ونعود إلى القول مع من انتدبنا إليه فنقول: وأما المتالجة منهم، فهم أعظم الطوائف فليقة (١)، وأردأهم طريقة، لا يعقد معهم على قول، ولا يستقر معهم من التحقيق على منزل، ومآل الحاصل من تخليطهم إلى قدم العالم (٢)، الذي ينبني على عدم الصانع، ويعتقدون (٣) استحالة الفناء الذي بنوه على إنكار الحشر والنشر، والثواب والعقاب، ومنهم من يذكر الصانع والحشر والثواب أسماء لا مسميات لها، كما قال الشاعر:
أجر (٤) ووزر (٥) على نار مضرمةأو في نعيم أركب أو على قدم
أسماء منقبة في غير مرتبةكالشيء يخبر عنه وهو في العدم
وإذا نظرت إلى كلامهم في ذلك كان لك (٦) معهم طريقان [و٣٤ أ]، أحدهما التعلق بما لم يطردوه على أصلهم، ولا وفوا بعهدة (٧) المعقول (٨) فيه، وهي مناقضة عائدة على أصل من أصولهم الضرورية بالبطلان، وذلك أنهم يقولون: هذه الهيئة لا نفاد لها ولا انقضاء، ولا استحالة، ولا تغير بأفلاكها وصفاتها وحركاتها وأجسامها (٩).
فيقال لهم: فإذا كانت حركة القمر في فلكه لا نهاية (١٠) لها، وحركة زحل لا نهاية لها، فلا يصح أن تنسب إحداهما إلى الأخرى، لأن ما لا يتناهى (١١) لا ينسب مما لا يتناهى، فإن نسبوا فقد خرجوا عن المعقول، ولا بد لهم من ذلك، وإن لم ينسبوا، فقد أبطلوا مذهبهم، وتدبيرهم، نسبة شيء إلى شيء منها، أو بها.
_________________
(١) ج: فليقه، والفليقة، الأمر العجيب والداهية (القاموس المحيط).
(٢) ز: كتب عل الهامش: أعرف القولة الشنيعة بقدم العالم والرد على ذلك.
(٣) د: ويعتقد.
(٤) ب: اجتر.
(٥) ب، ج، ز: وزور.
(٦) د: لكم.
(٧) ج: بعد، د: بعقدة.
(٨) ز: كتب على الهامش: المعلوق.
(٩) ب، ج، ز: وأقسامها.
(١٠) ز: كتب على الهامش: لعله، بل صوابه: لها نهاية.
(١١) ج، ز: ما يتناهى.
[ ٩٠ ]
الثاني: أن نقول (١) لهم: كل ما كان له أول جاز (٢) أن يكون له آخر، لأنه لا يصح أن يوجد لنفسه، وما أوجده غيره، جاز (٣) أن يعدمه، ولما وقف النظر إلى هذا الموضع الذي لا بد منه أنكروا العدم في (٤) الأول، و(٥) أنكروا الإعدام، وجوزوا وجود شيء لا (٦) من شيء، وأحالوا عدمه منه، أو من غيره، وكان في ذلك كلام طويل، ليس هذا موضعه. هذا القول يسكتهم عنه، ويجريهم (٧) معكم.
ومن الغرائب (٨) أن صاحب الجيم (٩) عندهم قال: لو كانت الشمس فانية لأدركها الذبول بطول البقاء (١٠)، فيقال له: هذا فاسد على مذهبك، وعلى طريق الحق. أما فساد ذلك على مذهبك، فالذبول عندك إنما يكون بنضب المادة، ولعل مادة الشمس لم تنضب، وأما على مذهبنا، فلأن العدم إنما يكون عن قطع الأعراض وذلك مبين (١١) على التحقيق في الأصول بجميع وجوهه.
وقد قال الشيخ أبو الحسن [و٣٤ ب]: معرفة الصانع ضرورة (١٢)، وتحقيقه أنه إن كان العالم صنعة فهي صادرة عن صانع قطعا، ضرورة المعنى واللفظ، وأما الفناء الذي أحالوه فهو مشاهد في بعض العالم، وهو معلوم فيما لم يشاهد بالدليل المتقدم، حسبما سطر في كتب الأصول.
_________________
(١) ب: يقال.
(٢) د: جائز، ز: علق في الهامش: قوله: جاز احتراز منه ليدخل في الحقيقة نعيم الجنة.
(٣) د: جائز
(٤) ب: وفي، د: نعم وفي الأول.
(٥) د: - و.
(٦) ب، د، ز: - لا، وصحح في هامش ز هكذا: صوابه لا من شيء.
(٧) د: يجزيهم.
(٨) ب، ج، ز: الغريب.
(٩) يقصد به جالينوس. ج: الحكم.
(١٠) ب، ج، ز: الفناء. وهذا النصف مأخوذ من: (كتاب تهافت الفلاسفة للغزالي تحقيق سليمان دنيا، ص ١٢٦)، ونصه: ما تمسك به جالينوس إذ قال: لو كانت الشمس مثلا تقبل الانعدام لظهر فيها ذبول في مدة مديدة.
(١١) د: بين. يرى الأشاعرة أن فناء الجواهر يكون بان لا يخلق الله تعالى فيها الأعراض من حركة وسكون (تهافت الفلاسفة، ص ١٣٠).
(١٢) ز: كتب على الهامش: قف معرفة الصانع ضرورية.
[ ٩١ ]
وأما إنكار الحشر فشاهده (١) في إعادة (٢) النبات في الأرض بعد الاستحصاد، وهم يقولون، هذا في عالم الكون والفساد، (قلت لهم: والإنسان من ذلك العالم، فإن قيل إنما يقولون إنما ذلك بأسباب مرتبة من الكون والفساد) (٣) قلنا عنه جوابان: أحدهما: أنه إذا ثبت وجود الإعادة للفاني كجريان (٤) العادة فيه، على وجه لا يلزم أن تكون العادة واجبة، إلا على تقدير أن يكون (٥) العقل (٦) من تلك الأسباب، وقد بينا فساده، فلم يبق إلا أنه يعيده الفاعل متى شاء، كما أخبر، وقد قالوا: إن الصفة تعود على التفصيل والجملة (٧) بعد الدورة العظمى، وذلك لاثنين وسبعين ألفا دوريا في نقطتي الحمل والجدي، فيقال لهم: فهل تعود بصفتها على الجملة والتفصيل، أو بالبعض؟ فإن قيل تعود بالكل، قلنا: فلم لا نذكر أنفسنا الآن (٨) كما كنا قبل (٩)؟ وإن (١٠) قيل تعود بالبعض لأنا قد فاتنا ذكر ذلك فينا (١١)، قلنا (١٢): فالذي فوت الذكر لتلك الصفة، يفوت منها (١٣) غيره (١٤)، ويقدمها (١٥)، ويؤخرها، ويغيرها، وبطل بهذا وجوب نسبة شيء من ذلك إلى حركات الفلك، أو إلى ما (١٦) ينسب إليه، لأن اختلال دقيقة منها، يوجب اختلال الجميع، فإن قيل (١٧): فقد رويتم أن الله لما خلق آدم استخرج منه نسم بنيه فقال لهم: ﴿ألست بربكم؟ قالوا: بلى﴾ [الأعراف: ١٧٣]، ثم أوجدهم [و٣٥ أ] فلم يذكروا، قلنا: نحن نقول: إن الباري هو خالق الخلق، وصفاتهم، من حركة وسكون، وعلم، وذهول، وما شاء أوجد، وأعاد، وما
_________________
(١) ب: فشاهد، د: فمشاهد.
(٢) ب: إشادة.
(٣) ب، ج، ز: سقط ما بين قوسين.
(٤) د: يجريان.
(٥) ز: - يكون. وصحح في الهامش.
(٦) ب، ج، ز: الفعل.
(٧) د: الجمل.
(٨) ب، ج: - الآن.
(٩) ب، ج، ز: - قبل.
(١٠) ب، ج، ز: فإن.
(١١) ز: كتب على الهامش: قف على زعمهم في قدم العالم وعدم الفناء بهاته الكيفية.
(١٢) د: - قلنا.
(١٣) ج، ز: كتب على القاموس: منه.
(١٤) كذا في الأصول الأربعة.
(١٥) ب: ويعدمها، ج، ز: - ويعدمها، وكتب على الهامش: ويعدمها.
(١٦) د: أو لما.
(١٧) ب: قالوا.
[ ٩٢ ]
لم يشأ أخبر عنه فآمنا به، وهذا لازم لكم، ساقط عنا، كما بيناه، وكذلك معرفة الثواب والعقاب، معلوم من جهة الخبر، وقد شبب (١) بعض الفلاسفة بأنه مدرك بالعقل، في تخليط تكذب به القدرية (٢).