ومن اعتقادِ السَّلَف في كلامِ الله تعالى أنَّ كلامَه جَلَّ وعَزَّ مؤلَّفٌ من الحُروفِ، إنْ شاءَ جَعَلَها عَربيَّةً، وإن شاءَ جعَلَها عِبْرانِيَّةً، وإن شاء جَعَلها غيرَ ذلك، فهو المتكلّمُ بحرُوفِ القرآنِ، والتَّوراةِ، والإِنجيلِ، وغيرِها من كلامِهِ.
قالَ تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤].
وقال تعالى: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران:١ - ٤].
فأخْبَرَ تعالى أنه أنْزَل الكُتُبَ: القرآنَ، والتَّوراةَ والإِنجيلَ، وإنَّما ذلك بلُغاتِ الرُّسل الذين أنْزَل عَلَيهم، وبلُغات أقوامِهم، لأجْلِ أن تقومَ الحُجَّةُ عليهم به، إذ لوكانَ بغيرِ لُغتهم ما فَقِهُوهُ.
قال تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا
[ ١٥٧ ]
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [يوسف: ١ - ٢]
وقالَ تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ١ - ٤]
وقالَ تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣].
وقالَ جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٩]
وقالَ تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الزمر: ٢٧ - ٢٨].
وقالَ سُبحانه: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت: ١ - ٤].
وقالَ تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ﴾ [فصلت: ٤٤].
فأخبرَ تعالى أنَّ القرآنَ الذي نزلَ به جِبريلُ ﵇ منهُ ﵎ وحيُهُ وتنزيلُهُ، وهو هذا القرآنُ العربيُّ الذي أنْزلَ على محمَّد -ﷺ-
[ ١٥٨ ]
بلغةِ قومِهِ، ليفقَهوهُ ويَعْقِلُوهُ ويعْلَمُوهُ.
وقولُه: ﴿لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ أي: بلغةِ العربِ.
فالله تعالى تكلَّمَ به كذلك، بحروفهِ العربيَّةِ، كالألفِ والباءِ والتَّاءِ، ليسَ شَيْءٌ من ذلك قولَ أحَدٍ سِواهُ، وإنّما بلَّغَهُ جبريلُ ﵇ عنه، وبلَّغَهُ محمَّدٌ -ﷺ- عن جِبريل، وهو الذي أعجزَ الكفَّارَ أنْ يأتوا بمثلِه، بَلْ تحدَّى الله تعالى الإِنسَ والجنَّ أنْ يأتوا بمثلِهِ، كما قالَ تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإِسراء: ٨٨].
فكونُهُ مؤلّفًا من الحُروفِ ظاهرٌ لا يَحْتاجُ إلى استدلالٍ، إذْ أنَّ كُلَّ أحَدٍ يعلَم أنَّ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ آيةٌ، وهي أربَعُ كَلِمَاتٍ، كلُّ كلمةٍ مؤلَّفةٌ من حَرْفيْنِ أو أكثر، وهي كَلِماتٌ عَرَبيَّةٌ، وحروفٌ عربيَّةٌ.
ولكنَّ بعضَ أهْلِ البدَعِ نازعَ في إطلاقِ لفظِ (الحَرْف) وأنَّه يَحتاجُ إطلاقُهُ إلى دليلٍ.
وهذا المُنازع لا يَخْلو من أحَدِ حالَيْنِ:
إمّا أنْ يكونَ مُكابِرًا -كما هي سِمَة أهلِ البِدَعِ-.
وإمَّا أنْ يكونَ غَبيًّا جاهلًا.
وذلك أنَّ كُلَّ أحَدٍ يُبصرُ (آلمَ. آلمر. كهيعص. حم. طه. يس) لا يخطرُ ببالهِ غيرُ أنَّها حُروفٌ، وليسَ لها تسميةٌ إلاَّ هذهِ.
ونحن معَ ذلك نزيدُهُ حُجَجًا على صِحَّةِ إطلاقِ لهذه التَّسْميةِ من السُّنَّة وآثارِ السَّلَفِ، لنكْسِرَ أنفَ كِبْرِهِ، أو نَمْحُو جَهْلَ فِكْرِهِ، فمِنْ ذلك:
[ ١٥٩ ]
١ - حديث ابن عباس ﵄ قال:
بينَما جِبريلُ قاعِدٌ عندَ النَّبيِّ -ﷺ- سَمِعَ نقيضًا مِنْ فَوْقهِ، فرفَعَ رأسَه فقال:
"هذا بابٌ منَ السَّماءِ فُتِحَ اليومَ لم يُفْتَح قطّ إلاَّ اليوم، فَنَزَلَ منه مَلَكٌ، فقال: هذا مَلَكٌ نَزَلَ إلى الأرضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إلاَّ اليَوْم، فسَلَّمَ وقالَ: أبْشِرْ بنورَين أوتيتَهما لم يؤتَهمُا نبيٌّ قبلَكَ: فاتحةِ الكتابِ، وخَواتيمِ سُورَةِ البقرَةِ، لَنْ تَقْرَأ بحَرْفٍ منهما إلاَّ أعْطِيتَه" (٢١).
٢ - حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال:
"تعلَّموا القرآنَ، فإنَّه يُكْتَبُ بكلِّ حرفٍ منه عشرُ حسناتٍ، ويُكَفَّرُ به عَشْرُ سيّئاتٍ، أمَا إني لا أقول: ﴿الم﴾ ولكن أقولُ: ألفٌ عَشْرٌ، ولامٌ عَشْرٌ، وميمٌ عَشْرٌ" (٢٢).
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه مسلم رقم (٨٠٦) والنسائي ٢/ ١٣٨ وفي "فضائل القرآن" -من "الكبري"- رقم (٣٩، ٤٠) وابن نصر في "قيام الليل" ص: ١٤٢ - ١٤٣ وابن حِبّان في "صحيحه" رقم (٧٦٦) والحاكم ١/ ٥٥٨ - ٥٥٩ من طريق عمَّار بن رُزَيق عن عبد الله بن عيسى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به. قال الحاكم: "حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه هكذا، إنَّما أخرج مسلم هذا الحديث مختصرًا"، وأقرَّه الذهبي. قلت: بل هو بتمامه عند مسلم.
(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن أبي شيبة ١٠/ ٤٦١ من طريق قيس بن سكن عن عبد الله به موقوفًا. =
[ ١٦٠ ]
٣ - وقول ابن عبَّاس ﵁:
"ما يمنَعُ أحدَكُم إذا رَجَعَ من سُوقِهِ، أو منْ حاجَتِهِ، إلى أهْلِهِ، أنْ يَقْرأ القرآنَ فيكونَ لَه بكلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ" (٢٣).
٤ - وقالَ شُعَيْبُ بن الحَبْحاب (ثِقَةٌ منْ صِغار التَّابعينَ):
كانَ أبو العاليةِ إذا قَرَأ عنده رَجُلٌ لم يَقُلْ: ليس كما يَقرأ، وإنَّما يَقولُ: أمَّا أنا فأقرأ كَذا وكَذا، قال: فذكَرْتُ ذلك لإِبراهيمَ النَّخَعيّ، فقالَ:
أرى صاحِبَك قَدْ سَمِعَ: "أنَّ مَنْ كَفَرَ بحَرْفٍ منهُ، فقد كَفَرَ به كُلِّه" (٢٤).
* وأمَّا كلامُهُ تعالى بصَوْتٍ، فقد قامت الدَّلائلُ القَواطِعُ على إثباتِهِ، وهو كسائِر صفاتِهِ تعالي، كلما أنَّها لا تَشْبَهُ صفاتِ المَخلوقينَ، فصوتُهُ تعالى لا يشبَهُ أصواتَهم، وقياسُ الخالِق على المَخلوقٍ تَشْبيهٌ، والله تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ في ذاتِهِ، وجَميعِ صفاتِهِ.
والأدلَّةُ على إثباتِ كلامِ الله تعالى بصَوْتٍ كثيرةٌ، منها:
١ - تكليمُهُ تعالى لموسى ﵇، فإنَّه قالَ له: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا
_________________
(١) = وسنده صحيح. وروي من غير هذا الوجه عن عبد الله مرفوعًا وموقوفًا، والصواب وقفه مع أن له حكم الرفع كما لا يخفى، وشرحت ذلك في تعليقي على "مناظرة ابن قدامة في مسألة القرآن"، وفي آخر تحقيقي لكتاب "الرد على من يقول (الم) حرف".
(٢) رواه ابن المبارك في "الزهد" رقم (٨٠٧) وسنده جيد.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ١٠/ ٥١٣ - ٥١٤ وابن جرير في "التفسير" رقم (٥٦) وسنده صحيح.
[ ١٦١ ]
يُوحَى﴾ [طه: ١٣].
فَدَلَّ هذا على أنَّهُ سَمعٍ كلامَ الله تعالى، ولا يُسْمَعُ إلاَّ الصَّوْتُ، وربُّنا تعالى قَدْ خاطَبَنا باللِّسانِ العَربيّ الذي نفْهَمُهُ، وليسَ فيه سَماعٌ بحصَل من غير صَوْتٍ (٢٥).
وسبق أنْ بيّنّا أنَّ كلامَ الله لمُوسى كانَ أعلى درجاتِ التَّكليمِ، وليس هو من جنسْ الإلهاماتِ، وإنَّما هو كلامٌ مسموعٌ بالآذانِ.
وقد قالَ عبد الله بن أحمدَ بن حَنْبل: سألْتُ أبي ﵀ عن قومٍ يقولونَ: لمَّا كلَّمَ الله موسى لم يتكلَّمْ بصَوْتٍ؟ فقال أبي:
"بَلَى، إنَّ ربَّكَ -﷿- تَكَلَّمَ بصَوْتٍ، هذه الأحاديثُ نَرْويها كما جاءت" (٢٦).
واحتجَّ لذلكَ بحديث ابن مَسعودٍ الآتي.
وقالَ الِإمام أبو بكر المَرُّوذِيُّ صاحبُ الإِمام أحمدَ: سمعتُ أبا عبد الله -يعني أحمدَ- وقيل له: إنَّ عبْدَ الوهّاب قَدْ تكلَّم وقالَ: مَنْ زعَمَ أنَّ الله كلَّمَ موسى بلا صَوْتٍ فهو جَهميٌّ عدُوُّ الله وعدوُّ الإِسلام، فتبسَّمَ أبو عبد الله وقال: "ما أحسَنَ ما قال، عافاه الله" (٢٧).
وقال عبدُ الله بن أحمدَ أيضًا: قلتُ لأبي: إنَّ ههُنا مَنْ يقولُ: إنَّ الله لا يتكلَّمُ بصوْتٍ، فقال: "يا بُنيَّ، هؤلاء جَهْميَّةٌ زنادِقَةٌ، إنَّما يَدوُرونَ على
_________________
(١) انظر: "درء تعارض العقل والنقل" ٢/ ٩٣.
(٢) رواه عبد الله في "السنة" رقم (٥٣٣) عنه.
(٣) رواه الخلاّل عن المرّوزي به -كما في "درء التعارض ٢/ ٣٨ - ٣٩.
[ ١٦٢ ]
التَّعطيل" وذكرَ الآثارَ في خِلاف قَوْلهم (٢٨).
٢ - إخبارُه تعالى عن ندائِهِ لمُوسى ﵇، ولعباهِ يومَ القيامةِ.
وذلك في عدَّةِ مَواضِعَ مِن كتابِهِ، منها:
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [النازعات: ١٥، ١٦]
وقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢].
وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ١١].
وقوله جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥].
وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [القصص: ٦٢، ٧٤].
والنِّداءُ: قال الجوهَريّ: "الصَّوْتُ، وقد يُضَمّ، مثل: الدُّعاء، والرُّغاء، وناداه مُناداةً، ونِداءً، أي: صاحَ به" (٢٩).
وفي "اللسان": النِّداءُ -ممدودٌ- الدُّعاءُ بأرفَع الصَّوْت، وقد نادَيْتُه
_________________
(١) ذكر هذا النَّص شيخ الإِسلام -كما في "مجموع الفتاوى" ١٢/ ٣٦٨ - ونسبه إلى "كتاب السنة" لعبد الله، ولم أقف عليه فيه، فلعله وقع له في نسخة.
(٢) "الصحاح" مادة (ندا).
[ ١٦٣ ]
نِداءً" (٣٠).
وقال شيخ الإِسلام: "والنِّداء في لغة العَرَب: هو صوتٌ رَفيعٌ، لا يُطلَق النِّداء على ما ليسَ بصوتٍ، لا حَقيقةً ولا مَجازًا" (٣١).
قلت: ما قالَه شيخ الإِسلام مُوافق لِما حكيْتُه عن أهلِ اللغةِ من أنَّ النداءَ الصَّوتُ الرَّفيعُ.
فإذا عُلِمَ هذا ثَبَتَ أنَّ الله تعالى نادى موسى بصَوْتٍ، ويُنادِي بصَوتٍ عبادَه يومَ القيامةِ.
٣ - حديثُ عبد الله بن أنَسٍ ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله -ﷺ- يقول:
"يَحْشُرُ الله العبادَ -أو الناسَ- عُراةً غُرْلًا بُهْمًا".
قلنا: ما بُهْمًا؟ قال:
"ليسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، فَيُناديهم بصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ -أحسَبُه قالَ: كما يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ-: أنا المَلِكُ، أنا الدَّيَّانُ " الحديث (٣٢).
وهذا الحديثُ صَريحٌ في إثْباتِ كلام الرَّبِّ تعالى بصَوْتٍ، وقَد احْتجَّ به على ذلك إمامُ أهل الحديث محمَّدُ بن إسماعيل البُخاريُّ ﵀، فقال:
_________________
(١) "اللسان" مادة (ندي).
(٢) "مجموع الفتاوى" ٦/ ٥٣١
(٣) حديث حسن، وقد سبق سياقه بتمامه وتخريجه في المبحث الرابع.
[ ١٦٤ ]
"وإنَّ الله -﷿- ينادي بِصَوْتٍ، يَسْمَعُه مَنْ بَعُدَ كَما يَسْمَعه من قَرُبَ، فليسَ هذا لغير الله جَلَّ ذكرُه، وفي هذا دليلٌ أنَّ صوتَ الله لا يشبَهُ أصواتَ الخَلْقِ، لأنَّ صوتَ الله جلَّ ذكرُهُ يُسْمَع من بُعْدٍ كما يُسْمَع من قُرْبٍ " ثُمَّ أسنَدَ الحديثَ (٣٣).
٤ - حديث أبي هريرة ﵁ أنَّ نبيَّ الله -ﷺ- قال: "إذا قَضى الله الأمرَ في السَّماءِ ضَرَبَتِ المَلاَئِكَةُ بأجْنِحَتِها خُضْعانًا لقولِهِ، كأنَّه سلْسِلةٌ على صَفْوانٍ، فإذا فُزِّعَ عن قُلوِبهم قالوا: ماذا قالَ
_________________
(١) "خلق أفعال العباد" ص: ١٤٩. ولقد أبى بعضُ أهل البدع الاحتجاجَ بهذا الحديث على إثبات الصوت لله تعالى، وأوَّلَه بأنَّه من مَجاز الحذف، والتقدير: يأمر من ينادي. - وهذا باطلٌ من أوجهٍ: الأول: أنَّ الأصلَ في الإِطلاق الحقيقة، وهذا ربَّما وافقنا فيه المبتدع في مواضع أُخرى. والثاني: أنَّ التقدير إنَّما يُصار إله في أحد حالين: - دلالة القرينة. - عدم استقامة السياق. وكلاهما منتفٍ هُنا، فلا قرينةَ تدعو إلى هذا التقدير سِوى التنزيه في دعوى المبتدع، وهو عندنا غير مُنتفٍ، وشأنها كسائر صفات الباري تعالى، نُثْبِتُها مع التنزيه. وأمَّا السياق فهو مستقيمُ لا اضطرابَ فيه، ويؤكّده الوجهُ الآتي. والثالث: أنَّه خُروجٌ عن الظاهر بغير برهان، بلْ إنَّ البرهانَ ضِدُّه، ألا تَراه قال: "أنا المَلِكُ، أنا الديّان "؟ فهل يُناسبُ أن يكون هذا كلامًا لغير الله مِن مَلَكٍ أو غيرِه؟
[ ١٦٥ ]
ربُّكُم؟ قالوا للَّذي قال: الحَقَّ، وهو العليُّ الكبيرُ" (٣٤).
وفي لفظ:
"إنَّ الله إذا قضى أمْرًا في السَّماءِ، ضَرَبتِ الملائكةُ بأجْنِحتِها جَميعًا، ولقولهِ صَوْتٌ كصَوْتِ السِّلْسِلةِ على الصَّفا الصَّفوانِ، فذلكَ قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] (٣٥).
ووجه الاستدلال بهذا اللَّفظ ظاهرٌ، وذلكَ أنَّ قولَه: "ولقوله صوتٌ كصوتِ السِّلْسِلَة" صَريحٌ في أنَّ قولَه تعالى وكلامَه يكون بصوتٍ.
وأمَّا اللفظُ الأوَّل فإنَّ الضَّميرَ في قوله: "كأنَّه سِلْسِلة" عائدٌ إلى أقرب مذكورٍ، وهو قوله: "لقولِه" فقوله: "سِلْسِلَة على صَفْوان" تضمَّنَ إثباتَ الصَّوتِ للمُخْبَرِ عنه الذي هو القولُ، فيظهرُ بهذا إثباتُ قولِهِ تعالى وكلامِهِ بصَوْتٍ.
ولكنَّ بعضَ أهل البِدَع أبَوْا ذلك من أجْلِ أنْ يُبْطلوا تَكَلُّمَ الرَّبِّ
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه البخاري ٨/ ٣٨٠، ٥٣٧ و١٣/ ٤٥٣ وفي "خلق أفعال العباد" رقم (٤٦٧) وأبو داود رقم (٣٩٨٩) والترمذي رقم (٣٢٢٣) وابن ماجة رقم (١٩٤) وابن خُزيمة في "التوحيد" ص: ١٤٧ من طريق سفيان بن عُيَيْنَة عن عمرو بن دينار عن عكرمة -مولى ابن عباس- عن أبي هريرة به. وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح".
(٢) أخرجه ابن جرير في "التفسير" ٢٢/ ٩١ حدثنا أحمد بن عَبْدة الضَّبِّيُّ قال: ثنا سفيان بإسناد اللفظ السابق، وسنده صحيح، أحمد بن عبدة ثقة مشهور.
[ ١٦٦ ]
تعالى بصَوْتٍ، فقالوا: الضَّميرُ في قوله: "كأنَّه" عائدٌ على أجنحةِ الملائكةِ، فالصَّوتُ صَوْتُ أجْنِحةِ الملائكةِ.
ولهذا ظاهرُ البُطلانِ لوَجهينِ:
الأول: أنَّ الضَّميرَ في الأصْل يعودُ إلى أقرَب مذكورٍ.
والثاني: أنَّه ضميرُ مذكَّرٍ، ولو كان عائدًا على أجنحةِ الملائكة لكانَ مؤنَّثًا.
فإن قيلَ: هذان الوجهان تصرفهُما القَرائن!
قلنا: نعَمْ، إن وُجِدتْ، لكنَّها هنا مُنْتفية، يؤكِّدُ نفْيَها اللَّفظُ الثاني
لحَديث أبي هُرَيْرَة كما تَراه.
والحديثُ مِمَّا احتجَّ به البخاريُّ ﵀ لإِثباتِ تَكَلُّم الرَّبِّ تعالى بصَوْتٍ (٣٦).
٥ - حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال:
"إنَّ الله إذا تكلَّمَ بالوَحْي، سَمِعَ أهلُ السماواتِ للسَّماءِ صَلْصَلَةً كَجَرِّ السِّلْسلةِ على الصَّفا، فيُصْعَقونَ، فلا يزالونَ كذلك حتى يأتيَهم جِبريلُ، فإذا جاءَهم جِبْريلُ فُزِّعَ عن قُلوبهم، قال: فيقولونَ: يا جبريلُ، ماذَا قالَ رَبُّكَ؟ قال: الحَقَّ" (٣٧).
_________________
(١) "خلق أفعال العباد" ص: ١٥١.
(٢) حديث صحيح. أخرجه ابن خزيمة في "التوحيد" ص: ١٤٦، ١٤٧ وابن جرير ٢٢/ ٩٠ وعبد الله بن أحمد في "السُّنَّة" رقم (٥٣٧) والبيهقي في "الأسماء والصفات" وغيرهم =
[ ١٦٧ ]
وفي لفظٍ عن عبد الله قال:
"إذا تكلَّمَ الله -﷿- بالوحْيِ سَمِعَ صوتَهُ أهلُ السَّماءِ، فَيَخِرِّونَ سُجْدًا ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ قال: سُكِّنَ عنْ قُلُوبِهم -نادى أهلُ السَّماءِ: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: الْحَقَّ ﴾ قال: كَذا وكَذا" (٣٨).
وهذا الحديث مما احتجّ به الإِمامُ أحمد لإثبات كلام الربّ تعالى بصوتٍ.
قال ابنُه عبد الله، قال أبي ﵀:
_________________
(١) = من طريق أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله به موقوفًا، وسنده صحيح. وقد روي مرفوعًا، والصَّوابُ وقفه كما شرحته في التعليق على "مناظرة ابن قدامة".
(٢) حديث صحيح. أخرجه عبد الله بن أحمد في "السُّنَّة" رقم (٥٣٦) والخَلاَّل -كما في "درء التعارض" ٢/ ٣٨ - عن الإِمام أحمد: نا عبد الرحمن بن محمد المُحاربي عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عبد الله به. قلت: وهذا إسناد جيد، المُحاربي ثقة جيدُ الحديث وباقي الإِسناد ثقاتٌ معروفونَ، ومسلم هو ابن صُبَيْح أبو الضُّحى. وقد أعلَّ بعضهم الإِسناد بعنعنة المُحاربي بدعوى أنَّه مدلّس، وهذا قولٌ غيرُ محقّق، وذلك لأنَّ المحاربيُّ إنَّما وصفَهُ بالتدليس ممَّن يعتمد قولُه: الإِمام أحمد، وهو إنَّما احتَجَّ لذلك بما يرويه عن معمر فإنَّه لم يسمَع منه، وهذا النوع وإن كان يُسمَّى إرسالًا إلاَّ أنَّ الكثيرَ من الأئمة كانوا يُطلقون عليه وصفَ التدليس، لأنَّ فيه مشابهةُ له من بعض الوجوه، فيغلط في فهمه كثيرٌ من متأخري الطلبة. ومنْ أقوى ما يُعَضَّدُ به الإِسناد، أنَّ الإِمام أحمدَ نفسَه احتجَّ به لمَذهبِ أهل الحق في إثبات صفةِ الصوت.
[ ١٦٨ ]
"حديث ابن مسعود ﵁: إذا تكلَّم الله ﷿ سُمِعَ له صَوْتٌ كَجَرّ السِّلْسِلة على الصَّفْوان".
قال أبي: "وهذا الجهميةُ تُنْكِرُهُ".
وقال أبي: هؤلاء كُفَّارٌ، يُريدونَ أن يُمَوِّهوا على النَّاسِ، مَنْ زَعَمَ أنَّ الله ﷿ لم يتكلَّمْ فهو كافرٌ، إلاَّ أنَّا نروي هذه الأحاديث كما جاءَت" (٣٩).
قلتُ: فهذه الأدلَّةُ كافيةٌ -لمَن استهدى- لإِثباتِ صفةِ تكلّم الرَّبّ تعالى بصوْتٍ، ونُمِرُّ ذلك كما جاء، فلا نكيّفُهُ، ولا نشبّهُهُ بصَوْتِ المَخلوق، ونقولُ: هو صَوْتٌ على الحقيقةِ، ونَبْرأ إلى الله تعالى من بدَعِ المبتَدعينَ، الَّذين لم يَعْرِفوا من الأدلَّةِ إلا الآراءَ المَذمومةَ، والظُّنون الفاسدة، المَحْرومينَ من نُورِ الكتاب والسُّنَّةِ وهَدْي خَيْر القُرون من السَّلَفِ والأئمَّةِ.
قال شيخُ الإِسلام: "واستفاضت الأثار عن النبيّ -ﷺ-، والصَّحابةِ، والتابعين، ومَن بعدَهم من أئمَّةِ السُّنَّة، أنَّه سبحانه يُنادي بصَوْتٍ، نادى موسى، ويُنادي عِبادَه يومَ القيامةِ بصَوْتٍ، ويتكلَّمُ بالوحي بصَوتٍ، ولم يُنْقَل عن أحدٍ من السَّلَفِ أنه قال: إنَّ الله يتكلَّمُ بلا صَوْتٍ، أو بِلا حَرْفٍ، ولا أنَّهُ أنْكَرَ أنْ يَتَكَلَّمَ الله بصَوْتٍ، أو بحَرْفٍ" (٤٠).
_________________
(١) رواه عبد الله بن أحمد فى "السُّنَّة" رقم (٥٣٤)، ونحوه روى الخلاَّلُ عن يعقوب بن بختان -أحد الثقات من أصحاب أحمد- عن أحمد -كما في "درء التعارض" ٢/ ٣٨ - .
(٢) "مجموع الفتاوى" ١٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥.
[ ١٦٩ ]
وقال: "وليسَ في الأئمَّة والسَّلَف من قالَ: إنَّ الله لا يتكلَّمُ بصَوْتٍ، بل قَدْ ثبَتَ عن غير واحدٍ من السَّلَفِ والأئمَّة أنَّ الله يتكلَّمُ بصَوْتٍ، وجاءَ ذلك في آثارٍ مشهورةٍ عن السَّلَفِ والأئمَّةِ، وكانَ السَّلَفُ والأئمةُ يذكرونَ الآثارَ التي فيها ذكرُ تَكلُّمِ الله بالصَّوْتِ ولا يُنْكِرُها منهم أحدٌ" (٤١).
وقال الحافظُ أبو نَصْرٍ السِّجْزيُّ: "وليسَ في وجود الصَّوْتِ من الله تعالى تَشبيهٌ بمَنْ يوجَد الصَّوْتُ منه من الخَلْق، كما لَم يكنْ في إثباتِ الكلامِ له تشبيهٌ بمنْ له كلامٌ من خلقِهِ" (٤٢).
تنبيهان:
الأول: الفَرْقُ بين الحُروفِ التي يتكلَّمُ الله بها، والحُروفِ التي يتكلَّمُ بها المخلوق.
تنازع الناسُ في حُروف المعجم: هَلْ هي مخلوقةٌ؟ أو غيرُ مخلوقة؟
وليس في تحقيق ذلك كبيرُ فائدةٍ، وليس فيه نصٌّ عن معصومٍ يُصار إليه، وإنَّما يَجِبُ الكَفُّ عن إطلاقِ القَوْلِ بالخَلْقِ لئلاَّ يتوهّم متوهّمٌ أنَّ الحروفَ التي تكلَّم الله بها مخلوقةٌ.
وذكرَ شيخُ الإِسلام في غير مَوْضِع أنَّ الإِمامَ أحمدَ أنكَرَ الإِطلاقَ، لأنَّهُ مَسْلَكٌ إلى البِدْعَةِ، وإلى القَوْلِ بأنَّ القرآنَ مخلوقٌ (٤٣).
وكما يُمْنَع مِن إطلاق القَوْلِ بأنَّ الحروفَ مخلوقةٌ، يُمْنَع أيضًا
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" ٦/ ٥٢٧، وانظر: ٢٤٤.
(٢) "درء تعارض العقل والنقل" ٢/ ٩٣.
(٣) انظر: "مجموع الفتاوى" ١٢/ ٤١، ٨٤ - ٨٥، ٤٤٢.
[ ١٧٠ ]
إطلاقُ القَوْل بأنَّ الحُروفَ غيرُ مخلوقةٍ، لئلا يتوهَّمَ متوهِّم أنَّ الحُروفَ التي هي مَباني كَلام الناس غيرُ مخلوقةٍ، والذي يجرُّ إلى القول بأنَّ ما يتكلَّمُ به العبادُ مِن كلام أنفُسهم هو نفسُه كلامُ الله، فيتحقَّقُ حينئذ للمَلاحِدَة كابن عربي الطائي وأمثاله صِحَّةُ قولِهم:
وكلُّ كَلامٍ في الوجودِ كلامُهُ سَواء علينا نَثْرُه ونِظامُهُ
وهذا القولُ من أفحَش الباطِل، وأكفَر الكُفْرِ، إذ مَعْناه أنَّ كلَّ ما تلفِظُ به الخَلائق من الصِّدْق والكَذِبِ، والزُّورِ، والبُهْتان، وألفاظِ الخَنا والفُجور والكُفْر، كلامُ الله.
وحينئذ لا يتميَّزُ حَقٌّ من باطلٍ، ولا صِدْقٌ من كَذبٍ ولا كفرٌ من إيمانٍ.
وإنَّما الحَقُّ والصَّوابُ أن يُقالَ:
إنَّ الحَرْفَ المجرَّد الَّذي هو جزءٌ من اللفظ، مثل: (ز) من كلمة: (زيد) لا يُقالُ فيه مخلوقٌ ولا غيرُ مخلوق، لأنَّ الحرْفَ المجرَّدَ ليس كَلامًا، وإنَّما يقَع الكلام فيما ألّفَ من الحروفِ فأفادَ مَعنًى، ككلمةِ (زيد) اسمُ عَلَمٍ مَعْروفٌ (٤٤).
_________________
(١) فإن اعترض معترض بقوله تعالى: (الم)، (الر)، (ص)، (ن)، وما يشبهها مما جاء في أوائل بعض السور، وقال: إنَّها حروف، ونطلق أنَّها غيرُ مخلوقة لأنَّها كلام الله، فالجواب: أنَّ هذه ليست حروفًا مجردة، كحروف كلمة (زيد) وغيرها من الكلام المؤلف، وإنَّما هي أسماء للحروف، ألا ترى أنَّك تقرؤها: (ألف، لام، ميم )؟ فلو كان حرفًا مجردًا لقلت: (أ. لْ. مْ) فهي على ما تُلْفَظ وتُسْمَع لا على ما تُكْتب وترسم، وقد نقل شيخ الإِسلام أنَّ الخليل بن أحمد -إمام العربية- سأل =
[ ١٧١ ]
والكلامُ المؤلَّفُ من الحُروف الذي يُفيد معنًى يُفَصَّل فيه: فإنْ كانَ كلامًا لله تعالى كانَ غيرَ مخلوقٍ، وإنْ كان كلامًا للعبد يُنْشِئُهُ من تِلقاء نفسهِ، ولا يُريدُ به قِراءةَ كلام الله فهو مَخلوقٌ، فقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا ﴾ [الأحزاب: ٣٧] غيرُ مخلوق، وقولك: (جاءَني زيدٌ فأكرمتُهُ) مخلوقٌ، لأنَّ الأوَّل كلامُ الله تعالى نظمه وحروفه، والثانيَ كلامُكَ نظمه وحروفه.
ولو قالَ قائلٌ: (محمَّدٌ رسولُ الله) أو: (ألف، لام، ميم) لم يصحّ فيه إطلاق أنَّه مخلوقٌ، أو غيرُ مخلوق، حتى يُسْتَفْصَل منه، فإنْ أرادَ بهِ قِراءةَ كلامِ اللهِ كانَ غيرَ مخلوقٍ، وإنْ كان أنشأهُ مبتدِئًا مِن نفسهِ، أو يُبَلِّغُهُ عن غيرهِ، وهو من إنشاءِ ذلكَ الغيرِ سِوى الله تعالى، كانَ مخلوقًا.
وقد سألَ الحافظُ الثِّقَةُ أحمدُ بن الحَسن الترمذيُّ الإِمامَ أحمَدَ فقال:
قلتُ لأحمدَ بن حنبل: إنَّ الناسَ قد وقَعوا في أمرِ القرآنِ، فكيف أقولُ؟
قال: "أليسَ أنت مخلوق؟ ".
قلتُ: نعَمْ.
قال: "فكلامُكَ منك مخلوقٌ؟ ".
قلت: نعم.
_________________
(١) = أصحابَه: كيف تنطقون بالزاء مِن (زيد)؟ قالوا: نقول: (زا) قال: جئتم بالاسم، وإنَّما يقال: (زه) - "مجموع الفتاوى" ١٢/ ٤٤٨ - .
[ ١٧٢ ]
قال: "أوَلَيسَ القرآنُ من كلامِ الله؟ ".
قلت: نعم.
قال: "وكلامُ الله؟ ".
قلت: نعم.
قال: "فيكون من الله شيءٌ مَخلوق؟ " (٤٥).
فتأمَّل هذا القولَ الموجَز فإنَّه من أسَدِّ الكلام وأحسَنِهِ، فرَّق الإِمامُ أحمدُ فيه بَيْنَ كلامِ الله وكلامِ المَخلوق، بأنَّ كلامَ الله هو الذي قالَه مبتدئًا، وكلامَ المخلوق هو الذي قالَه مبتدئًا، فلمَّا كان كلامُ الله ابتدأ منه كانَ غيرَ مخلوقٍ، لأنَّه ليسَ من الله شيءٌ مخلوق، ولمَّا كانَ كلامُ المخلوقِ ابتدأ منه -بمعنى أنه هو الذي أنشَأه- كانَ مخلوقًا، لأنَّ العبدَ بأفعاله جميعًا مخلوقٌ.
التنبيه الثاني: الصَّوْتُ المسموعُ من القارئ وهو يتلو كلامَ الله، هو صَوْتُ القارئ، لا صَوْت الله تعالى، كما نصَّ عليه الأئمَّةُ كأحمدَ وغيرِهِ (٤٦).
وذلكَ أنَّ صوتَ العبْدِ إنَّما هو فعلُه القائمُ به، وأفعاله جميعًا مضافة إليه مخلوقةٌ كخَلقهِ، لكنَّ المسموعَ بصَوْتهِ، الذي نطَقَ به لسانُهُ، وتحرَّكَتْ به شفَتاهُ، كلامُ الله تعالى.
_________________
(١) رواه اللالكائي في "السُّنَّة" رقم (٤٥١) بسند صحيح.
(٢) ذكر ذلك شيخ الإِسلام في "درء التعارض" ٢/ ٤٠.
[ ١٧٣ ]
والدَّليلُ على ذلكَ قولُ النَّبيِّ -ﷺ-: "زيّنوا القرآنَ بأصواتِكم" (٤٧).
فأضافَ النَّبِيُّ -ﷺ- الأصواتَ إلى القُرّاء، لأنَّها اكْتِسابُهُمْ وفعلهُمْ، وفرَّقَ بينها وبينَ القرآن الذي هو كلامُ الله ووحيُهُ وتنزيلُهُ، الذي لا يكونُ من التالي سِوى قراءتِه وأدائِه وتبليغهِ.
فالقرآنُ كلامُ الله مُضافٌ إليه تعالى لأنَّه منهُ، لا يُضافُ للتالي لأنَّه أدّاه بصَوتِهِ وحَرَكَتهِ، شأن كلّ كلامٍ سواه يُبلِّغهُ الواحدُ مِنَّا، فإنَّهُ إنَّما يُضافُ إلى مَن قالَه مُبتدئًا.
فقولُكَ: "إنَّمَا الأعمالُ بالنّياتِ، وإنَّما لكلّ امرئٍ ما نَوى" (٤٨) تُبلّغُه أنتَ بصَوْتِكَ وحَرَكَتِكَ، وليسَ لك من نظْمهِ شيْءٌ، إنَّما هو كلامُ النَّبي -ﷺ- بلفظهِ ومعناه، ولو قلتَ: هو كَلامي، لكذّبكَ مَن يسمَعُك، إذ ليسَ لك من ذلك إلاَّ التبليغُ والأداءُ.
_________________
(١) حديث صحيح. أخرجه أحمد ٤/ ٢٨٣، ٢٨٥، ٢٩٦، ٣٠٤، وأبو داود رقم (١٤٦٨) والنَّسائي ٢/ ١٧٩ وفي "فضائل القرآن" -من "الكبرى"- رقم (٧٥) وابن ماجة رقم (١٣٤٢) والبخاري في "خلق أفعال العباد" رقم (٢٥٠ - ٢٥٤، ٢٥٦) والدارمي رقم (٣٥٠٣) وابن حبان رقم (٧٣٧) والحاكم ١/ ٥٧١، ٥٧٢، ٥٧٣، ٥٧٤. ٥٧٥ وغيرهم من طريق عبد الرحمن بن عوسجة عن البراء بن عازب به مرفوعًا. وهو مروي من طرق أخرى عنه، وعن غيره من الصحابة، خرجتها في غير هذا الموضع. وشذَّ بعض رواته فقلب المتن: "زينوا أصواتكم بالقرآن" وهو خطأ.
(٢) حديث صحيح معروف، خرجه الشيخان في "صحيحيهما" من حديث عمر ﵁.
[ ١٧٤ ]
فكذلكَ كلامُ الله تعالى إذا تلاه التالي، وقرأه القارئ.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ﴾ [التوبة: ٦] فأضافَ الكلام إلى نفسِهِ، لأنَّه هو الذي ابتدأ نَظْمَهُ بحُروفِهِ ومعانيهِ، يسمَعُه المُشرك بأذُنَيْهِ بصَوْتِ القارئ، فإنَّه إنَّما يسمَع كلامَ الله مِنَ القارئ.
[ ١٧٥ ]