فنرجع إلى المراجعة مع القول الأول، للقوم الأول، فنقول لهم هذا
_________________
(١) تربد: تغير، وتغيم، وتعبس، والمربد من كان ذا سواد وبياض، والمربدة لون يميل إلى الغبرة.
(٢) ج، ز: مجخبا، د: طمس، كالكوز مجخبا. ويقال الجخب للأجوف المنهوك ويقال للأحمق وللثقيل اللحيم جخابه.
(٣) د: مربات والنقل.
(٤) د: قفه على ما هار.
(٥) ج، ز: وإنما.
(٦) ج، ز: المنكر. وكتب على هامش ز: أصل ة المستنكر.
(٧) ب، ج، ز: - أن.
(٨) ب، ج، ز: صفاء.
(٩) ج، ز: الفكر.
(١٠) د: وهو.
(١١) د: فكذلك.
(١٢) ب، ج، ز: عمله. وعلق الشيخ ابن باديس عليه بقوله: لعله: علمه.
[ ١٨ ]
التشكيك والخيلان (١) ألا تردونه إلى الشهوات في البطن، والفرج، والمعاش، في قوام آلات الحياة، فتدخلون فيها التشكيك، وتردون إليها الخيال والاختبال، ولا يكون عندكم فيها فرق بين النظر والإهمال، ولا بين الحلو والمر، والمستقذر والمستحب (٢)، فإن لم ينقادوا إليه نبذناهم في يم الاعتراض (٣)، إن لم يكن بنا قدرة على القيام فيهم بالواجب والانتهاض.
فإن قيل: قد روي أن النبي - ﷺ - لما (٤) سئل عن شرح الصدر، قال: "هو نور يقذفه الله في القلوب، قيل له: وما علامته؟ قال: التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار [و٦ ب] الخلود، والاستعداد للموت" (٥)، وقد قال - ﷺ -: "إن الله خلق الخلق من ظلمة، ثم رش عليهم من نوره"، فليركب عليهما قلنا: هذان حديثان موضوعان لا أصل لهما، يا ليتك لم تصل عليه، ولم (٦) تنسب الكذب إليه (٧)، وما أنت في ذلك إلا كمن يحلف ب الله الذي لا إله إلا هو لقد كان كذا وهو كاذب، فيا ليته لم يعظمه ولم يكذب فيما يقرن تعظيمه من حديث.
أما أن الحديث الأول له معنى صحيح في الدين، فإن هجر الدنيا يدل على خلو القلب من حبها، وأما الحديث الثاني ففاسد المعنى (٨) لا أثر له في الشريعة، ولا مبنى، ونعوذ ب الله من الغرور، والغرور، إنما خلق الإنسان من طين ثم نفخ (٩) فيه من روحه، والذي يعقل هو الطين بإقران الروح، فإن قيل: فقد قال الله سبحانه (١٠): ﴿وغرتهم الحياة الدنيا﴾ [الأنعام: ٧٠] فإن كان لها حقيقة، فليس فيها غزور، قلنا: وليس عندكم قول ولا رب ولا دليل، ولا اعتراض، فما لكم تدخلون دارا لستم مقرين بأنكم فيها، ثم
_________________
(١) ج، ز: الخيالات. والخيلان يراد به هنا الظن، خيل عليه اتهمه، وفيه: تفرس الخير.
(٢) ج، ب، ز: المستخبث. وفي هامش ز: عله: والمستطاب.
(٣) د: الإعراض.
(٤) ب، د: - لما.
(٥) ب، ج، ز: - والاستعداد للموت.
(٦) ب، د، ز: ثم.
(٧) ب: عليه. وعلق الشيخ ابن باديس على ذلك بقوله: لعله: إليه.
(٨) ج: - المعنى.
(٩) د: + الله.
(١٠) د: تعالى.
[ ١٩ ]
تطمعون أن تتصرفوا في منافعها، لا تمكنون من ذلك انصرفوا صاغرين وانقلبوا (١) خاسئين (٢).
فإن قيل: أيها المرشد إن قال المسترشد هذا (٣): أخرجت من الدار من
ليس منها، فما الجواب عن هذا السؤال (٤) لمن هم من أهلها؟ قلنا له (٥): الدنيا حقيقة بذاتها، غرارة بمآلها، فإنها موجودة (٦) حقيقة، فانية حقيقة، منقضية حقيقة، فهي إذا نظرها القاصر (٧)، المغلوب بالشهوات، المنهمك في اللذات، ركن (٨) إليها غرورا، وإذا نظرها العالم بفنائها، وأنها طريق لا مأوى اتخذها لذلك مسلكا، فنال من بغيته دركا على ما بيناه آنفا.
فإن قيل: أنكرتم الحديث المنور (٩)، والشريعة مملوءة منه؟ قلنا [و٧ أ]: نحن لم ننكر إلا على تركيب ألفاظ عربية أو شرعية، على معان صابئة (١٠)، ونسبتها إلى النبي - ﷺ - وهذا هو الكذب متعمدا (١١)، ولا سيما إذا أفرغت على قالب، تبنى عليه أغراض مقصودة في نحل (١٢) معروفة، فأما تنوير القلوب فهذا أمر شرعي.
قد كان من دعاء النبي - ﷺ -، في مظان الإجابة، من آخر الليل، وعند الخلوة على ما روي في الصحيح، أنه - ﷺ - كان يقول في دعائه حينئذ:، " الله م اجعل (١٣) في قلبي نورا، وفي نفسي نورا، وفي لساني نورا، وفي سمعي نورا، وفي بصري نورا، وفي شعري نورا، وفي بشري نورا، وفي مخي نورا، وفي عظمي نورا، وفي لحمي نورا، وفي (١٤) يميني نورا، وفي (١٥) يساري نورا، وفوقي نورا، وتحتي نورا، وأمامي نورا، وخلفي نورا، وفي قبري نورا، وعند لقائك
_________________
(١) ج: - وانقلبوا.
(٢) د: خائبين.
(٣) ج: - هذا.
(٤) ب: - السؤال.
(٥) ب: - له.
(٦) ج، ز: موجود.
(٧) ب:+ السؤال.
(٨) ز: ركن.
(٩) د: أحاديث النور. وفي هامش ز: أصل: أحاديث النور.
(١٠) ج: صايبة.
(١١) ب: معتمدا، ج: تعمدا.
(١٢) ب، ج، ز: محل.
(١٣) د: - اجعل وصحح في الهامش.
(١٤) ج، د: عن.
(١٥) د: عن و.
[ ٢٠ ]
نورا، وعلى الصراط نورا، واجعلني نورا، واجعل لي نورا، وأعطني نورا، وأعظم لي نورا".
فهذه ثلاثة وعشرون منها في صحيح مسلم سبع عشرة دعوة، والباقي صحت من طرق سواه (١)، والخير كله نور، والشر كله ظلمة، حقيقة لا مجازا، وأخصه (٢) أن العلم نور، والجهل ظلمة، والسرور نور، والغم ظلمة، والحديث الذي ذكرتم (٣) رواه الترمذي (٤) عن عبد الله بن عمرو (٥) أن الله خلق الخلق في ظلمة فألقى عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل، فلذلك (٦) أقول: جف القلم عن علم الله.
وهذا الحديث حسن الإسناد، لم يبلغ درجة الصحة ولكن يشهد له
ظاهر القرآن، لقوله تعالى: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا﴾ [النحل: ٧٨]، فالمراد بالحديث أنه خلقهم في ظلمة، لا من ظلمة، المعنى خلقهم جهالا، وضرب للجهل مثلا الظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فاستنار به من هداه، وهو عبارة عن العلم الذي يخلقه الله لمن يشاء [و٧ ب] والقبول الذي يهبه (٧) لمن يريد (٨).