قال النبي - ﷺ -: "أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب فكتب ما يكون إلى يوم الساعة" (٣) قال القاضي أبو بكر ﵁: فقد أخبر الله أنه خلق العرش والكرسي والقلم واللوح، وأمر القلم فكتب فاختلفت ها هنا خمسة معان: المعنى الأول: العرش، ولا خلاف بين المصلين أن العرش مخلوق جسم محدث عن أول سابق بعدم (٤)، ولكنهم اختلفوا هل هو عبارة عن
_________________
(١) ب: - أ. ز: على الهامش: في نسخة: أو.
(٢) ب: نشمند. ج: ذانشمند. كلمة فارسية بمعنى عالم العلماء. ز: كتب في الهامش: قف على سؤاله لشيخه أبي حامد الغزالي.
(٣) رواه أبو داود في كتاب القدر.
(٤) ب: لعدم.
[ ٢٣٢ ]
المخلوقات أجمع أم عن مخلوق أعظم منها قدرا، وأعلى منها مكانا، والصحيح إنهما جميعا صحيحان موجودان.
المعنى الثاني: الكرسي، وقد اختلف الناس فيه فمنهم من قال: إنه العلم، وقيل: إنه موضع القدمين (١)، ومعناه أن العرش منصوب كهيئتي الدست، والكرسي، موجود تحته كهيئة الكرسي الموضوع للملك في الدنيا يرقى إلى الدست عليه، ويضع إذا جلس قدميه فيه، وهي جلسة الجبارين فيما شاهدتهم عليه، ولم يرد في هيئته حديث يعول (٢) عليه، فلا يلتفت إليه أما أنه من الجائز أن يكون كذلك والله (٣) أعلم بوجه الحكمة في خلقه، إذ لا يصح بحال من المعقول أن يكون مقرا له، ونحن لا نعلم الحكمة في خلق الذر، فكيف أن نعلم (٤) الحكمة في خلق العرش والكرسي، فلا معارضة بين القولين، فيجب الإيمان بالورود والتجويز للمعنيين، واعتقاد وجوب سعة العلم للكل، وتنزيه الرب عن الحلول والاتصال، ونكون حينئذ من الراسخين بفضل الله. المعنى الثالث: القلم، ليس يمتنع أن يكون جسما مؤلفا، ولا خلاف بين الأمة أنه كذلك، وقد تظاهرت الأخبار والآثار أنها أقلام، وقد سمع النبي - ﷺ - في رواية الصحيح، صريفها في ليلة الإسراء، في العلو الأعلى، ويحتمل أن يكون أول مخلوق قلما واحدا، فكتب، ثم خلقت سائر الأقلام بعده، ويحتمل أن يكون قوله: "أول ما خلق الله القلم" عبارة عن الجنس لا عن الواحد، والظاهر عندي أنه واحد خلقت بعده أقلام سنواه، والله أعلم.
المعنى الرابع: أنه قال له: اكتب، قد بينا في "قانون التأويل" وجه الحاجة إلى الكتابة، وفضل الله فيها على الخلق، وما يدفع من مضرتهم، ويرفع من حاجتهم، ولما قال في الحديث: "فقال له اكتب" دل على أن هنالك مكتوبا فيه، وهو المعنى الخامس عبر في آية باللوح (٥) وفي آخر (٦) بالرق
_________________
(١) ب: القدس.
(٢) ب: نعول.
(٣) ب، ز: في نسخة: ربنا.
(٤) ج: تعلم.
(٥) ب، ز: في حديث بأنه اللوح.
(٦) كذا في جميع النسخ، وصوابه: أخرى، بناء على أنه وصف للآية.
[ ٢٣٣ ]
المنشور، ويحتمل أن يكون (١) لفظين لمعنى واحد، وممكن أن يكونا لفظن لمعنيين، والظاهر أنهما واحد له اسمان، بل له أسماء المذكور منها هذان، الإسمان، وعند الانتهاء إلى هذا المام قالت طائفة: إن هذه (٢) عبارة عن انتقاش المعلومات في قلوب العالمين، وعبر عنه بالقلم والكتب مجازا، إذ معنى الكتابة تثبيت صور العلوم، وذلك كله ثابت في قلوب العالمين فعبر (٣) به (٤) عنه. وهذا المعنى وإن كان جائزا في ذاته صحيحا في وجوده، فلا نقف بالقول فيه، بل نقول: إنه مكتوب في جسم بجسم (٥)، وفي مؤلف بمؤلف، ويكون ذلك كله من خلق الله وحكمه، وحكمته بأن كتبه محسوسا ومعقولا، وجعله بالمعنيين موصولا. وإذا كان كل ذلك جائزا فهذا هو الظاهر، فإن الله قال: إنه أول ما خلق، القلم، وقال له: اكتب، ولم يكن هنالك (٦) عالم ينتقش في قلبه معلوم، فعبر عنه بأنه مكتوب، وإنما خلق ما خلق، وكتب ما كتب، ثم أنشأ الخلق أطوارا، وعلمهم بالقول البيان، وبالقلم الكتاب، وأخبر عن الوجهين بقوله: ﴿الرحمن علم القرآن خلق الإنسان، علمه البيان﴾ [الرحمن: ٣] وبقوله: ﴿اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم﴾ [العلق: ٤] وقد زاد بعضهم بأن هنالك (٧) دواة، وجعلها مذكورة في قوله: ﴿ن والقلم﴾ [القلم: ١] وهذه دعوى من غير برهان، فإن المداد مادة لنا في تصوير القلم لما يكتبه في وجه اللوح، وكتاب قلم الله، لا يحتاج إلى مادة، أما أنه لو ثبت طريق وجودها لقلنا به، وإن لم يثبت فقد استغني عنه.