اللَّفظيةُ النافيةُ -كما سبَقَ قريبًا- هم القائلونَ: (ألفاظُنا بالقُرآن مخلوقةٌ) ويريدونَ: أنَّ القرآنَ العربيَّ مخلوقٌ، وأنَّ جبريلَ إنَّما نزلَ بقرآن مخلوقٍ.
وهذا القولُ في الحَقيقةِ هو قَوْلُ الجَهْميَّة الذين أطلَقوا أنَّ القرآنَ مَخلوقٌ، فإنَّ القرآنَ لا يُعْرَفُ إلَّا أنَّهُ اسْمَ للنَّظْمِ العَرَبيّ، والجَهْمِيَّةُ أطلَقَتِ القولَ بخَلْقهِ، وهؤلاءِ وافَقوهُم في كَوْنِ القرآنِ العَرَبيّ مَخْلوقَ النَّظْم، لأنَّهُ مؤلَّفٌ من الحُروفِ، وما تألَّفَ منَ الحروفِ فهو مَخْلوقٌ، لأنَّ الحُروفَ مخلوقةٌ، والله لَمْ يتكلَّم بها، إلاَّ أنَّهم خالفوهم خِلافًا لَفظيًّا في الحَقيقةِ، وذلكَ أنَّهُم ادَّعَوْا لله تعالى صفةَ الكلام، لكنَّهم قالوا: هو مَعنى أو مَعاني مجرّدةٌ، ليسَتْ بحُروفٍ ولا أصواتٍ، وهذا القولُ من أفسَدِ المَقالاتِ، وسيأتي نقضُه عليهم في الباب الثالث في الردّ على الأشعرية.
وإنَّما وَصَفْتُهُ بكونهِ (لفظيًّا) لأن القائلينَ به لم يُثْبتوا في الحقيقةِ لله تعالى صفةَ الكَلام، وإنَّما افترَوا صِفةً لا حَقيقةَ لها، فنَسَبوها للربِّ تعالى، سَمَّوْها صفةَ الكَلامِ، وأبطَلوا ما هو معلومٌ ضَرورةً في تفسيرِ الكلام.
[ ٢٢٧ ]
فلذا صَحَّ وصفُهُم بالجَهْمِيَّة.
وقَدْ قَالَ الإِمام أحمدُ ﵀فيما رواه ابنه صالحٌ عنه-:
"افترقَت الجَهْمِيَّةُ على ثَلاثِ (١٢) فِرَقٍ: فِرْقَةٍ قالوا: القرآنُ مَخلوقٌ، وفرقةٍ قالوا: كلامُ الله وتسْكُتُ، وفرقةٍ قالوا: لفظُنا بالقرآنِ مَخلوقٌ، قالَ الله -﷿- في كتابهِ: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] فجبريلُ سَمِعَه من الله، وسَمِعَه النبيُّ -ﷺ- من جبريلَ ﵇، وسمِعَهُ أصْحابُ النَّبِيِّ -ﷺ- من النَّبِيِّ، فالقُرآنُ كَلامُ الله غيرُ مخلوقٍ" (١٣).
والنُّصوصُ عن الإِمام أحمدَ في تبديعِهم، بلْ وبعضُها في تكفيرهم، متواتِرةٌ، أسوقُ منها بعضَ ما فَتح الله تعالى بهِ، وثَبَتَ إسنادُهُ.
وهو مَرويٌّ عنه من وجوهٍ:
١ - عبد الله ابنه عنه.
قال: سألت أبي ﵀، قلتُ: ما تَقولُ في رجُلٍ قال: التَّلاوةُ مَخلوقةٌ، وألفاظُنا بالقرآن مَخلوقةٌ، والقُرآنُ كلامُ الله -﷿- وليس بمَخلوقٍ؟ وما تَرى في مُجانَبتهِ؟ وهل يُسمَّى مُبْتدِعًا؟ فقال: "هذا يُجانَبُ، وهو قولُ المُبتَدِع، وهذا كلامُ الجَهْمية، ليسَ القرآنُ بمخلوقٍ، قالتْ عائشةُ ﵂: تَلا رسولُ الله -ﷺ-: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (١٤) [آل عمران: ٧] فالقرآن ليسَ
_________________
(١) في الأصل المنقول عنه: ثلاثة.
(٢) رواه صالح في "المحنة" ص: ٧٢ عن أبيه.
(٣) أراد حديث عائشة في الذين يتبعونَ المتشابة، وسياقُهُ، قالت: تلا =
[ ٢٢٨ ]
بمَخْلوقٍ" (١٥).
وقال عبد الله: سَألتُ أبي ﵀، قلتُ: إنَّ قومًا يقولونَ: لفظُنا بالقرآن مخلوقٌ؟ فقال: "هم جَهْميَّةٌ، وهم أشَرُّ ممَّنْ يَقِفُ (١٦)، هذا قولُ جَهْمٍ".
وعَظّمَ الأمرَ عنده في هذا، وقال: "هذا كَلَامُ جهْمٍ" (١٧).
وقال عبد الله: سمعت أبي ﵀ يقولُ:
"كلُّ مَن يقصِدُ إلى القرآن بلفظٍ، أو غيرِ ذلكَ، يريدُ بهِ مخلوق، فهو جَهميُّ" (١٨).
قلتُ: وأرادَ بقوله: "يريدُ به " إلخ، الاحتراز عن قول من قال: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، وأراد فعلَ العبدِ القائمَ به الذي هو حركتُهُ وصوتُهُ، لا كلامَ الله تعالى المسْطورَ المكتوبَ الملفوظَ، فإنَّ من قالَ ذلك على هذا النحو فقوله حقٌ على هذا المعنى، لكنَّ إطلاقَهُ غيرُ جائزٍ لما يوقِعُ فيه من المَحْذورِ.
_________________
(١) = رسول الله -ﷺ-: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ الآية إلى آخرها - قالت: قال رسول الله -ﷺ- "إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابهَ منه، فأولئك الذي سمىَّ الله، فاحذَروهم". أخرجه البخاري ٨/ ٢٠٩ ومسلم رقم (٢٦٦٥) وغيرهما من حديث عائشة.
(٢) رواه عبد الله في "السنَّة" رقم (١٧٨).
(٣) أي: لا يقول مخلوق، ولا غير مخلوق.
(٤) رواه عبد الله في "السنَّة" رقم (١٨٠ب).
(٥) رواه عبد الله في "السنَّة" رقم (١٨٣).
[ ٢٢٩ ]
وقالَ عبد الله: سمعتُ أبي يقولُ: "مَنْ قال: لَفْظي بالقرآنِ مخلوقٌ، هذا كلامُ سُوءٍ رديءٌ، وهو كلامُ الجَهمية".
قلت له: إنَّ الكَرابيسيَّ يقولُ هذا، فقالَ:
"كذَبَ، هَتَكَهُ الله، الخَبيثُ".
وقال: "قد خَلَفَ هذا بِشْرًا المَرِيسيَّ" (١٩).
قلتُ: والكَرابيسي هو الحُسَين، من أسلاف الأشعريَّةِ والماتُريديَّة في مسألةِ اللَّفظِ، فإنَّ مقالَتَهم نَفْسُ مقالَتِهِ معَ زيادةٍ عليه، وهو أحسن حالًا منهم بكَثيرٍ.
وهذا الذي ذكرتُ بعضُ ما نَقَلَ عبدُ الله عن أبيه.
٢ - صالح ابنه عنه.
قال: قلتُ لأبي: مَن قالَ: لفظي بالقرآنِ مخلوقٌ يُكَلَّمُ؟ قال: "هذا لا يُكلَّمُ، ولا يصلَّى خَلْفَه، وإنْ صلَّى رجُلٌ أعادَ" (٢٠).
وسَبَقَ قبلَ قليلٍ نقلُهُ عن أبيه قولَه في افتراقِ الجَهْمية إلى ثلاثِ فِرَقٍ، منها اللفظيَّة.
٣ - يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرقيّ عنه.
قال لَه أحمد: "إنَّ اللَّفْظيَّةَ إنَّما يدورونَ على كلام جَهْمٍ، يزعُمونَ أنَّ جبريلَ إنَّما جاءَ بشيءٍ مخلوقٍ" يعني: جبريل، مخَلوقٌ جاء به إلى
_________________
(١) رواه عبد الله في "السنَّة" رقم (١٨٦).
(٢) رواه صالح في "المحنة" ص: ٧٠.
[ ٢٣٠ ]
محمدٍ -ﷺ- (٢١).
وقال صالحُ بن أحمدَ: سألَ يعقوبُ بن إبراهيمَ الدورقيُّ أبي عمَّنْ قال: لفظُهُ بالقرآنِ مخلوقٌ، كيفَ يقولُ في هؤلاءِ؟ قال: "لا يُكَلَّمُ لهؤلاءِ، ولا يُكلَّمُ في هذا، القرآنُ كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ على كُلِّ جهَةٍ، وعلى كلّ وَجْهٍ، وعلى أيّ حالٍ" (٢٢).
٤ - أحمد بن إبراهيم الدَّورقي عنه.
قال: سألتُ أحمدَ بن حنبل، قلتُ: لهؤلاء الذين يقولونَ: إنَّ ألفاظنا بالقرآنِ مخلوقةٌ؟ قال: هُمْ شَرٌّ مِنْ قَوْلِ الجَهْمية، مَن زعَمَ هذا فقَدْ زعَمَ أنَّ جِبريلَ جاءَ بمَخلوقٍ، وأنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- تكَلَّمَ بمخلوقٍ" (٢٣).
٥ - أبو داود سُليمان بن الأشعث عنه.
قال: سمعتُ أحمدَ يتكلَّمُ في اللَّفْظيَّةِ، ويُنْكِرُ عَلَيْهم كلامَهم (٢٤).
وقال: كتبتُ رُقْعَةً، وأرسَلْتُ بها إلى أبي عبد الله -وهو يومئذٍ مُتوارٍ- فأخرجَ إليَّ جَوابَه مكتوبًا فيه:
قلتُ: رجلٌ يقولُ: التّلاوةُ مخلوقةٌ، وألفاظُنا بالقرآن مخلوقةٌ، والقرآنُ ليسَ بمخلوقٍ، وما تَرى في مُجانبتهِ؟ وهل يُسمَّى مبتدِعًا؟ وعلى ما يكون عَقْدُ القلبِ في التّلاوةِ والألفاظِ؟ وكيفَ الجوابُ فيه؟
_________________
(١) رواه أبو داود في "المسائل" ص: ٢٧١ عنه.
(٢) رواه صالح في "المحنة" ص: ٧٠.
(٣) رواه أبو داود في "المسائل" ص: ٢٧١.
(٤) "المسائل" ص: ٢٦٤.
[ ٢٣١ ]
قال: "هذا يُجانَبُ، وهو فَوْقَ المُبْتَدعِ، وما أراهُ إلَّا جَهْمِيًّا، وهذا كلامُ الجَهْمية، القرآن ليسَ بمخلوقٍ، قالتْ عائشةُ ﵂: قالَ رسول الله -ﷺ-: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾ الآية، قالتْ: فقال رسول الله -ﷺ-: "إذا رأيتمُ الذين يتّبعون ما تَشابَهَ منه فَاحْذَروهم، فإنَّهم هم الذينَ عنى الله" (٢٥). فالقرآن ليسَ بمخلوقٍ" (٢٦).
٦ - إسحاق بن إبراهيم بن هانئ النَّيْسابوريّ عنه.
قال: سمعتُ أبا عبد الله -يعني أحمد- يقول:
"مَن زعَمَ أنَّ لَفظي بالقرآنِ مخلوقٌ فهو جَهْميٌّ".
وقال: "أرأيتَ جبريلَ ﵇ حيث جاءَ إلى النَّبِيّ -ﷺ- فَتَلا عليهِ، تلاوةُ جبريلَ للنبيّ -ﷺ- أكانَ مخلوقًا؟ ما هو مَخْلوق" (٢٧).
وقال: وسألتُهُ عن الذي يقول: لَفْظي بالقرآن مخلوق؟
قال: "هذا كلامُ جَهْمٍ، مَنْ كانَ يُخاصِمُ منهم فلا يُجالَسُ، ولا يُكلَّمُ، والجَهْمىَ كافرٌ" (٢٨).
وقال: سُئل -يعني أحمدَ- عمَّنْ يقول: لَفْظي بالقرآنِ مخلوقٌ، أيُصلّى خلفه؟
_________________
(١) هو عين الحديث الذي سبق قريبًا في التعليق رقم (١٤) من هذا الباب.
(٢) "المسائل" ص: ٢٦٥.
(٣) "مسائل ابن هانىء" ٢/ ١٥٢ - ١٥٣.
(٤) "مسائل ابن هانىء" ٢/ ١٥٤.
[ ٢٣٢ ]
قال: "لا يُصلّى خلفه، ولا يُجالَسُ، ولا يُكلَّمُ، ولا يُسَلَّمُ عليه" (٢٩).
٧ - أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذيّ عنه.
قال: سمعتُ أبا عبد الله أحمدَ بن حَنْبل يقول: "اللَّفظيَّةُ جَهْمِيةٌ، يقولُ الله: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ مِمَّنْ يَسمَع؟ " (٣٠).
٨ - أبو بكر محمد بن عبد الملك بن زَنْجَوَيْهِ عنه.
قال: سمعتُ أحمدَ بن حنبل يقول: "مَنْ قالَ: لَفْظي بالقرآنِ مخلوقٌ فهو جَهْميٌّ" (٣١).
فهذه بعضُ النُّصوص الصَّحيحةِ الثابتةِ عن الإِمام أحمدَ، وهي عن الأثباتِ من أصحابهِ عنه، دالَّةٌ دلالةً صَريحةً على أنَّ اللفظيةَ جَهْميةٌ، وهم بمنْزلة المُصرِّحينَ بخَلْقِ القرآنِ.
وقد حكى الإِمام أبو عثمان الصابونيُّ في "عقيدتهِ" ما حَكاهُ ابنُ جَرير ﵀ عن الإِمام أحمد في تَجْهيم اللفظيةِ، ثمَّ قال:
"والَّذي حكاهُ عن أحمَدَ ﵁ وأرضاهُ: أن اللَّفظيَّةَ جَهْميةٌ، فصَحيح عنه، وإنَّما قالَ ذلك لأنَّ جَهْمًا وأصحابَه صَرَّحوا بخَلْقِ القرآن،
_________________
(١) "مسائل ابن هانىء" ٢/ ١٥٢.
(٢) رواه ابن جرير في "صريح السنَّة" رقم (٣١) ومن طريقه ابن الطبري في "السنَّة" ١/ ١٨٥، ٢/ ٣٥٥ وابن أبي يعلى في "طبقات الحنابلة" ١/ ٢٧٩ - ٢٨٠ وهو صحيح عنه.
(٣) رواه الخلّال في "السنَّة" -كما في "مجموع الفتاوى" ١٢/ ٣٢٥ - عن أبي بكر به.
[ ٢٣٣ ]
والذينَ قالوا باللَّفظ تدَرَّجوا به إلى القَوْلِ بخَلْقِ القرآنِ، وخافوا أهلَ السُّنَّةِ في ذلك الزَّمانِ من التَّصْريحِ بخَلْقِ القرآن، فأدْرَجوهُ في هذا القول ذي اللَّبْس، لِئَلَّا يُعَدّوا في زُمْرَةِ جَهِمٍ الذين هم شياطينُ الإِنس يُوحي بعضُهم إلى بعضٍ زُخْرُفَ القَوْلِ غُرورًا، فذكَروا هذا اللفظَ وأرادوا به أنَّ القرآنَ بلفْظِنا مخلوقٌ، فلذلك سَمَّاهُم أحمدُ ﵀ جَهْميَّةً، وحُكيَ عنه أيضًا أنه قال: اللَّفظيةُ شَرٌّ من الجَهْميةِ" (٣٢).
قلتُ: صرّحَتْ نصوصُ الإِمام أحمد السابقةُ بتجهيم اللفظيةِ، لأجْل أنَّهم يعدّون القرآنَ العربيُّ، المَسموعَ المقروءَ المَلفوظَ، المؤلَّفَ من الحُروفِ والكلماتِ، والسُّوِر والآياتِ، مخلوقًا، وقدْ بيَّنَ أحمدُ ﵀ ذلكَ بقولهِ: "يزعُمُون أنَّ جبريلَ، إنَّما جاءَ بشيءٍ مخلوقٍ" وهذا هو الفَصْلُ في مُرادِ أحمدَ بتجهيم اللَّفظيةِ.
ولَمْ يُجَهِّم الإِمامُ أحمد مَن أرادَ باللفظ فِعْلَ القارئِ وصوتَه الذي هو مخلوقٌ، ولِذا أبانَ عن ذلكَ بقولِهِ الذي رَواه عنه ابنُه عبد الله: "كلّ مَن يَقْصِدُ إلى القرآن بلفظٍ، أو غيرِ ذلك، يُريد به مخلوق، فهو جَهميّ" وأبيَنُ منه قولُه: "مَن قالَ: لَفْظي بالقرآنِ مخلوق، يريد به القرآنَ، فهو كافرٌ" (٣٣) فاحتَرَز بقوله: "يريدُ به القرآنَ" عن تكفير مَن قال: "لفظي بالقرآن مخلوقٌ"
ويُريدُ بهِ حركتَهُ وصوتَه به، لا نفسَ الكلام الملفوظِ المقروءِ، مع أنَّ إطلاقَ هذا اللفظِ فيه إيهامُ القَوْلِ بخَلْقِ الملفوظِ الذي هو كلامُ الله، فوجَب
_________________
(١) "عقيدة السلف" فقرة (١٦).
(٢) رواه البيهقي في "الأسماء والصفات" ص: ٢٦٦ و"الاعتقاد" ص: ١١٠ عن عبد الله، وإسناده صحيح.
[ ٢٣٤ ]
الكَفُّ عنه كلّيةً لأجلِ ذلك.
وقد غَلِطَ أقوامٌ على الإِمام أحمد في هذه المسألة، فقالوا عليه ما لَم يقُلْ، وافتَرَوْا عليه القولَ بخَلْقِ القرآنِ العربيّ المنظومِ من الحروفِ العربية الذي نزلَ به جبريلُ على نبيّنا -ﷺ-، وقد خصَّصْتُ مبحثًا في هذا الفصل لتبرئتهِ ممَّا نُسِبَ إليهِ، وإقامَةِ الحُجَجِ القَواطِع من النقولِ الصحيحةِ عنه على بطلانِ هذه النسبة إليهِ.
وقَدْ وافقَ الإِمامَ أحمدَ غيرُه من أئمَّةِ السُّنَّة في زمانه وبعدَه، في إنكار بدعةِ اللفظيةِ النافيةِ، فمنهم:
١ - إسحاق بن إبراهيم بن راهُوَيْه الإِمام العَلَم.
قال أبو داود السِّجِسْتانيّ: سمعتُ إسحاق بن إبراهيم سُئلَ عن اللفظية؟ فبدَّعَهم (٣٤).
٢ - أبو جعفر أحمد بن صالح المِصْريّ الحافظ.
قال أبو داود: سمعتُ أحمد بن صالح ذكَرَ اللفظيَّةَ فقالَ: "هؤلاء أصحابُ بِدْعَةٍ، ويدخُلُ عليهم أكثرُ من البدعةِ" (٣٥).
٣ - أبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزُّهْريّ الفَقيه القاضي.
أتاه قومٌ فسألوهُ: إنَّ قِبَلنا ببغدادَ رجُلًا يقولُ: لفْظُهُ بالقرآن مخلوقٌ؟
فقال: "يا أهلَ العراقِ، ما يأتينا منكم هَناه، ما يَنْبَغي أن نتلقى
_________________
(١) "المسائل" لأبي داود ص: ٢٧١.
(٢) "المسائل" لأبي داود ص: ٢٧١.
[ ٢٣٥ ]
وجوهَكُم إلاَّ بالسُّيوفِ، هذا كلامٌ نَبَطِىٌّ خَبيثٌ" (٣٦).
٤، ٥ - أبو زُرْعَةَ عُبيد الله بن عبد الكريم، وأبو حاتِم محمد بن إدريس الرازيان إماما الجَرْح والتعديل:
قالا: "مَن قال: لفظي بالقرآن مخلوقٌ فهو جَهْمي، أو القرآن بلفظي مخلوقٌ، فهو جَهْمي" (٣٧).
٦ - حرب بن إسماعيلَ الكَرْمانيّ (فقيهٌ ثَبْتٌ، من خِيارِ تلاميذ أحمدَ).
قال: "إنَّ الحَقَّ والصَّوابَ الواضحَ المستقيمَ الذي أدرَكْنا عليه أهل العلْم أنَّ مَنْ زعَمَ أنَّ ألفاظَنا بالقرآنِ وتلاوَتنا، مخلوقةً، فهو جَهْميٌّ مُبْتدعٌ خَبيثٌ" (٣٨).
وساقَ الإِمامُ أبو القاسِم هِبَةُ الله بن الحَسَنِ اللَّالكائيّ أكثَرَ من خمسينَ نَفْسًا متقاربي الطبقةِ، فيهم جَمْعٌ من الأئمَّة المُقتدى بهم (٣٩) أنهم
_________________
(١) رواه ابن أبي حاتم -كما في "السنَّة" لابن الطبري ٢/ ٣٥٧ - بسند جيد عنه.
(٢) رواه ابن الطبري في "السنَّة" ١/ ١٧٩ بسند صحيح عنهما.
(٣) ذكره ابن أبي حاتم عنه -كما في "السنة" لابن الطبري ٢/ ٣٥٣.
(٤) قال شيخ الإِسلام: "وهذا محفوظٌ عن الإِمام أحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي مصعب الزهري، وأبي ثور، وأبي الوليد الجارودي، ومحمد بن بشّار، ويعقوب بن إبراهيم الدَّوْرقي، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر العدَني، ومحمد بن يحيى الذُّهْلي، ومحمد بن أسلمَ الطوسيّ، وعددٍ كثيرٍ لا يُحصيهم إلاَّ الله من أئمة الإِسلام وهُداته" (مجموع الفتاوى: ١٢/ ٤٢١). =
[ ٢٣٦ ]
قالوا: من قالَ لفظي بالقرآن مخلوقٌ فهو بمنزلةِ من قالَ: القرآنُ مخلوقٌ، وقالوا: هذه مقالَتُنا، ودينُنا الذي نَدِينُ الله به (٤٠).
ثمَّ ساق نصوصَ بعض الأئمَّةِ، ثمَّ قالَ:
"فرجَعَ كلامُ لهؤلاءِ الأئمَّةِ ﵃ في أنَّ القرآنَ مَسموعٌ من الله على الحقيقةِ، وحينَ يقرأهُ القارىءُ فلا يكونُ من لفظِ القارىءِ القرآنُ ككَلام الآدَميينَ حينَ يَلْفِظُ بهِ فيكون مخلوقًا، وكلامُ الله لا يَشْبَهُ كلامَهم لأنه غيرُ مخلوقٍ، فكذلك يُخالفُهُ في القِراءةِ" (٤١).
قلتُ: وقد رُوي إنكارُ اعتقادِ اللفظية عن إمام السُّنَّةِ محمد بن إدريس الشافعيّ، لكنْ بإسنادٍ فيه نَظَرٌ، ولا أحسَبُ ذلك كان إلاَّ في طبقةِ تلامذتهِ، كالإِمام أحمد وأقرانِهِ من الأئمَّة، فأنكروهُ وشدَّدوا فيه.
ولِذا قال الإِمام محمَّد بن جَرير الطبريُّ: "وأمَّا القولُ في ألفاظِ العباد بالقرآنِ، فلا أثرَ نَعْلَمُهُ عن صَحابِيّ مَضى، ولا عَن تابعيّ قَفا، إلاَّ عَمَّن في قولِه الشِّفا والغَناءُ، وفي اتّباعِهِ الرُّشْدُ والهُدى، ومَنْ يقومُ لَدَيْنا مقامَ الأئمَّة الأولى، أبي عبد الله أحمد بن محمَّد بن حَنبل".
_________________
(١) = وذكر ذلك الإِمام قِوام السُّنْة إسماعيل بن الفضل عن جَمْع كبير من الأئمة ابتداءً بأحمد بن حنبل وانتهاءً بأبي عبد الله بن مَنْدَه، وقال عقب ذلك: "فمذهبهم ومذهب أهل السنَّة جميعًا أنَّ القرآن كلام الله آيةً آيةً، وكلمةً كلمةً، وحرفًا حرفًا، في جميع أحواله، حيث قُرِىء، وكُتِبَ، وسُمِعَ" (الحجة: ق ٩٢/ ب - ٩٣/ أ.
(٢) كتاب "شرح أصول اعتقاد أهل السنَّة" ٢/ ٣٤٩ - ٣٥١.
(٣) "السنَّة" ٢/ ٣٥٣ - ٣٥٤.
[ ٢٣٧ ]
ثمُّ ساقَ قولَه الذي ذكرتُهُ آنفًا برقم (٧) وقولًا آخر بمَعناه، ثمَّ قال:
"ولا قوْلَ عندَنا في ذلك يجوزُ أن نقولَه غيرُ قولِه، إذْ لَمْ يكن لنا إمامٌ نأتمُّ به سِواه، وفيه الكفايةُ والمَقْنَعُ، وهو الإِمامُ المتَّبَعُ" (٤٢).
قلتُ: وقد سُقْتُ من نُصوصِهِ ما فيه الكفايَةُ والهِدَايَةُ لِذَوي البَصائر.
قال الحافظُ أبو بكرٍ الآجُرّيُّ: "احذَروا رحمكم الله تعالى هؤلاء الذين يقولون: لفظي بالقرآن مخلوقٌ، هذا عندَ أحمدَ بن حنبل ومَنْ كانَ على طريقته منكَرٌ عظيمٌ، وقائلُ هذا مبتدِعُ، يُجْتَنَبُ، ولا يُكَلَّمُ، ولا يُجالَسُ، ويُحَذَّرُ منه الناسُ" (٤٣).
وقالَ شيخ الإِسلام: "أنْكَرَ بدْعَةَ اللفظيةِ الذينَ يقولونَ: إنَّ تلاوةَ القرآنِ وقراءَتَه واللفظَ به مَخلوقٌ، أئمّةُ زمانِهم، جَعَلوهُم من الجهميةِ، وبيّنوا أنَّ قولَهم يقتضي القولَ بخَلْقِ القرآنِ، وفي كثير من كلامِهم تكفيرُهُمْ" (٤٤).
• • • • •
_________________
(١) رواه ابن الطبري ١/ ١٨٥، ٢/ ٣٥٥ بسند صحيح عنه، وهو في "صريح السنَّة" له رقم (٣٠ - ٣٣).
(٢) "الشريعة" ص: ٨٩.
(٣) "مجموع الفتاوى" ١٢/ ٤٢١.
[ ٢٣٨ ]