعبة عن خُبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي سعيد بن المعلّى به.
[ ١٨٩ ]
"والله، لِيَهْنِكَ العِلمُ أبا المُنْذر" (٥٩).
٤ - وعن أبي سَعيد الخُدْريّ ﵁ أنَّ رجلًا سَمعَ رجلًا يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ يُرَدِّدُها، فلمَّا أصبَحَ جاءَ إلى رسولِ الله -ﷺ-، فذكر ذلك له -وكأنَّ الرَّجُل يتقالُّها- فقالَ رسولُ الله -ﷺ-:
"والذي نَفْسِي بيده إنَّها لَتعْدِلُ ثلُثَ القُرآنِ" (٦٠).
٥ - وعن عُقْبَة بن عامر ﵁ قال:
كنتُ أقودُ برسولِ الله -ﷺ- في ناقَتَهُ في السَّفر، فقالَ لي:
"يا عُقْبَةُ، ألَا أعلّمكَ خيرَ سورتين قُرِئَتا؟ ".
فَعلَّمَني: ﴿قُلْ أَعوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾.
قال: فلَمْ يَرَني سُرِرْتُ بهما جدًّا، فلمَّا نَزَلَ لِصَلاةِ الصُّبْحِ صلَّى بِهِما صلاةَ الصُّبْحِ للناسِ، فلمَّا فرَغَ رسُولُ الله -ﷺ- من الصلاةِ التفتَ إليَّ
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم رقم (٨١٠) وأبو داود رقم (١٤٦٠) من طريق عبد الأعلي بن عبد الأعلى عن الجُرَيْري عن أبي السَّليل عن عبد الله بن رَبَاح الأنصاري عن أبيّ بن كعب به.
(٢) حديث صحيح. أخرجه مالك ١/ ٢٠٨ ومن طريقه: أحمد ٣/ ٢٣، ٣٥، ٤٣ والبخاري ٩/ ٥٨ و١١/ ٥٢٥ و١٣/ ٣٤٧ وأبوداود رقم (١٤٦١) والنسائي ٢/ ١٧١ وفي "اليوم والليلة" رقم (٦٩٨). وانظر تعليقي على "المفاريد" لأبي يعلى الموصلي رقم (٦٠).
[ ١٩٠ ]
فقالَ: "يا عُقْبَةُ كيفَ رأيتَ؟ " (٦١).
ويُوجِّهُ شيخ الإِسلام حديثَ فضْل سورةِ الإِخلاصِ فيقولُ: "وذلك أنَّ القرآنَ إمَّا خبرٌ، وإمَّا إنشاءٌ، والخبَرُ إمَّا خبَرٌ عن الخالقِ، وإمَّا عن المَخلوقِ، فثلُثُهُ قَصَصٌ، وثُلثُهُ أمْرٌ، وثُلُثُهُ توحيدٌ، فهيَ تَعْدِل ثُلُثَ القرآن بهذا الاعتبارِ" (٦٢).
قلتُ: فدلَّتْ هذه النُّصوصُ على تَفْضيلِ كلامِ الله بعضِهِ على بعضٍ، وذلكَ حسبَ ما يدلُّ عليه من المَعاني، وهو مَذْهَبُ جُمهورِ السَّلَفِ وأهلِ السُّنَّةٍ.
قالَ شيَخُ الإِسلام: "والصَّوابُ الَّذي علَيْهِ جُمْهورُ السَّلَف والأئمَّة أنَّ بَعْضَ كلامِ الله أفْضَلُ من بَعْضٍ، كما دلَّ على ذلك الشَّرعُ والعقلُ" (٦٣).
_________________
(١) حديث حسن أو صحيح. أخرجه أحمد ٤/ ١٥٣ وأبو داود رقم (١٤٦٢) والنسائي ٨/ ٢٥٢ - ٢٥٣ من طريق معاوية بن صالح عن العلاء بن الحارث عن القاسم مولى معاوية عن عقبة به. قلت: وهذا سند حسن، والقاسم هو ابن عبد الرحمن صدوق جيد الحديث، وقد صحَّ سماعُهُ من عقبة بن عامر. والحديث مروي عن عقبة من غير هذا الوجه معناه.
(٢) "درء التعارض" ٧/ ٢٧٢.
(٣) المرجع السابق.
[ ١٩١ ]