تسميةُ المُبتدعةِ علمَ التَّوْحيد الذي هو أشْرَف العلم وأزْكاها بعِلْم الكلام من أظْلَم الظُّلْم وأبْطَل الباطل.
ذلك لأنَّ علم التَّوحيدِ مَصْدَرُه الوَحْيُ المَعْصوم، وعِلْمَ الكَلَام مصدَرُه الجدَل المَذموم فأيْنَ هذا مِنْ هذا؟
إنَّ ما أحْدَثَتْهُ المبتدعة من الجَدَل والخُصومات، مِمَّا ادَّعوا أنَّهُ أحْسن الطُّرُق لمَعْرفَةِ الله تعالى ودين الإِسلام، مِمَّا هو مَحْض العُقول التي لَمْ تُقَوَّم بمَنْهَج الرَّسول -ﷺ-، وإنَّما قوِّمت برأي جَهْم وطريقة بشْر بن غِياث، المستمدَّةِ من طريقةِ أهْل الكِتاب ومن رَأْي عُبّاد الكَواكب، الذي فَتَنوا به المُؤمنين والمُؤمنات، هو الذي سَمَّؤْه بـ "علم الكلام"، تلقَّفَه عنهم ابنُ كُلاّبٍ والأشعريُّ وأبو مَنْصُور الماتُريدي وأمثالُهم من أهْل البِدَع، فَحَلَّوْه ببعض السَّمعيات، فأخرَجو للناس على أنَّه علْمُ التَّوحيد، وصاروا يقولون: علمُ الكلام: هو علْمُ التَّوحيد، وهو أشْرَف العلوم؛ لتعلّقه بذاتِ الله وأسمائِهِ وصفاته، وهو على هذا المَعنى يُدَرَّس اليَوْم في مَدارِس المُسلمينَ ومعاهدِهم وجامعاتِهم إلاَّ من عافى الله.
ولكن ولله الحَمْدُ ألقى الله تعالى على ألْسِنَتهم بَراءَتهم من تَوْحيد
_________________
(١) = الدارمي رقم (٢١١) وابن نصر في "السنة" ص: ٢٣ وابن وضاح في "البدع" ص: ١٠ والطبراني في "الكبير" ٩/ ١٦٨ وابن مجاهد في "السبعة" ص: ٤٦ وابن الطبري في "السنة" رقم (١٠٤) والبيهقي في "المدخل" رقم (٢٠٤) وسنده صحيح.
[ ٣٨ ]
الرَّسول -ﷺ-، فتَراهم يقولونَ في واضع هذا العِلْم: واضعُه أبو الحَسن الأشْعَريّ وأبو مَنْصور الماتُريدي، وهذا إنْصافٌ من أنْفُسِهم؛ فإنَّهُمْ إنَّمَا يُوَحِّدُونَ الله بِجَدَل الأشعريّ والماتُريدي، لا باتباع الرَّسول -ﷺ- وسَلَف الأمَّة.
واعلَمْ - وفَّقكَ الله - أنَّ السَّلَفَ كانوا من أشدّ الناس نَفْرةً وتنفيرًا من الكلام وأهلهِ.
قال البَغويُّ - ﵀ -: "واتَّفقَ علماءُ السَّلفِ من أهل السُّنَّةِ على النهي عن الجدال والخُصوماتِ في الصِّفاتِ، وعلى الزَّجْر عن الخَوْض في علم الكلام وتعلّمهِ" (١٦).
وقال الشافعي - ﵀ -: "لأن يُبْتَلى العبدُ بكلِّ ما نَهى الله عنه سوى الشِّرك، خيرٌ له من الكَلام، ولقد اطَّلعتُ من أصحابِ الكلام على شَيْءٍ ما ظَننتُ أنَّ مُسْلِمًا يقولُ ذلك" (١٧).
وقال: "مَن أظهرَ العصبيّةَ والكلامَ، ودَعا إليها؛ فهو مردودُ الشَّهادة، ولأن يَلقى العبدُ ربَّه - ﷿ - بكلِّ ذَنْبٍ ما خَلا الشركَ خيرٌ له من أنْ يلقاه بشيءٍ من الأهواء" (١٨).
وقال الإِمام أحمد - ﵀ - للمعتصم أيَّامَ المحْنَة: "ولستُ صاحبَ مِراءٍ ولا كلامٍ، وإنَّما أنا صاحبُ آثارٍ وأخبارٍ" (١٩).
_________________
(١) "شرح السنة" ١/ ٢١٦.
(٢) رواه ابن أبي حتم في "آداب الشافعي" ص: ١٨٢ بسند صحيح.
(٣) رواه إسماعيل بن الفضل في "الحجة" ق ٧/ ب بسند صحيح.
(٤) رواه حبل في "المحنة" ص: ٥٤ عنه.
[ ٣٩ ]
وألفاظُ الأئمَّةِ في ذلك لا ندخل تحتَ الحصر، ولكنَّ أهلَ البدع -خاصَّة من المنتسبين إلى الأئمة الفقهاء في الفروع- يتأوّلونَ كلامَ الأئمة في ذمّ الكلام على أنَّهم يُريدونَ الكلامَ الذي يناقض الكتابَ والسُّنَّة!!
سبحان الله! وهل في علم الجَدل والكلام إلَّا ما يناقضٍ الكتابَ والسُّنَّة؟! ولو لم يكن هناك دليلٌ إلاَّ الإحداث؛ لكفى به مناقضةً للكتاب والسنة.
وأيضًا؛ فلو كان موافقًا للكتاب والسنة، وقد دلَّ عليه الدليلُ السَّمْعيُّ؛ فلَسْنا نُدْخِلُه في عِلْم الكلام.
وهذه الطريقة كانت طريقةَ السَّلَف، فإنَّهم وقَعَت مِن كثير منهم مناظرات لأهل البدع واحتجاجاتٌ عليهم، لكنْ بدَلائِل الكتاب والسُّنَّة، لم يخرجوا إلى شيْءٍ من البِدَع شأْنَ المُرادينَ بالذَّمِّ من أهل الكلام، ولم يكن السَّلَف يَعْرفونَ الكلامَ إلَّا محدَثات الأمور التي لم يَرِدْ في شيء منها نصُّ كتابٍ ولا سُنَّةٍ، خلافًا لكم أيُّها المبتدعة من أتباع الأشعري والماتُريدي، ممَّن تتظاهرون بالانتساب للأئمة؛ فإنَّ كلامَكُمْ ليس من قَبيل مناظرات السَّلَف، وإنَّما هو من قبيل جَدَل المعتزلةِ وأصحاب البدع، وكتبكُم شاهدةٌ على ذلك، وخروجُكم عن طريقة السَّلَف في غالب مسائل الاعتقاد وأصوله من أكبر الأدلَّة على وقوعِكم في الكلام المذموم، ولكنْ هذه حَيْدَةٌ أردتم التلبيسَ بها على الناس، لئلًا يُقال: إنكم خالفتم السَّلَفَ حيث نَهوا عن علم الكلامِ وذمَّوه.