إن المطلوب علمه ينقسم إلى معدوم وموجود، وفي ذلك كلام طويل، بيننا وبينهم، ولكننا (٩) نبني معهم، على أنا قد وقفنا، ها هنا، فنقول: [الكلام معكم على وجهين: أحدهما: بما (١٠) يعترض في أثناء النظر، وترديد
_________________
(١) ب، ج، ز: فيرده.
(٢) ب، ص، ز: ويرده.
(٣) أي إخوان الصفاء، كما شرحه ابن باديس.
(٤) ب: وردت.
(٥) ب: به. ج، ز: - وردت له.
(٦) ج، ز: - لا يخلو. وصحح في هامش ز.
(٧) د: يقيدك.
(٨) ج: - و.
(٩) ج، د، ز: لكنا.
(١٠) ز: - بما.
[ ١١٦ ]
القول، وقد قدمنا منه جزءا مما جرى بيننا وبينهم على صفته، من مجازه وحقيقته.
الثاني: أن نتكلم معهم بلغة حبرهم الأول صاحب الطاء والفاء، ومن عبر عنه من سين أو راء. فنقول، (١): لا خلاف أن الوجود ينقسم إلى واحد وإلى كثير، والواحد الذي لا كثرة فيه هو ذات الباري، فإنه لا ينقسم بالفعل (٢) ولا يقبله، فهو واحد بالإمكان وبالوجود، والقوة والفعل، ولهذا لم يقبل (٣) لواحق الكثرة، من [و٤٣ ب]، الغيرية والتخالف، والتقابل، ونحوه من التساوي والتشابه، ونحوه من (٤) التساوي والتماثل، وعدم التناهي بكل وجه، ووجوب الوجود له، و(٥) لازم فيه باتفاق، التقدم لا بالزمان، ويبقى النظر بيننا وبينهم في بقية مراتب التقدم الأربعة وهو (٦) الشرف والطبع والذات، الذي ينقسم إلى قسمين: أحدهما: أن تكون به، أو لا به، نعم! وهل يقال فيه: إنه موجود بالقوة؟ فيه نظر طويل، وهذا كله لا يوصل إليه إلا بنظر طويل، وتفصيل لا يتاق (٧) عنه إلا إزالة (٨) الحال معهم إلى الإمكان، على موافقة المطلوب، لكن يبقى النظر الأعظم، في أن حقيقة موجود بلا ماهية لا يقبل الكثرة كذا، كذا، كذا، كما ساقوه يصح أم لا؟ فإنكم إذا قلتم: علمنا الله، قيل لكم: موجود بلا، ولا، ولا (٩) كما وصفتم، علم بماذا؟ ولا (١٠) بد لكم أن تعلقوه (١١) بمفهوم تطمئن به العقول ويدخل في
_________________
(١) ج: سقط ما بين قوسين. أما صاحب الطاء والفاء فهو أفلاطون وصاحب السين والراء هو أرسطو.
(٢) ب، ج، ز: بالعقل.
(٣) د: تقبل.
(٤) د: - من. قارن (المقاصد، ص ١٨٣).
(٥) د: - و.
(٦) ز: كتب على الهامش: عله: وهو الزمان والشرف إلخ. وليس صحيحا لأن المؤلف يتحدث عن بقية المراتب غير مرتبة التقدم بالزمان الذي تحدث عنه وفرغ من الكلام عليه.
(٧) ب: يتأبى. د: يبالي.
(٨) ب: إلا أن آلت. د: الآن إن آلت.
(٩) د: + ولا. ويقصد بذلك نفي الصفات أو السلوب.
(١٠) ج: تكرر: ولا.
(١١) ز: كتب على الهامش: تعقلوه.
[ ١١٧ ]
سلك العلوم، وليس لهم عن هذا جواب ينفع (١)، وإلا فهذا كلامي، وأنا حي أو ميت فاحشروه (٢) وانشروه ففي قوة كل ما أوردت عليكم معشر الموحدين أن (٣) تبطلوه (٤)، بيد أننا نحن بفضل الله الذي أتانا على لسان رسوله من العلم المثبوت ببركته (٥)، نقول: من أراد أن يعلم الله، فسبيل ذلك لائحة، وهو أن تتحقق أنه ليس مثلك، فكل ما علمت نفسك عليها، وقدرتها فليس هو عليها (٦)، فإن قلت: فهذا نفي محض، قلنا هو نفي لمثلك، وليس نفيا لصانعك وموجدك، لأنه قد ثبت بك ومعك ومنك.
وانظروا رحمكم الله إلى (٧) النبي كيف أنبأ عنه، بأن طريق معرفته أفعاله، فأما هو سبحانه، فلا يستطيعه أحد، قد قال النبي - ﷺ -: "أنت كما أثنيت على نفسك" (٨) معناه: لا أقدر على صفتك إلا بما علمتني من صفة نفسك، فإن أردت أن تنكره لم تقدر، وإن أردت أن تمثله [و٤٤ أ]، لم تستطع، فإن أردت دركه كما وصف نفسه، ودل عليه فعله، أمكنك. وهذه ثلاتة أقسام ضرورية فأنت العالم به حقا على قدرك، وهو العالم بنفسه كما ينبغي، وإذا أردت الصراط المستقيم، المبلغك إليه كما أمر، من الاستدلال بأفعاله عليه، فأقرب شيء إليك من أفعاله، أنت، فمنها فارق إليه، واعرج (٩) في درج (١٠) المعارف تقف (١١) بك عنده بين يديه فتعلم إذا سلكت هذه السبيل الميثاء (١٢)، أنه (١٣) قد جعل (١٤) الروح فيك آية عليه، فإنك إذا
_________________
(١) علق ابن باديس على هذا بقوله: بين بهذا الفصل أن طريقة الفلاسفة لا توصل إلى معرفة الله.
(٢) أي اجمعوه.
(٣) ب، ج، ز: - أن.
(٤) ب، ج، ز: يبطلوه.
(٥) ب، ج، ز: بركته.
(٦) ز: كتب على الهامش: قف ولا بد، لتعرف الوصول إلى معرفة الله.
(٧) ب، ج، ز: أن.
(٨) (الغزالي، مقصاد الفلاسفة، ص ٢٥٢).
(٩) ب، ج، ز: وأخرخ. وكتب على هامش ز في درج المعارف.
(١٠) ب، ز: دوح.
(١١) ب، ج، ز: يقف.
(١٢) ج، ز: الميتاء، د: المينا. ومعنى الميثاء: السهلة.
(١٣) د: أن الله، ج: - أنه.
(١٤) د: حقل.
[ ١١٨ ]
أردت إنكارها وجودا، لم تقدر عليه، وإن أردت له مثالا لم يمكنك، وإن أقررت بها لدلالة آثارها عليها أصحبت. وتحقيقه (١): أن الفعل لا يصدر إلا عن قادر، وهو عبارة عمن إذا شاء فعل، وإذا شاء لم يفعل (٢)، وأنه عالم بنفسه، وبكل معلوم، إذ أنت عالم بنفسك ولم توجدها (٣)، فضلا عنه، وهو عالم بغيره، كما تعلم أنت غيرك، وإن توقفت في أنه علم واحد، أو علوم، فلا تبال به، فإنها مسألة نظر، والأصح أنه واحد، وأنه مريد لما يفعله، إذ الفعل عن الفاعل يصدر طبعا أو عن إرادة، والطبع عند طا، وصحبه، وهما: الفاآن والسين، هو الفعل المنفك عن العلم بالمعقول (٤). وقد اتفقنا (٥) على أن يعلم ويفعل من غير طبع وذلك هو الإيثار (٦)، والقول في العلم قد تقدم.
وإن نظرت في غيرك من أفعاله، فهو من الصراط المستقيم، لكنه محتوش (٧) بثنيات، يخاف على السالك أن يعرج (٨) عليها (٩)، فيتيه بعدها.
ومن ذلك الغير: عقل، ونفس، وجسم، والعقل عندهم جوهر لا ينقسم، ولا يتركب (١٠)، ولا يشاهد. والنفس تقبل التأثير من العقل، وتؤثر (١١) في الجسم. والجسم يتأثر بالنفس ولا يؤثر، والعقل عندهم ينقسم (١٢) إلى بسيط ومركب، إمكانا عقليا ووجوديا (١٣)، والبسيط في الأكثر
_________________
(١) ز: كتب على الهامش: اعرف هذا التحقيق والتدقيق وهو أن خلق الروح في بدن الإنسان من أعظم الأدلة التي يتوصل بها الإنسان إلى معرفة الله وأنها على مثال يقرب الفهم ويحقق المعرفة، من عرف نفسه فقد عرف ربه.
(٢) د: - وإذا شاء لم يفعل. وكتب مصححا على الهامش.
(٣) د: ولم تر حدها.
(٤) كذا في جميع النسخ ولعله: بالمفعول وهو نفس ما ورد في المقاصد: (والطبع، المحض هو الفعل المنفك عن العلم بالمفعول، وبالفعل، ص ٢٣٥).
(٥) د: اتفقا.
(٦) كذا في جميع النسخ ولعله: التأثير.
(٧) أي اجتمعت بجوانبه طرق صغيرة ومسالك ثانوية. يقال: حتش القوم أي اجتمعوا.
(٨) ج: يفرج، د: يعوج.
(٩) د: عنها.
(١٠) ب، ج، ز: يركب.
(١١) ج، ز: يؤثر. قارن (الغزالي، مقاصد الفلاسفة، ص ٢٥٣).
(١٢) د: ينقسم عندهم.
(١٣) ب، ج، ز: وجودا.
[ ١١٩ ]
عندهم (١)، هو الذي له طبيعة واحدة، كالهواء، والماء، والمركب الذي يجمع طبيعتين [و٤٤ ب] كالطين (٢). ولا خلاف عندهم، في أن البسيط أصل المركب، كالحبر (٣) لا وجود له في العفص والزاج (٤). ومن البسيط ما لا يتركب، وهو بالعمل ببساطته (٥) ولي فيه معهم كلام.
ومن أعظم ما ينظر فيه، الأجسام السماوية، فيقولون: إنها متحركة بالإرادة، لغرض هو شوق إلى العلوي، للتشبه به، لعلاقة بينها (٦) وبين الأجسام يسمى عقلا، قالوا: أو ملكا، ويدل عليه عدم التناهي في هذه الحركة، أزلا (٧) وأبدا، فلا بد لها من الاستمداد من قوة محركة، ويستحيل أن يكون في الجسم قوة لا نهاية لها، لأن (٨) له نهاية، فلا بد من (٩) محرك مجرد عن المواد. وذلك قسمان: كتحرك المعشوق والعاشق وكما يحرك الروح البدن، والثقل الجسم إلى أسفل. فالأول ما لأجله الحركة، والثاني ما منه الحركة. والحركة الدورية تفتقر إلى فاعل مباشر، تكون (١٠) منه الحركة، وذلك لا يكون إلا نفسا متغيرا، لأن العقل المجرد الذي (١١) لا يتغير لا تصدر (١٢) منه الحركة المغيرة (١٣)، فتكون (١٤) النفس الفاعل للحركة، متناهي القوة، لكونه جسمانيا، و(١٥) لكنه يمده موجود ليس بجسم، بقوته التي لا تتناهى، ويكون (١٦) عريا (١٧) عن المادة، حتى تكون (١٨) قوته تخرج عن النهاية، ولا يكون فاعلا للحركة،
_________________
(١) ج، ز: عندهم في الأكثر.
(٢) قارن (الغزالي، مقاصد الفلاسفة، ص ٢٥٥) فإنه يكاد ينقل عنه حرفيا.
(٣) ب، ج، ز: ولا.
(٤) قارن (الغزالي، مقاصد الفلاسفة، ص٢٥٥).
(٥) ب، ج، ز: ببسائطه.
(٦) في المقاصد: لا علاقة بينه (المقاصد، ص ٢٧١).
(٧) ب، ج، ز: أولا: (المقاصد، ص ٢٧٩ يكاد ينقل بالحرف).
(٨) د: + ما.
(٩) ب، ج، ز: متحرك.
(١٠) ب: يكون.
(١١) ج: الذي.
(١٢) ب: يصدر. المقاصد: يصدر (ص ٢٨٠).
(١٣) المقاصد: المتغيرة. المتغير (ص ٢٨٠).
(١٤) ج، ز: فيكون المقاصد: + كما سيق ذلك.
(١٥) ج، ز: - و، المقاصد: ولكن (ص ٢٨٠).
(١٦) ب: تكون.
(١٧) د: بريا. المقاصد: بريئا (ص ٢٨٠).
(١٨) المقاصد: - تكون.
[ ١٢٠ ]
فتكون (١) لأجله الحركة، من حيث كونه معشوقا (٢)، لا من حيث (٣) كونه مباشرا للحركة، ولا يتصور محرك (٤) لا يتحرك بنفسه (٥) إلا بطريق العشق، فإذا (٦) نظروا في الإدراك للأشياء، فقال أكثرهم: إنه لا يكون إلا للحس، بإرادة حسية، وحركية (٧)، خلاف النبات، إذا حركته طبع، تميز (٨) به الحيوان، وهي حركة شوقية، وحركة اختيارية، فالشوقية إلى المشتهى والمكروه، والإرادية هي الحركة في الأعضاء للتصرف (٩). والمدركة نوعان: نوع يدرك [و٤٥ أ]، الصورة المتكونة (١٠) بانطباعها في الهواء، ويستمر الانطباع حتى ينتهي إلى رطوبة العين، وكذلك السمع، وسائر الحواس، لهم فيه تخليط.
وإذا مشوا في إدراك المعقولات، دخلوا في مجهلة تيه، لا علم لهم (١١) بها (١٢)، أصلها عندهم أن الحواس كلها تنقل المتلقي لها إلى سابقة (١٣) الدماغ، من قدام، وليس للقلب في ذلك أثر، وهي أن قبلتها، ففي لحظة ليس لها ثبات معها، بل تذهب عنها، لكن ربما ألقتها إلى قوة في آخر الدماغ، تسمى خيالية، ثم عندهم قوة أخرى في محل من الدماغ آخر، له تركيب يسمى (١٤) الفكرية، ولهم بعدها أخرى وهمية، يسمونها الحاكية (١٥)، وهي في الحيوانات كلها. وهذه الكلمات شاركهم فيها الأطباء، وبنوا علاجهم عليها (١٦).
_________________
(١) ب: فيكون.
(٢) المقاصد: + ومقصودا.
(٣) ب: - حيث.
(٤) ب، ج، ز: متحرك. وكتب على هامش ز عله: محرك.
(٥) ج، ز: في نفسه. المقاصد في نفسه (ص ٢٨٠).
(٦) د: وإذا.
(٧) ب: حركة. ج، ز: وفي حركية.
(٨) ج، ز: يميز.
(٩) ج، ز: المتصرفة.
(١٠) د: المتلونة. قارن (المقاصد، ص ٢٤٧ - ٣٥٣).
(١١) د: - لهم.
(١٢) د: لها.
(١٣) ب: سالفة.
(١٤) ج، ز: تسمى.
(١٥) د: الحاكمة.
(١٦) المقاصد، ص ٣٥٦ - ٣٥٧.
[ ١٢١ ]