تكليمُ الله تعالى لعبادِه في الآخرةِ يَقَعُ منه إليهم من غير وسائطَ بينَه وبينَهم، والمقصودُ به غيرُ المقصود بالتكليم في الدُّنيا، فإنَّ التكليمَ في الدُّنيا، إنَّما كانَ المرادُ بهِ تقويمَ السُّلوكِ إلى الدَّارِ الآخرةِ، وأمَّا وقوعهُ في الآخرةِ، فعلى أوجهٍ ثلاثةٍ:
• الوجه الأول: للحساب والقضاء بين العباد في المحشر:
وتستوي الخلائقُ في هذا التكليم إلاَّ أقوامًا شاءَ الله أن يَحْرِمَهم ذلك، تَنكيلًا وزيادةً في العذابِ.
ومن الدليل على ما ذكرنا:
١ - قولُه تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥].
٢ - وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٧].
٣ - وحديث أبي هريرة قال: سمعتُ رسول الله -ﷺ- يقول:
[ ١٠٩ ]
"يَقبِضُ الله الأرضَ، ويَطْوي السَّماواتِ بيمينه، ثمَّ يقول: أنا المَلِكُ؛ أَينَ مُلوكُ الأرضِ؟ " وفي لفظ: "يَقبِضُّ الله الأرضَ يوم القيامة " (٢٥).
٤ - وحديث عَدِىّ بنِ حاتِم ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله -ﷺ-:
"ما مِنْكمْ من أحَدٍ إلا سيكلِّمُهُ الله، ليسَ بينَه وبينَه تُرْجُمانٌ، فينظُرُ أيْمَنَ منه فلا يَرى إلاَّ ما قدَّم، وينظُرُ بينَ يدَيْهِ فَلَا يَرى إلاَّ النَّارَ تِلقاءَ وَجْهِهِ، فاتَّقوا النَّارَ ولو بشِقِّ تَمْرةٍ".
وفي لَفْظٍ:"ما مِنْكُمْ من أحْدٍ إلاَّ سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ، ليسَ بينَه وبينَه تُرْجُمانٌ ولا حِجَابٌ يَحْجُبُه" (٢٦).
٥ - وحديث عبد الله بن أنَيْس ﵁ قال: سَمِعْتُ النَّبيَّ -ﷺ- يقولُ:
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد ٢/ ٣٧٤ والبخاري ٨/ ٥٥١ و١١/ ٣٧٢ و١٣/ ٣٦٧ ومسلم رقم (٢٧٨٧) والنسائي في "الكبرى" -كما في "تحفة الأشراف" ١٠/ ٦٢ - وابن ماجه رقم (١٩٢) والدارمي رقم (٢٨٠٢) من حديث أبي هريرة به. ونحوه في "الصحيحين" وغيرهما من حديث ابن عمر.
(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد ٤/ ٢٥٦ والبخاري ١١/ ٤٠٠ و١٣/ ٤٢٣، ٤٧٤، ومسلم ٢/ ٧٠٣ - ٧٠٤ والترمذي رقم (٢٤١٥) وابن ماجة رقم (١٨٥) و(١٨٤٣) من طرق عن الأعمش عن خيثمة بن عبد الرحمن عن عَدِيّ بن حاتِم به، وربَّما أدخَل الأعمشُ بينه وبين خيثمةَ في بعض أسانيده عَمْرو بن مُرَّة، وهو محفوظٌ من الوجهين. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح" قلت: واللفظ الثاني للبخاري.
[ ١١٠ ]
"يَحْشُرُ الله العِبادَ -أو النَّاسَ- عُراةً غُرْلًا بُهْمًا".
قلنا: [ما] بُهْمًا؟ قال:
"ليسَ مَعَهم شيءٌ، فيناديهم بصَوْتٍ يَسْمَعُه مَنْ بَعُدَ -أحسَبهُ قال: كَمَا يَسْمَعُه مَنْ قَرُبَ-: أنا المَلِكُ، [أنا الدَّيَّانُ]، لا يَنبغي لأحَدٍ مِنْ أهلِ الجَنَّةِ يَدْخُلُ الجَنَّةَ وأحَدٌ مِنْ أهْلِ النَّارِ يَطْلُبُهُ بمظلمةٍ، ولا يَنبغي لأحَدٍ منْ أهل النارِ يدخُلُ النَّارَ وأحَدٌ مِنْ أهَلِ الجَنَّةِ يطلُبُه بمَظلمةٍ".
قلتُ: وكيفَ؟ وإنَّما نأتي الله عُراةً بُهْمًا؟ قالَ:
"بالحسناتِ والسيئاتِ" (٢٧).
٦ - وحديث صَفْوانَ بن مُحْرِز قال: قالَ رجُلٌ لابن عُمَر: كيفَ سمعتَ رسولَ الله -ﷺ- يقولُ في النَّجْوى؟ قال: سمعتُهُ يقولُ:
"يُدْنى المُؤمِنُ يومَ القيامة من ربِّه ﷿، حتَّى يضَعَ عليهِ كنَفَه (٢٨)، فيقرِّرُهُ بذُنوبهِ، فيقولُ: هَلْ تعرِف؟ فيقولُ: أيْ رَبّ أعرِفُ، قال: فإنِّي قد سَتَرْتُها عليكَ في الدنيا، وإنِّي أغفِرُها لكَ اليومَ: فيُعْطى صَحيفةَ حَسَناتِهِ، وأمَّا الكفّارُ والمنافقونَ فَيُنادَى بهم على رُؤوس الخلائقِ: هؤلاءِ
_________________
(١) حديث حسن. أخرجه أحمد ٣/ ٤٩٥ والبخاري في "الأدب" رقم (٩٧٠) وآخرون من حديث جبر عن عبد الله بن أنَيس. وقد فصَّلت القولَ فيه في تحقيق جزء "الحديث الذي رحَل فيه جابر بن عبد الله مسيرة شهر" لابن ناصر الدين.
(٢) أي: سِتره.
[ ١١١ ]
الذين كذَبُوا على الله" (٢٩).
وأمَّا الأدلَّةُ على حِرْمانِ أقوامٍ من تكليمِ الله لهم، فمنها:
١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: ١٧٤ - ١٧٥].
٢ - وقوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧].
٣ - حديثُ أبي هُرَيْرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله -ﷺ-:
"ثلاَثَةٌ لا يكلِّمُهمُ الله [يَوْمَ القيامَةِ]، ولا يَنْظُرُ إليهم، ولا يُزَكّيهم، ولهم عَذابٌ أليمٌ: رَجُلٌ على ماءٍ بالفَلاةِ يمنَعُه مِن ابنِ السَّبيلِ، ورجُلٌ بايَعَ الإِمامَ لا يُبايعُهُ إلاَّ لِدُنيا، فإنْ أعطاهُ منها وَفَى لَهُ، وإنْ لمِ يُعْطِهِ لم يَفِ لَه، ورجُلٌ بايَعَ رَجُلًا سِلعةً بعدَ الْعَصْرِ، فَحَلَفَ لَه بالله لأخَذَها بكذا وكذا، فَصَدَّقهُ وهو على ذلك" (٣٠).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد ٢/ ٧٤، ١٠٥ والبخاري ٥/ ٩٦ و٨/ ٣٥٣ و١٠/ ٤٨٦ و١٣/ ٤٧٥ ومسلم رقم (٢٧٦٨) والنسائي في "الكبرى" -كما في "تحفة الأشراف" ٥/ ٤٣٧ - لابن ماجة رقم (١٨٣) من طرق عن قتادة عن صفوان به.
(٢) حديث صحيح. =
[ ١١٢ ]
وفي لفظ:
"ثلاثَةٌ لا يكلِّمهمُ الله يومَ القيامةِ ولا ينظُرُ إليهم: رَجُلٌ حَلَفَ على سِلْعةٍ: لقد أعطى بها أكثَرَ مِمَّا أعطي، وهو كاذبٌ، ورَجُلٌ حَلَفَ عَلى يَمينٍ كاذبةٍ بعدَ العَصْرِ ليقتطعَ بها مالَ رَجُلٍ مسلمٍ، ورَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مائِهِ، فيقولُ الله [يومَ القيامةِ]: اليومَ أمنَعُكَ فَضْلي كما مَنَعْتَ فَضْلَ ما لَمْ تَعْمَلْ يَداكَ" (٣١).
٤ - حديثُ أبي ذرٍّ الغِفاريّ ﵁ عن النبِيِّ -ﷺ- قال:
"ثَلَاثَةٌ لا يُكلِّمُهمُ الله يومَ القِيامَةِ، ولا يَنْظُرُ إليهم، ولا يُزكِّيهم، ولَهُم عَذابٌ أليمٌ".
قال: فَقرَأها رَسُولُ الله -ﷺ- ثلاثَ مِرارٍ.
قالَ أبو ذَرّ: خابُوا وخَسِروا، مَنْ هُمْ يا رَسُولَ الله؟ قال:
"المُسْبِلُ [إزارَه]، والمَنَّانُ [عَطاءَهُ]، والمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بالحَلِفِ الكاذِبِ" (٣٢).
_________________
(١) = أخرجه أحمد ٢/ ٢٥٣، ٤٨٠ والبخاري ٥/ ٣٤، ٤٣، ٢٨٤ و١٣/ ٢٠١، ٤٢٣ ومسلم رقم (١٠٨) وأبو داود رقم (٣٤٧٤، ٣٤٧٥) والترمذي رقم (١٥٩٥) والنسائي ٧/ ٢٤٦ - ٢٤٧ وابن ماجة رقم (٢٢٠٧، ٢٨٧٠) من طريق أبي صالح السَّمَّان عن أبي هريرة به. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
(٢) هذا اللفظ للبخاري في رواية.
(٣) حديث صحيح. أخرجه أحمد ٥/ ١٤٨، ١٥٨، ١٦٢، ١٦٨، ١٧٧ - ١٧٨ ومسلم رقم =
[ ١١٣ ]
٥ - وحَديثُ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: قالَ رسول الله -ﷺ-:
"ثَلاثةٌ لا يُكلِّمهم الله يومَ القيامةِ، ولا يُزكّيهم، ولاينظُرُ إليهم، ولهم عذابٌ أليمٌ: شيخٌ زانٍ، ومَلِكٌ كذَّابٌ، وعائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ" (٣٣).
وقَدْ نقَلَ الخَلاَّلُ في "كتاب السُّنَّة" من طريق حنبلِ بن إسحاقَ قالَ: قلتُ لأبي عبدِ الله -يعني أحمدَ بن حنبلٍ-: الله ﷿ يُكلِّمُ عبدَه يومَ القِيامة؟ قالَ:
"نعم، فمَنْ يقضي بينَ الخلائق إلاَّ الله ﷿، يُكلِّمُ عبدَه ويَسْألُه، الله متكلِّمٌ، لم يَزَلِ الله يأمرُ بما يَشاءُ ويحكُمُ، وليسَ له عَدْلٌ
_________________
(١) = (١٠٦) وأبو داود رقم (٤٠٨٧، ٤٠٨٨) والترمذي رقم (١٢١١) والنسائي ٥/ ٨١ و٨/ ٢٠٨ وابن ماجة رقم (٢٢٠٨) والدَّارمي رقم (٢٦٠٨) من طريق خَرَشَةَ بن الحُرّ عن أبي ذرّ به. وقال الترمذي: "حديث حن صحيح".
(٢) حديثٌ صحيح. أخرجه مسلم رقم (١٠٧) والنسائي في "الكبرى" -كما في "تحفة الأشراف" ١٠/ ٨٤ - من طريق الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة به. وهو عند أحمد في "المسند" ٢/ ٤٨٠ لكن قال: "عن أبي صالح" بدل: "أبي حازم" وهو في غالب ظني تحريفٌ، وإن صَحَّ أنَّه "أبو صالح" فهو إسناد صحيح، والأعمش إمام حافظ لا يبعد أن يحفظَ الحديث من الوجهين. وأخرجه النسائي ٥/ ٨٦ من طريق محمد بن عَجْلان عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا بنحوه. قلت: وإسناده جيدٌ، وهي متابعة قويَّةٌ لأبي حازم.
[ ١١٤ ]
ولا مِثْلٌ، كيفَ شاءَ، وأنَّى شاءَ" (٣٤).
قلتُ: وفيما سُقْتُهُ من الأدلَّة نَصٌّ قاطعٌ على صحّةِ هذه العقيدة، وفي حِرْمانِ الله تعالى أقوامًا من تكليمهِ زيادةً في العَذاب دليلٌ على إثباته لسِواهم، وإلاَّ فلا فائدةَ بتخصيص هذه الأصنافِ دونَ سائر مَن يُحاسَبُ بِعَدَمِ التَّكليمِ.
• والثاني: تكليمه تعالى لأهل الجنة نعمة منه وفضلا:
ومن الدَّليلِ عليهِ:
حديثُ أبي سعيدٍ الخُدْري ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله -ﷺ-:
"إنَّ الله ﵎ يقولُ لأهلِ الجَنَّةِ: يا أهْلَ الجَنَّةِ، فيقولونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيكَ، فيقولُ: هل رَضِيتم؟ فيقولون: وما لَنا لا نَرضى وقدْ أعْطَيْتَنا ما لم تُعْطِ أحَدًا من خَلْقِكَ؟ فيقولُ: ألاَ أعْطِيكم أفْضَلَ من ذلكَ؟ قالوا: يارَبّ، وأيُّ شيءٍ أفضَلُ من ذلكَ؟ فيقولُ: أحِلُّ عليكُم رِضْواني، فلا أسْخَطُ عليكم بعدَه أبدًا" (٣٥).
_________________
(١) نقله شيخ الإِسلام في "درء التعارض" ٢/ ٣٧ - ٣٨. وقد رواه غلام الخلال في "كتاب السنة" ق ١٥٥/ ب.
(٢) حديث صحيح. أخرجه أحمد ٣/ ٨٨ والبخاري ١١/ ٤١٥ و١٣/ ٤٨٧ ومسلم رقم (٢٨٢٩) والترمذي رقم (٢٥٥٥) والنسائي -كما في "تحفة الأشراف" ٣/ ٤٠٥ عن "الكبرى"- من طريق مالك بن أنس عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري به. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
[ ١١٥ ]
قلتُ: قال البخاريُّ ﵀: "بابُ كلام الرَّبِّ معَ أهْلِ الجنة" وساقَ هذا الحديث.
• الثالث: تكليمه تعالى لأهل النار توبيخا وتقريعا:
ومِن الدَّليلِ عليه:
١ - قولهُ تعالى: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٨ - ١١١].
٢ - حديثُ أنَس بن مالكٍ ﵁ عن النَّبِيِّ -ﷺ- قالَ:
"يَقولُ الله ﵎ لأهْوَنِ أهْلِ النَّارِ عَذابًا: لَوْ كانتْ لكَ الدُّنيا وما فيها أكنتَ مُفتديًا بها؟ فيقولُ: نَعَمْ، فيقولُ: قَدْ أرَدْتُ منكَ أهونَ مِنْ هذا وأنتَ في صُلْبِ آدَمَ: أن لا تُشْرِكَ -أحسَبُه قالَ: ولا أدْخِلَكَ النَّارَ- فأبَيْتَ إلاَّ الشِّركَ" (٣٦).
قلتُ: وهذه الأوجهُ الثَّلاثةُ من التكليم لم يَقع شَيْءٌ منها بعدُ، وإنَّما دلَّتِ النصوصُ الَّتي سُقنا على الإِخبار عن وقوعِها، وإِنَّما تَقع بعدَ نهايةِ الدُّنيا يومَ تقومُ الساعةُ، وبَعْدَئِذٍ، خلافًا للمبتدعة القائلينَ: إنَّ الله قَدْ تكلَّمَ
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد ٣/ ١٢٩ والبخاري ٦/ ٣٦٣ و١١/ ٤١٦ مسلم رقم (٢٨٠٥) من حديث شعبة عن أبي عِمران الجَوْني عن أنس به. وأبو عمران اسمه: عبد الملك بن حَبيب.
[ ١١٦ ]
بذلكَ منذُ الأزّلِ، ولهذا الأصلُ سيأتي توضيحُه في المبحث الثامن من هذا الفصل.
فرعٌ:
وقدْ صَحَّ الخبَرُ عن المَعصوم -ﷺ- أنَّ الله تعالى كلَّمَ الشَّهيدَ عبدَ الله ابن عَمْرو بن حَرام، أحدَ شهداءِ أحُد، كلَّمَهُ كِفاحًا من غيرِ حِجابٍ.
فعن جابر بن عبد الله ﵁ قال:
لَمَّا قُتِلَ عبدُ الله بن عَمْرو بن حَرام يومَ أحُدٍ، لَقِيَني رسولُ الله -ﷺ-، فقال: "يا جابر، ألاَ أخْبِرُك ما قالَ الله لأبيكَ؟ ".
وفي لفظ: "يا جابِر، مالي أراكَ مُنكَسِرًا؟ ".
قالَ: قلت: يا رسولَ الله، استُشْهِدَ أبِي، وتَرَكَ عِيالًا ودَيْنًا، قالَ: "أفَلا أبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ الله بِهِ أبَاكَ؟ ".
قالَ: بلى يا رسولَ الله، قالَ:
"ما كَلَّمَ الله أحَدًا قطُّ إلاَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ، وكلَّمَ أبَاكَ كِفاحًا، فقال: يا عَبْدي، تَمَنَّ عَلَيَّ أعْطِكَ، قال: يا رَبِّ، تُحييني فَأقتَلَ فيكَ ثانيةً، فقالَ الرَّبُّ سُبحانَه: إنَّه سَبَقَ مِنِّي أنَّهم إليها لا يَرْجِعون، قالَ: يا رَبُّ فَأبْلغْ من ورائي".
قَال: فَأنْزَلَ الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] (٣٧).
_________________
(١) حديث صحيح. =
[ ١١٧ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) = أخرجه الترمذي رقم (٣٠١٠) وابن ماجة رقم (١٩٠) و(٢٨٠٠) وابن أبي عاصم رقم (٦٠٢) وعثمان الدارمي في "الردّ على الجهمية" رقم (١١٥، ٢٨٩) وابن خُزيمة في "التوحيد" ص: ٣٧٩ - ٣٨٠ والحاكم ٣/ ٢٠٣ - ٢٠٤ والبيهقي في "دلائل النبوة" ٣/ ٢٩٨ - ٢٩٩ والواحدي في "أسباب النزول" ص: ١٢٤ والبَغوي في "تفسيره"١/ ٤٤٦ - هامش "الخازن" - وإسماعيلُ بن الفَضْل الأصبهاني في "الحجة" ق ٦٤/ أوق ١١٥/ أمن طرق عن موسى بن إبراهيم بن كثير الأنصاري قال: سمعتُ طلحة بن خِراش قال: سمعت جابر بن عبد الله به. وفي رواية: لَقِيَني جابرُ بن عبد الله فأخبرني قال الترمذي: "حديث حسن غريب من هذا الوجه ولا نعرفه إلاَّ من حديث موسى بن إبراهيم، ورواه علي بن عبد الله بن المديني وغيرُ واحدٍ من كبار أهل الحديث هكذا عن موسى بن إبراهيم". وقال الحاكم: "حديث صحيح الإِسناد". قلت: التحقيق أنَّ إسنادَه جيّدٌ، فإنَّ رجالَه جميعًا ثقاتٌ، وهو متَّصل. وقد رأيتُ بعضَ المعاصرين يغْمِزُ موسى بن إبراهيم بأنَّ فيه ضَعْفًا من جهةِ حفظهِ، فتأمَّلت قولَ هذا القائل فرأيتُ عمدَته قول ابن حِبَّان: "كانَ ممَّن يُخطىء" (ثقات ٧/ ٤٤٩) وهذا لا يَطرح روايته أو يُعلّها حتى يثبت خطؤه، ألا ترى أنَّ ابن حبان نفسَه أوردَه في "ثقاته"؟ وزيادة على هذا، فقدْ رَوى هذا الحديث عنه إمام علل الحديث والجَرحِ والتَّعديل عليُّ بن المديني، ولقد كان يَدع حديث الراوي لأدنى مغمَز، فهلاَّ اعتبرت يا هذا روايةَ هذا الإِمام رافعةً لشأنهِ. وقد ذَكَرَ ابنُ عبد البرّ حافظُ المغرب هذا الحديث في "الاستيعاب" ٦/ ٣٣٤ -
(٢) حاشية "الإصابة" - من رواية دُحَيْم حدثنا موسى بن إبراهيم ثم قال: "موسى بن إبراهيم هذا هو موسى بن إبراهيم بن كثير بن بشير بن الفاكه الأنصاري المدني، وطلحة بن خِراش أنصاريٌّ أيضًا من ولَدِ خِراش بن الصمّة، وكلاهما مدنيٌّ =
[ ١١٨ ]
قلت: وهذا تَكليمٌ على الحَقيقةِ، بلا واسطةٍ، ومُواجَهَةٌ بلا حِجابٍ، ولهذا خُصوصيَّة لعبد الله ﵁ فَضْلًا منه تعالى ومنَّةً لِما نالَه في سَبيل الله، وإنَّما وقَعَ في الحَياة بعدَ الموتِ.
• • • • •
_________________
(١) = ثقةٌ". قلت: وقد رُوي هذا الحديث من غير هذا الوجه عن جابر، وله شاهدٌ أيضًا من حديث عائشة، ولكن جميع ذلك بأسانيد غير نَظيفة، سِوى ما رواه أحمد ٣/ ٣٦١ من طريق محمد بن علي بن ربيعة السُّلَمي عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر معناه مختصرًا. وهذا إسناد صالح، محمد بن علي هذا ثقةٌ، وابن عقيل صالح الحديث.
[ ١١٩ ]