قالَ الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١].
فأخبرَ تعالى في هذه الآيةِ أنَّ تكليمَه للبَشَر يقعُ على ثلاثِ مَراتب:
• المرتبة الأولى: الوحي المجرد:
ودليلُهُ قولُهُ: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾.
وهذا غير الوَحْي العامّ الذي يشمَل جميعَ أنواع التكليم، وإنَّما هو نوعٌ منه، وقد فُسِّرَ بالإِعلام السَّريع الخَفيّ، ويقعُ للأنبياءِ ﵈ مَنامًا.
ومن الدَّليل عليه:
١ - رؤيا إبراهيبم ﵇:
قال تعالى: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا
[ ٩٧ ]
تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ الله مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ١٠١ - ١٠٥].
قَالَ عُبيد بن عُمير: "رُؤيا الأنبياءِ وحيٌ"، ثمَّ قرأ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (١٤).
٢ - وعَن عائشة ﵂ قالت:
"أوَّلُ ما بُدِىءَ به رسولُ الله -ﷺ- من الوَحي الرُّؤيا الصَّالحةُ (وفي لفظ: الصّادقةُ) في النَّوْم، فكانَ لا يَرى رؤيا إلاَّ جاءت مِثْل فَلَقِ الصُّبْحِ" (١٥).
٣ - وعن معاذ بن جبل ﵁ عن النبيّ -ﷺ- قال:
"إنّي قُمْتُ من اللَّيل، فصَلَّيْتُ ما قُدِّرَ لي، فنَعَسْتُ في صَلاتِي حتى استثقلْتُ، فإذا أنا بربّي ﷿ في أحسَن صُورة، فقال: يا محمَّدُ، أتَدْري فيمَ يختصمُ المَلأ الأعلى؟ " الحديث وقد سبق بطوله في المبحث السابق (١٦).
وليسَ الإِلهام الذي يحصَلُ لآحاد النَّاس من هذا النوع، لأنَّه لا يَصِحُّ تسميتُه تكليمًا خِلافًا لما ذهبَ إليهِ بعضُ أهْلِ العلم من المتأخْرينَ.
_________________
(١) رواه البخاري، وعُبيد بن عمير هو الليثي تابعي ثقة عالم.
(٢) متفق عليه.
(٣) ص ٨٩ - ٩٠.
[ ٩٨ ]
• والمرتبة الثانية: التكليم الخاص من وراء حجاب بلا واسطة:
والدَّليلُ عليه قوله: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾.
وهذا تكليمٌ مباشرٌ منَ الرَّبِّ تعالى، بكَلامٍ يُسْمِعُهُ مَنْ شاءَ من رسُلِهِ، من وراءِ حجابٍ.
وهذه المَرتبة أعلى مَراتب التَّكليم وأشْرَفُها وأفضَلُها، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
وقد وقعَ هذا النوعُ لثلاثةٍ من الأنبياءِ فيما جاءَ به السَّمعُ، هم:
١ - آدم ﵇:
والدليلُ عليه قولُه تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ ﴾ [البقرة: ٣٧].
ومن السُّنَّةِ: حديثُ أبي أمامَة ﵁ أنَّ رجُلًا أتى النبيَّ -ﷺ-، قال: يا نبيَّ الله، أنبيًّا كانَ آدم؟ قال: "نعَمْ، مكلَّمًا" (١٧).
٢ - موسى ﵇:
والأدلَّة عليه من الكتاب كثيرةٌ منها:
قَولُهُ تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] وقَولُهُ تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] وقَوْلُهُ تعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾
_________________
(١) سبق الحديث وتخريجه في المبحث السابق ص ٨٦ - ٨٧.
[ ٩٩ ]
[الأعراف: ١٤٤].
ومن السُّنَّةِ: حديثُ عمر بن الخطَّاب ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله -ﷺ-:
"إنَّ مُوسى قال: يا ربِّ أرِنا آدمَ الَّذي أخرجَنا ونفسَهُ من الجَنَّةِ، فأراه الله آدم، فقال: أنتَ أبونَا آدمُ، فقال له آدمُ: نَعَمْ، قال: أنتَ الذي نَفَخَ الله فيكَ من رُوحِهِ وعلَّمَكَ الأسماءَ كلَّها، وأمَرَ الملائكةَ فَسَجَدوا لكَ؟ قال: نَعَمْ، قالَ: فما حملَكَ على أنْ أخرَجْتَنَا ونفسَكَ من الجنَّةِ؟ فقال له آدمُ: وَمَنْ أنْتَ؟ قال: أنَا مُوسى، قال: أنتَ نبيُّ بني إسرائيل الَّذي كَلَّمكَ الله من وَراءِ الحِجابِ، لم يَجْعَلْ بينَكَ وبينه رَسولًا من خَلْقِهِ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: أفما وَجَدْتَ أنَّ ذلك كانَ في كتابِ الله قبلَ أنْ أخْلَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فِيمَ تلومُني؟ في شَيْءٍ سَبَقَ من الَله تعالى فيه القضاءُ قَبْلي؟ "قالَ رسولُ الله -ﷺ- عند ذلك: "فحَجَّ آدمُ مُوسى، فحَجَّ آدمُ مُوسى" (١٨).
وقد سَمّى الله تعالى هذا التَّكليم نِداءً، كما قال: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه عبد الله بن وهب في "القدر" رقم (٣) ومن طريقه: أبو داود رقم (٤٧٠٢) وأبو يعلى رقم (٢٤٣) وابن أبي عاصم في "السنة" رقم (١٣٧) وآخرون. وإسناده جيد. وقد استوعبت الكلام عليه في جزء مستقل، كما أشرت إليه فيما سبق في التعليق على حديث أبي هريرة ص ٨٥.
[ ١٠٠ ]
لِذِكْرِي﴾ [طه: ١١ - ١٤]، وكَما قالَ سبحانه: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النمل: ٨ - ٩] وكَما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠].
٣ - نبيّنا محمد -ﷺ-:
ووقعَ لَه ذلك في قِصة المِعراج عندَ سِدْرةِ المُنْتَهى.
قال -ﷺ-: "فأوْحى الله إلىَّ ما أوْحى، ففرَضَ على خَمْسينَ صلاةً في كلّ يومٍ وليلةٍ، فنزلتُ إلى موسى -ﷺ- فَقَالَ: ما فَرَضَ ربُّكَ على أمَّتِك؟ قلتُ: خَمْسينَ صَلاةً، قالَ: ارْجِعْ إلى ربِّكَ فاسْألهُ التَّخفيفَ، فإنَّ أمَّتَكَ لا يُطيقونَ ذلكَ، فإنيِّ قدْ بلَوْتُ بني إسْرائيلَ وخبَرْتُهم، قال: فرَجَعْتُ إلى رَبِّي، فقلتُ: يا ربّ، خَفِّفْ على أمَّتي، فحَطَّ عنِّي خمْسًا، فرَجَعْتُ إلى مُوسى فقلتُ. حَطَّ عنّي خَمْسًا، قال: إنَّ أمَّتَكَ لا يُطيقونَ ذلكَ، فارْجِعْ إلى ربِّكَ فاسألْهُ التَّخفيفَ، قالَ: فَلَمْ أزَلْ أرجِعُ بينَ رَبِّي ﵎ وبينَ موسى ﵇، حتى قال: يا محمَّدُ، إنَّهُنَّ خمسُ صَلَواتٍ كُلَّ يومٍ وليلةٍ، لكُلِّ صلاةٍ عشرٌ، فذلك خَمْسونَ صَلاةً، ومَنْ همَّ بحَسَنةٍ فلمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ له حسنةً، فإنْ عَمِلَها كُتِبَتْ له عَشْرًا، ومَنْ هَمَّ بسيِّئةٍ فلمْ يعمَلْها لمْ تُكْتَبْ شيئًا، فإن عَمِلَها كُتِبَتْ سيَّئةً واحدةً، قال: فنَزَلتُ حتى انتهَيْتُ إلى موسى -ﷺ- فأخبَرْتُهُ، فقالَ: ارجعْ إلى ربِّكَ فاسألْهُ التَّخفيف"، فقال رسول الله -ﷺ-: "فقلتُ: قَدْ رَجَعْتُ إلى رَبِّي حتَّى استحيَيْتُ منه" (١٩).
_________________
(١) متفق عليه من حديث أنس بن مالك، والسياق لمسلم.
[ ١٠١ ]
قلتُ: ولهذا التكليمُ هو المرادُ بقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠].
وقَدْ ذَهبَ بعضُ أهل العلم إلى أنَّ هذا التكليمُ كانَ بواسطةِ جبريلَ، فقالوا: فأوحى إلى عبدِهِ بواسطةِ جبريلَ ما أوحى، أي: جبريلُ.
وهذا مَرْدودٌ، إذ الأصل عدَمُ الحَذْفِ في الكَلام، وظاهرُ الحديثِ أنَّ الخطابَ منَ الله تعالى لنبيِّه -ﷺ- كانَ بغير واسطةٍ، ومِنْ قَرائِنِهِ مُراجعةُ النَّبِيِّ -ﷺ- رَبَّهُ، وكذا يؤكِّدُهُ أنَّ النبيَّ -ﷺ- رُفِعَ إلى موضعٍ لَمْ يُرْفَع إليه موسى ﵇ الَّذي فُضِّلَ بكَلام الله، ولا إبراهيمُ ﵇ الَّذي فُضِّلَ بالخُلَّةِ، فذلكَ مُسْتَوْجبٌ أنْ يكونَ فَضْلُه أعظمَ من فَضْلِ مَنْ دونَه، فجَديرٌ به أنْ يَنالَ دَرَجاتِ الفَضْلِ التي حصَّلها مَنْ دونَهُ.
والَّذي ألْجَأ القائلينَ بهذا إلى هذهِ المَقالَةِ أنَّهم التَزموا أنَّه -ﷺ- إنْ أثْبتَ له تكليمُ الله تعالى إيَّاه بغير واسطةٍ، فإنَّ ذلك يستجبُ رُؤْيَتَه -ﷺ- لِرَبِّه، والتَّحقيقُ الَّذي عليه جُمهورُ أهْلِ السُّنَّةِ أنَّه -ﷺ- لَمْ يَرَ ربَّه تعالى ليلةَ الإِسراءِ.
والصَّواب أنَّ هذا الَّذي التزموه ليسَ بلازمٍ، لأنَّ التَّكليمَ غيرُ الرُّؤْيَةِ، وهو مُمْكِنُ الوقوع بخِلافِ الرُّؤْية، وذلك من وَراء حِجابٍ، كَما وقَعَ لمُوسى ﵇، فإنَّ موسى لمْ يَرَ ربَّه، معَ أنَّهُ كَلَّمَهُ وناداه.
وقد عَلِمْنا أنَّ هذه المرتبةَ من التَّكليمِ أكْمَلُ المَراتبِ وأعلاها، فهي فضلٌ عظيمٌ، ودرَجةٌ رَفيعةٌ، فحَرِيُّ أن تكونَ لسيّدِ ولدِ آدمَ ﵊.
[ ١٠٢ ]
• والمرتبة الثالثة: التكليم بواسطة الرسول:
والدَّليلُ عليه قولهُ: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾.
والرَّسولُ جبريلُ ﵇، وربَّما كانَ غيرَهُ، إلاَّ أنَّ ذلك قليلٌ، وهذا في الرُّسُلِ من المَلائكةِ، أمَّا الرُّسُلُ من البَشَر فإنَّ الله تعالى يكلّم أمَمَهم بواسِطَتِهم، كَما يكَلِّمُهم بواسطةِ الرَّسولِ المَلَكيّ.
وبيانُهُ:
أنَّ الرَّسولَ المَلكىَّ يسمَعُ كَلامَ الله من الله بغير واسطةٍ، فَيُبَلِّغُهُ إلى الرَّسولِ البَشَريّ، فهذا تكليمٌ بالواسطةِ، والرَّسُولُ البَشَرِيُّ يُبلِّغُهُ أمَّته، وهذا أيضًا تكليمٌ بالواسطةِ، وكُلُّ مَنْ كلَّمَهُ الله بالواسطةِ فهو سامعٌ لكَلامهِ من الواسطةِ لا مِنَ الله تعالى.
وجبريلُ ﵇ هو الذي كانَ يأتي نبيَّنا -ﷺ- بالوَحْي من ربَّهِ، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]، وقالَ: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ﴾ [النحل: ١٠٢]، وقالَ تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٩٧]، وقال تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ﴾ [النجم: ١ - ٦] وهو جبريلُ ﵇.
ولقدْ كانَ يأتي النبيَّ -ﷺ- بصورةِ بشَر، تأنيسًا لَه، فإنَّه ﵇
[ ١٠٣ ]
خَلْقٌ عَظيمٌ من خَلْقِ الله تعالى، ولم يره النبُّيُّ -ﷺ- على صُورتهِ إلاَّ مَرَّتين، كَما قالَتْ عائشةُ ﵂ لمَسْروقٍ حين سألَها عن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣]، وقولِه: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]: أنا أَوَّل هذه الأمَّةِ سألَ عَنْ ذلك رَسولَ الله -ﷺ-؟ فقالَ: "إنَّما هو جبريلُ، لَمْ أرَه على صُورتِهِ الَّتي خُلِقَ عَليها غيرَ هاتَيْن المَرَّتَيْنِ، رأيْتُهُ مُنْهَبِطًا من السَّماءِ، سادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ ما بَيْنَ السماء إلى الأرْضِ" (٢٠)
وقالَ ابنُ مسعودٍ ﵁ في هذه الأية ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾: قال رسول الله -ﷺ-: "رأيْتُ جبريلَ عند سِدْرةِ المُنتْهى، عليه سِتُّ مِئَةِ جَناح، يُنْثَر من ريشِهِ التَّهاويلُ: الدّرُّ والياقوتُ" (٢١).
ولقَدْ أنبأنا رسولُ الله -ﷺ- نفسُه عن صِفَةِ إتيانِ الوَحْيِ إلَيْهِ، حينَ سألَه الحارثُ بن هِشام ﵁، فقال: يا رسولَ الله، كيفَ يأتيكَ
_________________
(١) قطعة من حديث صحيح. أخرجه أحمد ٦/ ٢٣٦، ٢٤١ ومسلم رقم (١٧٧) والترمذي رقم (٣٠٦٨) من طرق عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن مسروق به. قال الترمذي:"حديث حسن صحيح، ومسروق بن الأجدَع، يُكْنى أبا عائشة، وهو مسروق بن عبد الرحمن ". قلت: وأصلُ الحديث عند البخاري في "الصحيح".
(٢) حديث جيد الإِسناد. أخرجه أحمد ١/ ٤١٢، ٤٦٠ وابن طَهْمان في "مشيخته" رقم (١٢٦) والنسائي في "الكبرى" -كما في "تحفة الأشراف" ٧/ ٢٥ - وأبو يعلى في "مسنده" رقم (٤٩٩٣) وابن خزيمة في "التوحيد" ص: ٢٠٣ وابن جرير في "تفسيره" ٢٧/ ٤٩ من طرق عن حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن زِرّ عن ابن مسعود به.
[ ١٠٤ ]
الوَحْيُ؟ فقال رسول الله -ﷺ-: "أحْيانًا يأتيني مِثْلَ صَلْصَلةِ الجَرَسِ وهو أشدُّهُ عَلَيَّ، فيفْصِمُ عَنِّي وقَدْ وَعَيْتُ عنهُ ما قالَ، وأحْيانًا يتمثَّلُ ليَ المَلَكُ رَجُلًا فَيكلِّمُني، فأعِي ما يَقولُ" (٢٢).
ولَقَدْ أتى مَرْيَمَ ﵍ بصُورةِ بَشَر، كمَا قالَ تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ١٧ - ١٩].
وجاءتْ الملائكةُ رسلُ الله إلى إبراهيمَ ولوطٍ ﵉ بصورةٍ بشريّة، كما حكى الله في سُورةِ هودٍ وغيرِها.
وإنَّما كانَ ذلك يَقَعُ كذلكَ لأنَّ البشَر يأْنَس جِنسَه، ولا يَرتاعُ لرؤيته، ففيه من تهدئةِ القلبِ ما لا يكونُ لو أتى بصورة المَلَكِ، ومنْ طبيعةِ بني آدمَ النفرةُ من الأمورِ غيرَ المألوفة، ولذا كانت هذه من حكمةِ الله تعالى في إرسال الرُّسلِ إلى البشر من أنفسِهم، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مالك في "الموطأ" ١/ ٢٠٢ - ٢٠٣ وأحمد ٦/ ١٥٨، ١٦٣، ٢٥٦ - ٢٥٧ والبخارى ١/ ١٨ و٦/ ٣٠٤ ومسلم ٤/ ١٨١٦ - ١١٨٧ والترمذي رقم (٣٦٣٤) والنسائي في "المجتبى" ٢/ ١٤٦، ١٤٧ وفي "الكبرى" كما في "فضائل القرآن" له رقم (٤) وكما في "تحفة الأشراف" ١٢/ ١٩٣ - ١٩٤ من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن الحارث بن هشام سأل رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله الحديث. قال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
[ ١٠٥ ]
لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [الأنعام: ٨ - ٩] وقالَ تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٤ - ٩٥].
قال الحافظُ ابنُ كَثير: "فمِنْ رحمتهِ تعالى بخلقِه أنَّه يرسلُ إلى كُلِّ صنفٍ من الخَلائق رسُلًا منهم، ليدعوَ بعضُهم بعضًا، ولِيُمْكِنَ بعضُهم أنْ ينتفعَ ببعضٍ في المُخاطبةِ والسُّؤالِ" (٢٣).
قلتُ: ولذا امتنَّ الله تعالى على المؤمنينَ بذلكَ، فقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ﴾ الآية [آل عمران: ١٦٤].
فهذا بيانُ أنواعِ ومراتب التكليمِ العامَّ الَّذي جاءَت به آيةُ الشورى، وهو متضمَّنٌ إبطالَ أقوَالِ كثيرٍ من المبتدعةِ الَّذين لم يفرِّقوا بين تكليم الله لموسى وتكليمِهِ لغيرهِ بواسطةِ الملَك، ولا بينَ الِإيحاءِ المجرَّد والتكليم الخاصِّ، فوقَعوا بسَببِ ذلك في ضَلالاتٍ، أوْقَعَتْهم في الِإلحادِ في صفاتِ الله تعالى، وتعطيلِ صَريح النُّصوصِ، وإبطالِ حقائِقها.
ومما ينبغي التنبيهُ عليه دَفْعًا لِمَا قد يُشْكِل في إطلاقِ لفظ (الوحي) ولفظ (التكليم) في مواضِعَ من كتاب الله تعالى، فالقاعدة في ذلك كما يقول شيخُ الإِسلام ﵀: "فيهما عُمومٌ وخُصوصٌ، فإذا كانَ أحدُهما
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" ٣/ ٩.
[ ١٠٦ ]
عامًّا اندرجَ فيه الآخر، كما اندرجَ الوحيُّ في التكليم في هذه الآية، واندرجَ التكليمُ في الوحيِ العامِّ، حيث قال تعالى: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه: ١٣] " (٢٤).
• • • • •
(٢٤) "مجموع الفتاوى" ١٢/ ٤٠٢.
[ ١٠٧ ]