يقولونَ: لله تعالى صفةُ الكَلام، وكلامُهُ حُروفٌ وأصواتٌ، وهي قديمةٌ أزليَّةٌ غيرُ مخلوقةٍ، ولَها مَعان تقومُ به، وكلامُه تعالى غيرُ متعلّقٍ بمشيئتهِ وقدرتهِ.
وطائفةٌ منهم زادَت فقالت: إنَّ الصَّوتَ القديمَ هو المَسموعُ مِن القارىء إذا قرأ القرآنَ.
قلتُ: وهؤلاء وافَقوا الأشعريةَ في عَدَم تعلُّق كلامِهِ تعالى بمشيئته وقدرتهِ، وبهذا جانَبوا اعتقادَ السَّلَف السَّديدَ القَويمَ.
ولكنهم وافقوا السَّلَف في أنَّ كلامَ الله غيرُ مخلوقٍ حروفَهُ ومعانِيَهُ، وبهذا جانَبوا اعتقاد الجَهميةِ والأشعريةِ، فقولهم جُمْلةً خيرٌ من قولِ الأشعرية -على ما فيه-.
_________________
(١) = عن حاله بأنه إمام جَدَلٍ ومَنْطِقٍ ولغوٍ كثيرٍ، لا إمام علم وسُنَّة -وإن كانَ قد تضمَّن بعضَ الحق، لكنه مَشوب بجدَل وفلسفة -فبماذا تُرى استحقَّ وصف "مصحح عقائد المسلمين" كما يصفه بهذا اللكنويُّ وغيره؟ فإلى الله المُشتكى من تلبيس الملبّسين، وتضليل المضلّلين. والإِنصاف يقتضي أنْ نقول: له مجهودٌ -كالأشعري- في الانتصار للسنة - لكن بطرق مُبْتَدَعة- والردّ على الجهمية وغيرهم -لكن بأصول مخترعة-.
[ ٣٠٠ ]
أمَّا الطائفةُ التي غَلَتْ منهم فزعَمَتْ أنَّ الصَّوْتَ القديمَ هو المسموعُ من القاريء، فهو قولٌ ظاهرُ الفَسادِ، كَما بيّنْتُه في أواخِر الباب السابق، وهو يُفْضِي بالقائلينَ به إلى القَوْل بالحُلولِ، أي: أنَّ صفةَ الخالقِ التي هي صوتُهُ بكلامهِ قد حَلَّتْ بالمَخلوقِ، وربّما أفضى في الآخِر إلى القول بقِدَم سائرِ كلامِ المخلوق وصوتهِ، وفَسادُ هذا أبْيَنُ من أنْ يُسْتدلَّ له، ومنافاتُهُ للكتابِ والسُّنَّة واعتقادِ السَّلَفِ أظهَرُ من أن يُتَكلَّفَ للجَواب عنه.