ذهبت طائفة إلى تحقيق العلوم في مواقعها، واعترفت بتعلقها بمعلوماتها، ولكنها ذهبت إلى أن الأدلة، وإن كان تفيدها، وتقتضيها، ولكن رحمة الله ولطفه، إذا فاض على العبد جاءه به من العرفان ما يستغرق مقتضى الأدلة، من البيان، وهذا نحو مما تقدم، ولكن تعلقت به طائفة جليلة، كالحارث بن أسد المحاسبي (١) أولا، وأبي القاسم عبد الكريم بن هوازن (٢) القشيري (٣) ثانيا، وبن الرجلين [و٨ أ] طوائف (٤) لا يحصون كثرة، من مشهور ومذكور، وهذان العالمان سلكا، طريقا متوسطة (٥) بإين الغلو والتقصير، ونجمت في آثارهما (٦) أمم، انتسبت إلى الصوفية (٧)، وكان منها من غلا وطفف، وكاد الشريعة وحرف، وقالوا كما تقدم لا ينال العلم إلا بطهارة النفس، وتزكية القلب، وقطع العلائق بينه وبين البدن (٨)، وحسم مواد أسباب الدنيا، من الجاه والمال، والخلطة بالجنس، والإقبال على الله بالكلية، علما دائما، وعملا مستمرا، حتى تنكشف له الغيوب، فيرى الملائكة، ويسمع أقوالها (٩)، ويطلع
_________________
(١) أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي زاهد بصري ومات ببغداد. له مؤلفات في الزهد والأصول وأشهرها كتاب الرعاية، كرهه الإمام أحمد لنظره ق علم الكلام وخوضه فيه توفي سنة ٢٤٣ هـ/ ٨٥٧ م (ابن خلكان، ج١ ص ٣٤٨).
(٢) د: هوازان.
(٣) القثسيري متكلم أشعري، وفقيه شافعي جمع بين التصوف والأصول والفقه أخذ عن أبي بكر بن فورك وأبي) إسحاق الإسفراييني، وعن الحسين بن علي الدقاق المتصوف توفي سنة ٤٦٥ م/ ١٠٧٢ م بمدية نيسابور (ابن خلكان، - ج ٢٢ ص ٣٧٥).
(٤) د: + و.
(٥) د: متوسطا.
(٦) د: أثناء زمانهما.
(٧) د: التصوف.
(٨) د: البذر أو البزر.
(٩) ب، ج، ز: أقوالا.
[ ٢٣ ]
على أرواح الأنبياء، ويسمع كلامهم وهذا (١) ووراء هذا غلو ينتهي إلى القول بمشاهدة الله (٢)، يدخلونه في باب الكرامات إذ (٣) كان من الجوزات. قاصمة:
ولقد فاوضت فيها أبا حامد الغزالي، حلا! ن لقائي له بمدينة (٤) السلام، في جمادى الآخرة سنة تسعين وأربعمائة، وقد كان راض نفسه بالطريقة الصوفية، من سنة ست وثمان!! ن، إلى ذلك الوقت نحوا من خمسة أعوام، وتجرد لها، واصطحب مع العزلة، ونبذكل فرقة، فتفرغ لي بسبب بيناه في! تاب ترتيب الرحلة، فقرأت عليه جملة من كتبه، وسمعت كتابه الذي سماه بالإحياء (٥) لعلوم الدين، فسألته سؤال المسترشد عن عقيدته، المستكشف عن طريقته، لأقف من سر (٦) تلك الرموز، التي أومأ إليها في كتبه، على موقف تام المعرفة، وطفق يجاوبني، مجاوبة الناهج لطريق التسديد، للمريد، لعظيم مرتبته، وسمو منزلته، وما ثبت له في النفوس من تكرمته، فقال لي من لفظه، وكتبه لي بخطه: إن القلب إذا تطهر عن علاقة البدن الحسوس، وتجرد للمعقول انشكفت له الحقائق، وهذ! أمور لا تدرك إلا بالتجربة لها عند! و٨ ب، أربابها، بالكون معهم والصحبة لهم، ويرشد إليه طريق من النظر وهو أن القلب جوهر صقيل، مستعد لتجلي المعلومات فيه، عند مقابلتها عريا عن الحجب كالمرآة في ترائي المحسوسات، عند زوال الحجب، من صدا لائط، أو ستر من ثوب أو حائط، لكنه بتراكم الافات عليه (٧)، يصدأ حتى لا يتجلى (٨) فيه شيء، أو يتجلى (٩) معلوم دون معلوم، بحسب مواراة الحجاب له، من ازورار، أو كثاقة، أو شفف، فيتخيل (١٠) فيها مخيلة، غير متجلية،
[ ٢٤ ]
كأنه ينظر من وراء شف (١)، ألا ترى إلى (٢) النائم إذا أفلت (٣) قلبه من يد الحواس، وانفك من أسرها، كيف تتجلى (٤) له الحقائق، تارة بعينها، وأخرى بمثالها. قال لي: وقد تقوى النفس، ويصفو القلب حتى يؤثر في العوالم، فإن للنفس قوة تأثيرية موجدة (٥)، ولكن كما قلنا، ما يتوارد عليها من شعوب البدن، وعلائق الشهوات، يحول بينها وبين تأثيرها، حتى لا يبقى لها تأثير إلا في محلها، وهو البدن خاصة (٦)، كالرجل يمشي في الأرض، على عرض شبر، ولو علا جدارا مرتفعا، عرضه ذراع، ما استطاع أن يبسط خطاه عليه فإنه (٧) يتوهم سقوطه عنه، فإذا استشعرت ذلك النفس (٨) واستقرت عليه، انفعل (٩) البدن لها، وسقط مسرعا، وقد تقوى على أكثر من ذلك، فيكون تأثيرها في غير محلها من جنسها، كما ينظر الرائي إلى جسم حسن، فيقع في قلبه استحسانه، فإذا نطق بذلك عليه، تأثر بذلك الجسم فليط (١٠) به، أو هلك في ذاته، ومنه قوله - ﷺ -: "إن العين لتدخل الرجل القبر، والجمل القدر" (١١) وقد
_________________
(١) ز: كتب على الهاش: قلت: هذا كله من حجة الإسلام ﵁ تمثيل للأمور المعنوية، من أحوال القلب، الناشئة عن التصرفات الإلهية، فيه بالخير والشر، فكأنه مرآة تعتورها الصداءة بارتكاب المعاصي والمخالفات تارة، ويعتورها الجلاء والصقالة بالتقوى والطاعات تارة أخرى، وليس مراده بالصدأ والصقالة المحسوسين، وإنما مراده تقريب هاته المعاني للأفهام والسلام.
(٢) ج: أن.
(٣) ج، ز: قلت.
(٤) ج؛ يتجلى.
(٥) ب، ج، ز: موجودة.
(٦) ، ز: كتب على الهامش: وهذا كله منوط بتلك اللطيفة الربانية، المودعة في جرم القلب، لأجل التعقل الموهوب، بفضل الله إلى نوع الإنسان، وأن هذه التقوى المودعة في حواسه الظاهرة، والباطنة لا يعلم حقيقتها سوى الله خالقها وباريها، وليس للمرء من معرفتها سوى ما يحس به، ويدركه من آثارها والله أعلم.
(٧) ب: - فإنه.
(٨) د: + صحة.
(٩) ج: انفصل.
(١٠) أي تعلق، لاط الشيء بقلبه يلوط، ويليط، لوطا، وليطأ حبب إليه، وألصق، ولاط فلانا بسهم أو عين أصابه به (القاموس المحيط).
(١١) لم نقف له على ترجمة٠
[ ٢٥ ]
تزيد (١) قوتها بصفائها (٢) واستعدادها، فتعتقد إنزال الغيث، وإنبان النبات، ونحو ذلك من معجزات خارقات للعادات، فإذا نطقت به كان على نحوه، وهذه نفوس الأنبياء، وهي الآيات التي تأيدت بها أحوالهم.