وقولهم: إن العقول تقصر فلا بد من معلم صحيح، وقولهم: إن المعلم يكون معصوما صحيح، ولكن هو (١١) المعلم الأول الواسطة بين الله وبين الخلق، و(١٢) يجوز أن يكون واحدا، ويجوز أن يكون ألفا، وقد بعث الله
_________________
(١) ج: ووعدني.
(٢) د: قال أبي ﵁.
(٣) ب، ج، ز: النصيرية.
(٤) نصر بن إبراهيم بن نصر المقدسي النابلسي زاهد شافعي رئيس شافعية الشام توفي سنة ٤٩٠ هـ/ ١٠٩٧ م (الذهبي، العبر، ج ٣ ص ٣٢٨).
(٥) ج: فشكر.
(٦) ب، ج، ز: - و.
(٧) ب، ج، ز: - له.
(٨) د: - و.
(٩) د: - و.
(١٠) د: الإمام. هو أبو الفتح سليم (لا سليمان) بن أيوب بن سليم. وهو شيخ نصر المقدسي كما ذكر، وفقيه ومفسر ومحدث، كان مرابطا بثغر صور بالشام توفي سنة ٤٤٧ هـ/ ١٠٥٥ م (الذهبي، العبر، ج ٣ ص ٢١٣. طبقات الشافعيه الكبرى، ج ٣ ص ١٦٨).
(١١) ب، ج، ز: هذا.
(١٢) ج، ز: - و.
[ ٥٣ ]
واحدا، واثنين وثلاثا (١)، فأما من يأخذ عن هذه الوسائط، فلا يلزم أن يكون معصوما، فما دليلكم عليه؟ ولا كلام له بعد هذا يحكى.
قال القاضي أبو بكر: وجرت (٢) مجالس سوى هذا بيانها في موضعها، منها أنه لما شاع في البلدة المذكورة ذكري، واستفاض أمري، وتفاقم عليهم خطبي، وكان بها أمير من أمراء الشيعة، له باع في الجدال، وميل (٣) مع التشيع (٤) إلى مذهب الاعتزال، ودعاء إلى البدعة والضلال، فلما سمع بذكري، ترصد الاجتماع بي (٥)، فلم يتفق (٦) إلا يوم التبريز للخروج إلى طبرية، فنزل في رحلي، علي، في كبكبته، فجزعنا لعمر الله حين [و٢٠ ب] حل بنا، لأن الأمر لهم، والدولة دولتهم، والبلاد بلادهم، فلما استوى به الدست، فاتحني (٧) بالقول، وفي القوم (٨) بشهادة الله - وإن خالفونا في العقيدة - بر في اللقاء، وحلاوة في المنطق، (٩) واحتمال كثير، فقال لي: بلغني أنك جادلت أصحابنا هاهنا، وسمعت بانفصالك، فأردت لقاءك، لأعلم ما عندك، فاطلع (١٠) قدرك، فتراجعت إلي نفسي، ووطنتها (١١) على ما عسى أن تلقى (١٢) من المكروه في ذات الله، وكان يكلمني بكلام عذب، والنكراء على وجناته بادية، فقلت له: قد كان بعض ما بلغ الأمير، وهو مشكور على اهتباله وبره، ومثله عرف لكل أحد، مبلغ قدره، ولو أرسل إلي مشيت إليه، مبادرا متشرفا (١٣)، بلقائه (١٤)، مستسعدا (١٥) برؤيته (١٦)، فقال لي (١٧): ما دليلك على أن الله تعالى عالم بعلم؟ فقوي قلبي، وحضر لبي (١٨)، واسخنفزت (١٩)،
_________________
(١) ج، ز: وثلاثة.
(٢) ب، د: وجدت.
(٣) ب، ج، ز: يميل.
(٤) ب، ز: التشييع.
(٥) ج: - بي.
(٦) ب، ج، ز: يبق.
(٧) ب، ج، ز: فاتحناه.
(٨) ج: - وفي القوم.
(٩) د: واجمال.
(١٠) ب، ج، ز: وأطلع. وعلق على هامش ز: عله: (على) يقصد: على قدرك.
(١١) ب: وظننتها.
(١٢) ب: يلقا، د: تتقي.
(١٣) ج: مشرفا.
(١٤) د: برؤيته.
(١٥) ب: مستعدا.
(١٦) د: بروائه.
(١٧) ب، ج، ز: - لي.
(١٨) ج، ز: لي.
(١٩) ب، د: واسخنفرت.
[ ٥٤ ]
فقلت (١): مثل الأمير في منصبه، وفهمه لا يرضى بهذا، فقال لي: وما هو؟ قلت: حكمت علي بأني أقول: إن الله تعالى (٢) عالم بعلم، ولم تسمع (٣) ذلك مني، ولا شهد (٤) بذلك عندك علي، ولو سمعته (٥)، فمن أدب الجدال السؤال أولا عن المذهب، ثم بعد ذلك عن الدليل على صحته، فقال لي: قد علمت بالسماع المتواتر أنك أشعري، قلت: هذان وهمان، أحدهما: أن الخبر المتواتر لا يوجب عندك شيئا، وهو مذهب الإمامية، الثاني: أنك (٦) إذا (٧) سمعت أني أشعري، كيف حكمت بأني مقلد له في جميع قوله؟ (٨) وهل أنا إلا ناظر من النظار أدين بالاختيار، وأتصرف في الأصول بمقتضى الدليل؟ فبأن سمعت أني ناظرت في مسائل على مذهب الأشعري حكمت فيما لم تسمع، بما سمعت، أي نوع هذا من النظر؟ (٩) مثلك لا يرضى به في جلالة منصبه، فصرف وجهه إلى أبي الفتح شيخ الإمامية بها وهو كان جليسي، ومناظري أيام [و٢١ أ] كوني بها، في كل وقت فسارره، فأخذت من تحريك شفتيه، أنه قال له: هذا صبي لا يطاق، فلما فهمتها، استزدت استرسالا، وأفضت في الكلام إدلالا (١٠)، فقلت: وكان من حق الأمير أن يقبل على مسائله المختصة به، ولا يسألني أولا عن مسألة ليست له، وإنما هي من مسائل المعتزلة، فأردت أن تجادلني بكلامهم، وأن تفاوضني (١١) بحجاجهم، وتركت ما يختص بك دونهم كمسألة عصمة الإمام، وكونه المرجوع إليه، والمحكوم في الدين بقوله، فهلا بدأت بها، وأظهرت علمك فيها، وفخرت على قومك بالكلام عليها (١٢)، فلما رأى الشدة في الحدة، وقد تحلقت علينا الأجناد والعسكرية، وتشوفت (١٣) القافلة، وخاف الظهور عليه، حل حبوة الجدال، ولاطف في
_________________
(١) ب، ج، ز: قلت.
(٢) ب، ج، ز: - تعالى.
(٣) ب، ج، ز: يسمع.
(٤) ب، ج، ز: شهدت.
(٥) د: - ولو سمعته. وكتب على الهامش.
(٦) ج، ز: - إنك.
(٧) ج، ز: إذ.
(٨) د: - في جميع قوله. وصحح في الهامش.
(٩) ج: - من النظر.
(١٠) ب: إذلالا.
(١١) ب، ج، ز: تقاومني.
(١٢) ج، ز: فيها.
(١٣) ج، ز: وتسوفت. ب: وستوفت.
[ ٥٥ ]
الكلام والاسترسال (١)، ودعا مقدم القافلة فقال له: أنظر من معك، واقد قدر صاحبك، ولا تصل إلي إلا بكتابه شاكرا، وإلا فلا ترجع إلى البلد، فشكرناه، ودعونا له، وقام، فخسر (٢) ركابه، وحان (٣) إيابه، وانصرف في كبكبته، وقد عصمنا الله من سطوته، وخرجت عن عكا إلى طبرية، على حوران، والبثنية (٤)، وعدلت عن بصرى إلى دمشق، لوجوه بيناها في كتاب ترتيب الرحلة، فمن هنالك (٥) أشرق (٦) الحق بنوره، واتصل المسير إلى دار السلام، فألفيت بها (٧) من رؤساء العلم، ورؤوسه، وأشياخ الملة، وأحبارها، ما يملأ الخافقين، فقلت: هذه ضالتي التي كنت أنشد (٨)، وكان فيها قاضيان عظيمان دينا في الظاهر، أبو اليمن الحنفي (٩)، وأبو سعد الهروي (١٠) فجالستهما وسمعت كلامهما، وإذا بهما (١١) على هذا المذهب وأحدهما وإن كان يلوح فأبو سعد كان يصرح، ولم يكن يظن أن عندي من مذهب القوم، وأغراضهم علما (١٢) وفشا ذلك في خراسان، من لدن موت أبي الفتح
_________________
(١) د: والاستنزال.
(٢) ب: فحسن. ج: فحبس.
(٣) ب، ج، ز: وخاب.
(٤) ب: والبنينينية. ج، ز: والتبينية. وفي القاموس المحيط: البثنة قرية بدمشق. فصوابه إذن: البثنة.
(٥) ب، ج، ز: هناك. ج، د: + عاينت.
(٦) ج، د، ز: شرق.
(٧) د: فيها.
(٨) ج، ز: اطلبها وصحح في هامش، ز: أنشد.
(٩) مسعود بن محمد بن أحمد البخاري ورد مع أبيه إلى بغداد وكانا من المعتزلة وكان لهما مجلس للمناظرة بدارهما ببغداد وتوفي أبو اليمن سنة ٤٩١ هـ/ ١٠٩٧ م (القرشي، الجواهر المضية، ج ٢ ص ١٧٠).
(١٠) محمدبن نصر بن منصور قتلته الباطنية بهمذان وقد ولي القضاء بعدة أقاليم قيل حنفي وقيل شافعي توفي في سنة ٥١٩ هـ/ ١٢٢٥ م (طبقات الشافعية الكبرى، ج ٤ ص ١٩٥) وهناك أبو سعيد الهروي آخر توفي في حدود الخمسمائة (طبقات الشافعية الكبرى، ج ٤ ص ٣١).
(١١) د: وآدابهما.
(١٢) د: - علما.
[ ٥٦ ]
الملك العادل (١) وقتل (٢) التاجية (٣) لخواجا بزرك الملقب بنظام الملك (٤)، وزير أبي الفتح، وكان تاج الملك وزير خاتون باطنيا، وتحزبت الباطنية إلى قلعة أصبهان، وثارت في الجبل (٥) حتى بلغت همدان، ودعوا إلى الجدال، فأرسل الملك إلى الغزالي، فصنف له كتابا سماه "حجة الحق في الرد على الباطنية" بالعجمية، وكلفه الخليفة أن يضع له في ذلك شيئا، فأرسل إليه (٦) كتابا سماه "فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية" في كشف أعوارهم وهتك أستارهم، وتبيين عوارهم، برع فيه، وإن كان القاضي (٧) قد سبقه إليه، ولكن أجاد هذا في الترتيب، فنوظروا بذلك (٨) ونزلوا إلا طائفة بلدهم الجبل، حتى استنزلوا بالحيل، وتفرقوا في البلاد أيادي سبا، ووقعت إلى العراق منهم طائفة، فلقطوا بها لقط الطائر حب السمسم، وعقد لهم مجلس، وقرروا فيه، فمنهم من أنكر، ومنهم من اعترف واستمر، ومنهم من تاب واستغفر، فقال الشافعية تقبل توبتهم، وقال الحنفية: لا تقبل لهم توبة، وجرى في ذلك كلام بين أبي بكر الشاشي (٩) الشافعي، وبين الشريف أبي طالب الزيني (١٠)
_________________
(١) هو أبو الفتح جلال الدولة بن السطان ألب أرسلان محمد بن داود السلجوقي التركي كان يلقب بالسلطان العابد مات بعده وزيره نظام الملك بشهر واحد سنة ٤٨٥ هـ / ١٠٩٢ م (العبر، ج ٣ ص ٣٠٩).
(٢) ج، ز: وقيل.
(٣) د: الناجية. ولعله: الباطية.
(٤) أبو علي الحسن بن علي بن إساق الطوسي كان من جلة الوزراء وكان مجلسه عامرا بالفقهاء والقراء أنشأ المدارس، ودافع عن مذهب أهل السنة قتله شاب باطني سنة ٤٨٥هـ / ١٠٩٢م (الذهبي، العبر، ج ٣ ص ٣٠٧ - ٣٠٨).
(٥) ج، ز: الخيل -
(٦) ج: له
(٧) أبو بكر الباقلاني.
(٨) ب، ج، ز: في ذلك.
(٩) محمد بن علي بن حامد الشافعي توفي بهراة سنة ٤٨٥هـ/١٠٩٢م (الذهبي، العبر، ج ٣٠٨) وهناك أبو بكر محمد بن أحمد بن الحسين الشافعي الذي تولى التدريس بالنظامية توفي سنة ٥٠٧هـ / ١١١٤م وأغلب الظن أنه الثاني (العبر، ج٤ ص١٣ - ١٤. طبقات الشافعية الكبرى، ج٤ ص٥٧ - ٦١) وذلك لأنه درس عليه، وأخذ عنه.
(١٠) د: الريبي: وهو أبو طالب نور الهدى الحسين بن محمد الزينبي شيخ الحنفية بالعراق توفي سنة٤١٢ - /١١١٨م (العبر، ج ٤ ص٢٧).
[ ٥٧ ]
ودخل (١) المنشور بصورة المجلس، إلى الخليفة أحمد المستظهر ب الله (٢) ﵀، فوقع يقتلون دون قبول توبتهم، حسبما رآه إمام دار الهجرة مالك (٣) فإنهم أخبث الطوائف (٤) مقالة، وأسخفها حجة ودلالة، أليس شاعرهم الذي يقول:
حل برقادة المسيححل بها آدم ونوح
حل بها الله ذو البرايافكل خلق سواه ريح
وهو القائل مخبرا عن صاحب مظلته [و٢٢ أ]:
أمديرها من حيث دار لطالما (٥) زاحمت (٦) تحت ركابه جبريلا
وماذا يستبقي من هؤلاء؟ فكانت أول مسألة حكم فيها بمذهب مالك بمدينة السلام، بعد أحوال وأعوام، وكانت بعدها أخرى نبينها (٧) في موضعها.
وهذا الذي احتج به الخليفة عليهم، وهو الذي أشرت به عنهم (٨) من قولهم: إن (٩) الله يحل في كل رسول وإمام، ويشافه الخلق، وعيسى من محاله، ومحمد، وعلي، عندهم، وكل علوي مثلهم، يحل الإله فيهم، إلى سخافات وراءها، و(١٠) تهتكات لا ينبغى ذكرها، ولولا أن الله سبحانه ذكر المقالة الفاسدة تحذيرا عنها، وإقامة للدلالة عليها، ما قلنا هذا أبدا ولا رضينا بذكره، وما ضل من اقتدى، ولا قصر من ناضل عن دين الله بالهدى (١١)، ولقد أخبرني من أثقه غير واحد، أن قاضي همدان، كان باطنيا، وأنه كان إذا سمع عن سني، قال لباطني: ارفعه في الدعوة، فإذا رفعه إليه، ودخل داره،
_________________
(١) ب: رحل.
(٢) أبو العباس أحمد بن المقتدي ب الله عبد الله بن الأمير محمد بن القائم العباسي توفي سنة ٥١٢ هـ / ١١١٨م كان كريم الأخلاق جيد الأب (الذهبي، العبر، ج٤ ص٢٦)
(٣) مالك; توفي سنة ١٧٩هـ / ٧٩٦م.
(٤) ج،: - الطوائف.
(٥) ب: الظل ما.
(٦) ج: احمت.
(٧) ب: نثبتها، د: بينتها.
(٨) ب، ج، ز: عنه.
(٩) ج: - أن.
(١٠) ب: - و.
(١١) د: للهدى.
[ ٥٨ ]
أمر بقتله، ورماه (١) في مغواة، فطلب ذلك الرجل فلم يوجد (٢) له خبر أبدا، وفشت الغيلة (٣) فيهم على المسلمين (٤)، حتى قام شيخنا أبو المظفر حامد (٥) بن رجاء المعراني (٦) الشافعي خطيب أصبهان (٧) على المنبر، وخطب مؤيدا للدين، ومحرشا للموحدين، ومستنجدا لهم على ما يفعل بأهل السنة من المؤمنين، وقال في خطبته: ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون، وسل سيفه على المنبر، ونزل، فقتل (٨) الباطنية، فما بقي منهم في ذلك اليوم بأصبهان إلا من خفي أمره، أو أخفى نفسه وطهرها الله منهم إلى انكفائي عن العراق.
قال القاضي أبو بكر (٩): وكان قد ظهرت لهم في القراطيس الملقاة عندهم جملة، ارتفع إلى الخليفة بعضها من مقالاتهم، قرطاس فيه: إن الحق مطلوب كل [و٢٢ ب] عاقل، وطريق تحصيله أبدا معلوم، وهو أنه رفيق الوحدة، والباطل حيث الكثرة، وهذا ينقلب عليهم فيقال لهم (١٠): الحق حيث الكثرة، والباطل حيث الوحدة، ويد الله مع الجماعة، والحق ما كثرت الشهود عليه، وبعد أن نقلبه (١١) عليهم، لا يكون لهم كلام به احتفال أبدا، لأن أوله ليس له ثبات، فآخره شر من أوله.