طريقة السَّلَف في العقائد والأحكام أحسَنُ الطُّرق، وهي الوسَط،
[ ٤٠ ]
وهي الأعلَمُ والأحكَمُ والأسلَمُ، وليسَ فيها شيءٌ من البدع. ووجهه تَوضيح هذا المعنى كثيرةٌ؛ فمن ذلك:
- أنهم عاصَروا التشريع وعايَشوه، فعلِموا مواقعَ التنزيل، وورودَ الأدلّة على الوقائع والأحوال.
- وأنَّ خِطابَ الشارع متوجّهٌ إليهم في الأصْلِ وهم المُرادونَ به قبلَ غيرهم.
- وهم أهل الفَصاحة والبَيان، والوَحْيُ جاء بلسانِهم، ورسولُ الله -ﷺ- يوضّح لهم ما يُشْكِلُ عليهم بلغتهم.
- والنُّصوص في الكتاب والسُّنَّة الدَّالَّةُ على فضْلِهم وعُلوّ قَدْرِهم قد تواتَرت، وهذه المنزلةُ لم يَنالوها إلَّا بما لهم مِنَ السَّبق في سُبل الخير.
- وقد جَعَلَ الله تعالى لهم الإِمامةَ في الدْين لمَنْ بَعْدَهم، وأثنى على مَن تَبِعهم وسلَكَ سَبيلَهم، وإنَّما نالَ التَّابعُ الفَضلَ لِفَضْلِ المَتْبوع؛ كما قالَ تَعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].
- يؤكّده خُلوُّ زمانِهم من البدَع والأهواءِ والجَدَلِ والمِراء، وإقبالُهم على العِلْم، ولا يَرتاب المسلمُ العارفُ في أنَّ التوفيقَ للمُقبل على ما فيه رضي ربّه وطاعتُه والإعراضُ عَمَّا يُفْسِدُ القلب من البدَع والأهواء مضمونٌ.
إلى غير ذلك من الوجهه الدَّالَّة على استقامةِ طريقتهم، وكونهم أسلمَ الأمَّة اعتقادًا، وأعلَمَها بالله ودينه، وأحكَمَها منهجًا.
[ ٤١ ]
وهذا يُفسِدُ قول بَعْض متنقّصي السَّلَف والجاهلينَ بأقدارِهم: "طريقةُ السَّلَف أسْلَمُ، وطريقةُ الخَلَف أعْلَمُ وأحكمُ".
ولا يَخفى ما تَضَمَّنَت هذه المَقالةُ من الباطل عندَ العارفِ بعَقيدتِهِ ودينِهِ من أهل الإِسلامِ؛ إذ هي مبنيَةٌ على تفضيل الخَلَف -والمُرادُ بهم عندَ صاحب المَقالة: الَّذين امتازوا بمَعْرِفَتهم بالجَدَل وعلْم الكلام وكانَ لهم فيه قَدَمُ السَّبْق- على أخيار هذه الأمَّةِ، على السَّلف الكِرام: أصحاب النَّبيِّ -ﷺ- والتَّابعين لهم بإحسانٍ، الَّذين لم يشتغلوا بالجَدلِ الباطلِ، ولا بالكلام المَذموم، وآمَنوا بما جاءَ عن الله على مُراد الله، وما جاءَ عن رَسول الله -ﷺ- على مُراد رسولِهِ -ﷺ-، الذين وقَفوا عن عِلم حين وقَفوا، وتكلَّموا بعِلْمٍ حين تكلَّموا، والَّذين لم يَعْرِف اللهَ تعالى أحدٌ معرِفَتَهم بعدَ رُسُلِهِ وأنبيائِهِ.
ولستُ أدري كيف يخفى فَسادُ المَقالَةِ على أحَدٍ تذوَّقَ طعمَ العِلْم، أو كانَ عنده ذرّةٌ من وَرَعٍ، وإني لستُ أرى لهذا القائلِ شَبَهًا إلاَّ بالرافضةِ؛ إلاَّ أنَّهُ لمَّا كَانَ أشعريًّا -اعتادَ على طريقةِ أصْحابهِ التقيّة في كِثير من المَسائل- زَيَّنَ مقالَتَه بوَصْفِ طريقة السَّلَف بالسَّلاَمةِ، وغفلَ المسكينُ حبث وصفَ الخَلَفَ بالعلم والحكمة أنَّه شبّه السلفَ بالصُّمِّ البُكْمِ الذين لا يَعقلون؛ لأنَّهم على تفسير هذا المُبطل كانوا عاجزين عن نيل العلم والحكمةِ التي حصَّلَها هو وأشباهُهُ، فكانوا يحمِلون القرآنَ والسُّنَنَ ولا يدرون ما فيها؛ لأنَّهم لم يقدروا على التأويل، ولم يتورَّطوا في التعطيل، وهذا المُبْطل وأشباهُهُ خاضوا البحر الذي وقفَ عنده السَّلَفُ، فعَلِمُوا من الأسرارِ والحكمةِ ما لم يَدْرِهِ السَّلَفُ؛ فبهذا كانوا الأعلمَ والأحكمَ!
[ ٤٢ ]
سبحان الله! أيُّ عِلم وأيُّ حكمةٍ يُحَصِّلُها من كانت بضاعتُهُ اللّغوَ والجَدَلَ والكلامَ الذي لا يورث إلاَّ قسوةَ القلوب بل والحيرةَ والشَّكَّ؟! فإنَّ رؤوسَ هؤلاء والأعلامَ فيهم، من ذوي الأقدام الراسخة، أمثال: إمام الحَرَمين، والشّهرستانيّ، والرّازِيّ، والآمِدِيّ، عاشها غالبَ الأعمار في الحَيْرة والشَّكِّ، معَ ما حَصَّلوا من المعرفةِ بالكلام والجَدَلِ، ومُناظَرَةِ مُخالفيهم من أهل الأهواءِ، حتى تكونَ خاتمةُ الواحدَ منهم أنَّ يسأل ربَّه الموتَ على دين العجائزِ.
فأقْبِلْ - رَحِمَك الله - على طريقة سلفِكَ الكرامِ، واعتصم بسَبيلهم.
قال الأوزاعي - ﵀ -: "عليكَ بآثار مَن سلفَ وإنْ رفَضَكَ الناسُ، وإيَّاك ورأي الرِّجالِ وإنْ زخرفوه بالقول؛ فإنَّ الأمرَ ينجلي وأنتَ منه على طريقٍ مستقيمٍ" (٢٠).
وقالَ: "فاصبر نفسَك على السُّنَّة، وقِفْ حيثُ وقَفَ القوم، وقُلْ فيما قالوا، وكُفَّ عَمَّا كَفّوا عنه، واسْلُكْ سَبيلَ سَلَفِكَ الصالح؛ فإنَّهُ يَسَعُكَ ما وَسِعَهم" (٢١).