بَعْدَ هذا العَرْضِ لاعْتقادِ الأشعريَّةِ في كلام الله تعالى، وَمُقارنتهِ باعتقادِ السَّلَف، واعتقادِ الجَهمية المعتزلةِ، يتبيَّنُ لكَ مُجانَبتُهم في ذلك لاعتقادِ السَّلَف والأئمَّة ومُبايَنَتُهم فيه، ومُوافَقَةُ المُعتزلةِ الجَهميةِ في حقيقة الأمْرِ، وأنَّ الخلافَ بينهم وبين المعتزلةِ يشبهُ أن يكونَ خِلافًا لفظيًّا، بل هو فيما أرى كذلكَ، وقد صَرَّحَ بهذه الحَقيقةِ مُحقِّقُهم إمامُ الحَرَمينِ، فقال: "وقولُهم: إنَّه كلامُ الله تعالى، إذا رُدَّ إلى التَّحصيل آل الكلامُ إلى اللُّغاتِ والتَّسْمياتِ، فإنَّ معنى قولهم: هذه العباراتُ كَلامُ الله: أنَّها خَلْقُه، ونحنُ لا نُنْكِرُ أنَّها خَلْقُ الله، ولكنْ نمتنعُ من تسميةِ خالق الكلام مُتكلِّمًا به، فقد أطْبَقْنا على المَعنى، وتَنازَعْنا بعد الاتفاق في تسميتهِ" (١٢).
قلتُ: وبيانُ هذه المُوافقة لاعتقادِ المعتزلة من وَجْهين:
الأوَّل: المُعتزلة لا يُجوّزونَ قيامَ الصِّفاتِ والأفعالِ بذاتهِ تعالى، فوافَقَهم الأشعريةُ في نَفْي قيام الأفْعال بذاتهِ تعالى، فَنَفَوْا لهذا أنْ يقومَ به تعالى ما يتعلَّقُ بمشيئتهِ واختيارهِ، فنتَجَ قولُهم: الكلامُ معنى واحدٌ أزليُّ
_________________
(١) "الإِرشاد" ص: ١١٦ - ١١٧.
[ ٤٢٥ ]
-وقد أبَنْتُ لكَ عن بُطْلانِ هذا المَذْهب- وقالوا: كلُّ ما تعلَّقَ بالمشيئةِ والقدرةِ فهو مخلوقٌ، فوافق الأشعريةُ المعتزلةَ في شَطْرِ قولِهم، فنفَوْا قيامَ الأفعالِ، وقالوا: هي مخلوقةٌ، وأثْبَتوا قيامَ الصِّفاتِ على تَفصيلٍ ليسَ هذا مَحَلُّه.
والثاني: إنَّ ما تألَّفَ من الحُروفِ والألْفاظ فهو مخلوقٌ عندَ الأشعرية والمعتزلةِ، لكنَّ الأشعريةَ يقولونَ: هو عبارةٌ عن الكَلامِ القَديم، والمعتزلةَ يقولونَ: بل هو كلامُ الله على الحَقيقةِ، إذْ لَمْ يُقرّوا للأشعريَّةِ بقولِهم الذي شرَحْناهُ عنهم في إثباتِ الكَلام النَّفْسي لفَسادهِ.
فرَجَعَ قولُهم إلى الاتّفاقِ على كوْنِ القُرآن العَربيّ مَخلوقًا، وفي قَوْلِ المعتزلةِ من المُوافَقَةِ اللَّفظية للسَّلَف في هذه القضيَّةِ أكثرُ من قَوْلِ الأشعريَّةِ، ذلكَ لأنَّهم سمَّوْهُ كلامَ الله حقيقةً، أمَّا الأشعريَّةُ فتحقيقُ قَوْلِهم أنْ ليسَ لله في الأرضِ كَلامٌ على الحَقيقةِ، ويُطْلِقونَ على القرآنِ كلامَ الله مَجازًا على أرْجَح أقْوالِهم.
قالَ شيخ الإِسلام: "وهذا شرٌّ من قَوْلِ المُعْتزلةِ، وهذا حقيقةُ قَوْلِ الجَهْميَّة" (١٣).
وقد تقرَّرَ أنَّ كلامَ الله تعالى، مَعاني وألفاظٌ يتكلَّمُ بها ربُّنا متى شاءَ، وكما شاءَ، والقرآن العربيُّ كَلامُه، والتَّوراة العِبْريَّةُ كلامه، وكلُّ ذلك على الحَقيقةِ لا على المَجاز، وهو غيرُ مَخلوقٍ كيفَ تصرَّفَ، ولا يَعْرِفُ المُسلمونَ منذُ عَهْد النُّبُوَّةِ قرآنًا غيرَ هذا العربيّ، ولا يَعْرِفونَ ما بَيْنَ الدَّفَّتين
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" ١٢/ ١٢١.
[ ٤٢٦ ]
إلاَّ كلام الله على الحَقيقةِ، فنازَعَتْهم المعتزلةُ الجهميةُ في هذا القرآن لا في غيرهِ، فقالَتْ: مخلوقٌ، وقال أهلُ السُّنَّة: كلامُ الله غيرُ مخلوقٍ، ولم يَخْطُرْ ببالِ أحَدٍ قبْلَ ابن كُلاّب -أصْلِ الأشعريَّةِ- أنَّ كلامِ الله هو الكلامُ النَّفْسيُّ وهو غيرُ مَخْلوقٍ، فالأئمةُ ابْتُلوا وحصَلَ البلاءُ للأمَّةِ جميعًا بسبَب هذا القرآنِ العربيّ لا الكلام النَّفسي الذي لم يَدْرِه الناسُ ولم يَعْرِفوهُ، ولقد كانَ أهْوَن عليهم أنْ يقول للناس بقَوْل الجَهْمية في هذا القرآنِ ويُوافِقوهم فيه، لأنَّ عوامَّ المُسْلمينَ لا يعلَمونَ الخِلافَ الواقعَ إلاَّ في هذا القرآن، إذ لا يَعْلَمون قرآنًا سِواهُ، ولهذا أيْسَرُ عليهم في المحنةِ من القَتْلِ والتَّعْذيبِ، إذ لا مَحْظورَ فيه عندَ الأشعريَّةِ إلاَّ سدّ بابِ الذريعة، كما قالَه غيرُ واحد من أئمَّتهم.
يقولُ الباجوريُّ الأشعريُّ: "ومعَ كَوْن اللَّفظ الذي نقرؤهُ حادثًا لا يَجوز أنْ يقال: القرآنُ حادثٌ إلاَّ في مَقام التَّعليم، لأنَّه يُطْلَقُ على الصِّفَةِ القائمةِ بذاتهِ أيضًا، لكن مَجازًا على الأرْجَح، فربَّما يُتَوهَّمُ من إطلاقِ أنَّ القرآنَ حادثٌ أنَّ الصِّفةَ القائمةَ بذاته تعالى حادثةٌ، ولذلك ضُرِبَ الإِمامُ أحمدُ بن حنبل وحُبِسَ على أن يقولَ بخَلْقِ القرآن، فلم يَرْضَ" (١٤).
وقالَ أيضًا: "لكن لا يجوزُ أن يُقالَ: القرآنُ حادثٌ، أو كلامُ الله حادثٌ، لأنَّه وإن كانَ المرادُ به هذه الألفاظ، لكن يوهِمُ الصِّفَةَ القديمةَ، ولذلكَ لا يجوزُ أنْ يقالَ: القرآنُ مخلوقٌ، أو كلامُ الله مخلوقٌ، وقد امتُحنَ كثيرٌ من العُلماء على القَوْل بخَلْقِ القرآن" (١٥).
_________________
(١) "شرح الجوهرة" ص: ٧٢.
(٢) " حاشية الباجوري على كفاية العوام" ص: ١٠٢.
[ ٤٢٧ ]
قلتُ: وهذه مقالَةٌ جائرةٌ، تضمَّنَت الكَذِبَ على الأئمَّةِ، والإِمام أحمدَ بالخُصوص، فإنَّه ﵀ لم يأتِ عنهُ مجرَّد إطلاقِ: القرآنُ غيرُ مَخلوق، وإنَّما نصَّ على إبطالِ كلام أسْلافِ الأشعريَّةِ الذين ظَهَروا في أواخر حياتهِ كالكَرابيسيّ وابن كُلاّبٍ، وهم الَلَّفْظيَّةُ النافيةُ الذين شرحتُ اعتقادَهم في الباب الثاني، بَل نصَّ على أنَّهم جَهْمية، ونصوصُهُ أبْيَنُ مِنْ أنْ تُفسَّرَ وتُفصَّل في ذلك، بل هو وسائرُ إخوانهِ من الأئمَّة أبْعَدُ الناسِ عن اعتقادِ اللفظيَّةِ الذينَ يَعْتَقدونَ أنَّ الألفاظَ القرآنيةَ مخلوقةٌ.
ولو كانَ الأمْرُ كما زَعَمْتُم أنَّ قولَ الأئمَّة: القرآنُ غيرُ مَخْلوق، سدًّا للذَّرِيعة، لئلاّ يُفهَم أنَّ الكلامَ النَّفسيَّ مَخلوقٌ، لكان هذا جَهْلًا منهم وعدَمَ فَهْم لأدنى مقاصدِ الشَّريعةِ -وحاشاهم من ذلك- لأنَّ الأمرَ على قولِكم يكونُ عندَ التَّحْقيق فَتْحًا لباب الذَّريعةِ لا سَدًّا له، لأنَّ اللَّبْسَ والتَّمْويهَ على الأمَّةِ بمقالةِ الأئمَّةِ: القرآنُ غيرُ مَخْلوق، أشدُّ وأعظمُ، وذلك لأنَّ الأمَّةَ أجْمَع تَتْبعُهم على هذه المقالةِ، والأمَّةُ لا تَعْرِفُ قَوْلَهم متوجّهاَّ إلاَّ إلى هذا القرآنِ الَّذي بين الدَّفتين، فيُضيفونَ الكلامَ المخلوقَ -عندَكم- لله، ويجعلونَه صفةٌ له، ويُكفِّرون مَن خالَفهم في ذلك تبَعًا لأئمَّتِهم، فهذا البابُ إذًا أحْوَجُ إلى السَّدِّ من باب الكَلام النَّفسي لِعِظَم البَلوى به، ولكنَّكم حُرِمْتُم التوفيق فلَمْ تَعُوا ما تَقولونَ، وهذا بعضُ ما تَسْتحقّونَه جزاءَ إعْراضِكم عن الوَحْي المَعْصوم، وإقبالِكم على الكَلام المَذموم.
وإضافةً لهذا فإنَّنا -معشر أهل السُّنَّة- نُمْهِلُكم أعمارَكم جَميعًا- وقد أمْهَلْناكم قُرونًا- على أنَّ تَأتوا بنَقْلٍ صَحيحٍ أو ضعيفٍ عن أحَدٍ من الأئمَّة زمَنَ المعتزلةِ وقَبْلَه إلى عَهْدِ النبُوة، يُصَرِّحُ لكم أنَّ كلامَ الله معنى واحدٌ
[ ٤٢٨ ]
مجرَّدٌ عن الألفاظ، والألفاظ ليسَتْ كلامَ الله على الحقيقةِ، إن كُنتم صادقينَ.
هذا ما نَقْطَعُ بعَجْزِكم عنه، بل إنَّكُم لا تُحبُّونَ الكلامَ فيه خَشْيَةَ الافتضاحِ وبُدُوْ العَوْراتِ، فهذا صاحبكُم الباجوريُّ يقول بمَنْع ذكرِ عقيدتكم لأحدٍ إلاَّ على وجْهِ الشَّرْح والتَّفصيل، ولو قيلَ: على وجهِ التَّلْبيس والتَّضليل لكان ألْيقَ، وإلاَّ فأيّ توحيدٍ هذا الذي يقومُ على الكِتْمان والتَّستُّرِ؟
فأيُّ معنى إذًا خالَفْتُم فيه المعتزلةَ وتتظاهرونَ بالرَّدِّ عليْهم فيه؟
ليسَ لكُم إلاَّ أنَّ المعتزلةَ لا يُثْبتونَ صفةَ الكَلام لله إلاَّ المَخْلوقِ، ولم يَفْصِلوا بين المَخلوقِ والكَلام النَّفَسي القَديم.
وهذا تلبيسٌ قد انكشفَ بفضْلِ الله ومَنَّهِ، والمعتزلةُ خيْرٌ منكم حينَ أبْطَلوا هذا الكلامَ النَّفْسيَّ الذي ابتَدَعْتُموه، على ما هُمْ فيه من البِدْعَة والشَّرِّ، وأنتُمْ حَسِبْتم أنَّكُم وافَقْتُم السَّلَفَ والأئمَّةَ في إثباتِ صفة الكَلامِ، والسَّلَفُ لا يَعرفونَ كلامَ الله تعالى على تفسيركم، بل لا يَعرفونَ كلامَ الله إلاَّ الذي ادَّعَت المعتزلةُ الجَهميَّةُ أنَّه مخلوقٌ، وقوْلُ الجَهمية هذا هو قولُكم.
فالسَّلَف وأهلُ السُّنَّة بَراءٌ من اعتقادِكم.
وبهذا فإنِّي أحْسَبُكَ قَدْ فَهِمْتَ وجْهَ التَّوافُق بين قولَي المعتزلةِ والأشعريَّهِ، وأنَّه في الحقيقةِ قوْلٌ واحدٌ، لكن المعتزلةَ أتَوْا به صَريحًا لا لَبْسَ فيه، وهؤلاء قالوا به بطريقةٍ مُلْتويةٍ مُشَكِّكَة.
[ ٤٢٩ ]
ولقد ذكرِتُ في الباب الثاني في مسألةِ اللَّفْظ أنَّ القَوْلَ بخَلْقِ الألفاظ المُنْزَلةِ قولٌ تستَّرت به الجَهْميَّة لِيَلْبِسوا على الناس دينَهم.
قال شيخ الإِسلام: "جمهورُ الناس يقولونَ: إنَّ أصحابَ هذا القول عند التَّحقيق لم يُثْبِتوا له كلامًا حقيقةً غَيْرَ المخلوقِ" (١٦).
• • • • •
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" ١٢/ ١٢١.
[ ٤٣٠ ]