لما تعلقت القدرية بذيل (٦) الفلسفية في هذه المسأة، وألفيناها تحتها، نزلنا في الكلام معها، وهتكنا سترها، وفصل القول معهم في التوليد معلوم، قد طوله القاضي (٧) والشيخ أبو الحسن (٨) لكن بمناقضات لا بدلالات، فإنا أسخف من أن يدل على فساده، وإنما أراد هؤلاء العلماء أنهم لم يفوا (٩) به، وأنهم تناقضوا (١٠) فيه، فشأنكم وإياه. وأما نحن فنورد عليهم طريقة قريبة المرام، ضابطة لشغب (١١) الكلام، فنقول: قد حررناها [و٣٣ أ]، قبل هذا بنصها في غير ما املاء، حتى تكون (١٢) كالتكرار، لتوكيد (١٣) الألفاظ والمعاني،
_________________
(١) ب، ج، ز: غاص.
(٢) الندب: الظريف النجيب.
(٣) الفدم: العيى في الكلام، الثقيل في الفهم، الأحمق.
(٤) ب، ج، ز: صونه.
(٥) غير موزون، واقترح ابن باديس إسقاط (أن) ليستقيم الوزن.
(٦) ب، ج، ز: بدليل.
(٧) أي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني (+ ٤٠٣ هـ/١٠١٣ م) وقد كتب بابا في كتابه التمهيد تحت عنوان (باب الكلام في إبطال التولد. التمهيد، تحقيق الأب رتشرد يوسف مكارثي اليسوعي، المكتبة الشرقية، بيروت، ١٩٥٧ م، ص ٢٩٦ وما بعدها).
(٨) أي الأشعري.
(٩) ب، ص، ز: يوفوا.
(١٠) ب، ج، ز: يناقضوا.
(١١) يمكن أن تقراء في د: شعب.
(١٢) ب، ج، ز: يكون.
(١٣) د: لتوحيد.
[ ٨٧ ]
فذلك أضبط لها. وأول من يؤثر عنه هذا المذهب معمر (١) القدري، والجاحظ المفتري، وقد قام بحمد الله وتوفيقه الدليل على أن الله وحده خالق الأجسام، والأعراض، وتبين أن العبد مكتسب غير فاعل، فإذا ثبت استحالة الفعل من الحي العالم الذي يقبل الأمر والنهي فاستحالته من الأموات أثبت، ولأن الإحراق الكائن مع اتصال النار بالأجسام المحترقة فعل محكم، إن أضيف إليها، بطل الاستدلال بالفعل المحكم على الحياة والعلم، نعم وعلى الوجود (٢)، وانقلبت الحقائق وبطلت الأدلة، ولأن النار إن (٣) أحرقت بذاتها، وجب أن تحرق كل ما يتصل بها من حار (٤) وبارد ورطب ويابس، فإن (٥) كانت تحرق بصفة لها، وهي الحرارة، فلا يخلو أن تنتقل إلى المحترق وذلك باطل، لاستحالة بقاء العرض، فضلا عن انتقاله، أو تحرق الحرارة وهي قائمة بالنار، ففي (٦) ذلك محال شنيع، وهو (٧) تجرد الأحكام للمحال، وللمعاني (٨) القائمة، بمحال (٩) آخر (١٠)، فيبيض عمرو (١١) ببياض (١٢) زيد، ويسود بكر بسواد خالد، فإن قيل أفي المشاهدة تريد أن تشكك الخلق؟ قلنا: المشاهدة وجود الإحراق فأما نسبته إلى النار فدعوى، فإن قيل وجدنا النسبة عربية شرعية، قلنا أضاف الله تعالى المعاني إلى الأسباب عند وجودها على حكم اللغة العربية، والحقيقة وراء ذلك، والذي يكشف الغطاء معهم في ذلك أن يقال لهم: ليس لكم عمدة إلا اقتران الموجودين وهو اتصال النار بالأجسام، ووجود الإحراق حينئذ، فبجهلكم بحقيقة الفاعل القادر،
_________________
(١) هو معمر بن عباد السلمي أبو عمرو من أهل الطبقة السادسة معاصر لأبي الهذيل العلاف والنظام، وله صلة وثيقة بالفلسفة (الدكتور النشار، نشاة الفكر الفلسفي في الإسلام الطبعة الرابعة، دار المعارف، الإسكندرية، ١٩٦٦هـ/، ص ٦٠٧ وما بعدها).
(٢) ب، ج، ز: الوجوب.
(٣) ب، ج، ز: وإن.
(٤) ب، ج، ز: حر.
(٥) د: وإن.
(٦) ب، ج، ز: وهي مع ذلك.
(٧) ب، ج، ز: وهي.
(٨) ب، ج، ز: والمعاني.
(٩) ب، ج، ز: فمحال.
(١٠) ب، ج، د، ز: آخر. وأغلب الظن أن صواب الكلمة "آخر" ليستقيم الكلام.
(١١) ب: عمر، ب: - عمرو.
(١٢) ج: وبياض.
[ ٨٨ ]
أضفتموه إلى الجماد، ولم تراقبوا (١) أن تقولوا (٢): إن جمادا فاعل، قوي محكم، فيلزمكم مثله في الاقترانات الموجودات في العالم كلها. [و٣٣ أ] وأوقعها (٣) حجة، وأوضحها محجة، الأب والأم (٤) يتولد منهما (٥) الولد، فإذا أودع الأب النطفة في الرحم اقترن بذلك اختلاف الأوصاف على النطفة، وانسلاك الروح فيها، والقوى المحركة المدركة، ولا يقال إنها موجودة به، ولا مضافة إليه، وإن اقترن ذلك به، بل يحيلونها على الأول، بواسطة وبغير واسطة من أسماء يسمونها ملائكة (٦)، وماذا يقولون فيها من البهتان، ويتفوهون (٧) به من الطغيان، وذلك يلزمهم فيمن غمض عينيه، فلم ير شيئا ففتح عينيه فأدرك الألوان، يقولون (٨) إن فتح البصر ولد إدراك الألوان في العينين، وكذلك في نور الشمس مثله، وفي اقترانات لا تحصى كثرة (٩)، فبطل هذا التعلق جملة، ولكنهم لما رأوها ألفاظا اعتادوها فدكت بقلوبهم، حتى لم يستطيعوا أن ينزعوها عنها، وقد استوفينا ذلك في كتب الأصول وهذه نبذة منه.
_________________
(١) ب: يراقبوا.
(٢) ب: يقولوا.
(٣) ب، ز: وأوفقها، ج: وأوقفها.
(٤) متأثر في هذا بالإمام الغزالي. وقد جاء بنفس المثال وهو الأب والأم. في كتابه (تهافت الفلاسفة تحقيق سليمان دنيا، دار المعارف، القاهرة، ١٩٦٦ م، ص ٢٣٩ - ٢٥١). بل يأتي أبو بكر في بعض الأحيان بنفس لفظ الإمام الغزالي: فقد أتى بمثال الاحتراق كما أتى بمثال الأب والأم وعبر عن ذلك بقوله: "انسلاك الروح" وهو نفس تعبير الغزالي (تهافت الفلاسفة، ص ٢٤٥ السطر الأخير من المتن. وكذلك مثال أبصار العين، ص ٢٤١ - ٢٤٢. والقوى المحركة والمدركة، ص ٢٤١. ونور الشمس، ص ٢٤٢).
(٥) ب، د، ز: بيهما.
(٦) ز: كتب على الهامش: قلت رأيت في كتاب الملل والنحل للشهرستاني أن جميع القوى الموجودة في المخلوقات كلها هي أرواح في غاية الدقة واللطافة مخلوقة من جملة الملائكة يودع الله منها ما شاء فيما شاء من مخلوقاته بحسب ذواتها وقوابلها ليظهر أثرها في العالم بمقتضى التدبير الإلهي والله أعلم بذلك وبسند نقله. هـ.
(٧) ب: ينصرهون، ج: تنفرهون، ز: يتفرهون.
(٨) ب: فيقول. ج، ز: فنقول.
(٩) ب، ج، ز: كثيرة.
[ ٨٩ ]