ثبت في الحديث الصحيح أن النبي - ﷺ - قال: "يؤتى يوم القيامة بالموت
_________________
(١) توفي سنة ٧٤ هـ/٦٩٣ م.
(٢) ب، د، ز: أحيل.
(٣) ب: - أبدا.
(٤) ج، د، ز: أجل.
(٥) رواه الترمذي في صحيحه، ج ٨ ص ٣٠٨.
(٦) ج، ز: وجدوا.
(٧) ب: الكلام.
(٨) ج، ز: ألواح. وكتب على هامش ز: في نسخة: ألواح.
(٩) ج، ز: الخبر.
[ ٢٣٥ ]
في صورة كبش أملح، فيوقف على الصور بين الجنة والنار، ثم يقال: يا أهل الجنة فيشرئبون ينظرون، ثم يقال: يا أهل النار، فيشرئبون ينظرون، فيقال لهم: أتعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا (١) هو الموت فيذبح، ثم ينادي منادي يا أهل الجنة خلود، فلا موت، ويا أهل النار خلود، فلا موت، فلولا أن الله قضى لأهل الجنة الحياة، والبقاء، لماتوا فرحا، ولولا أن الله قضى لأهل النار الحياة فيها والبقاء، لماتوا ترحا".
قال القاضي أبو بكر ﵁: لما سمع الناس هذا الحديث، من ذهاب الصدر الأول، قالت طائفة: لا نقبله، فإنه خبر واحد، وأيضا فإن جاء بما يناقض العقل، فإن الموت عرض، والعرض لا ينقلب جسما، ولا يعقل فيه ذبحا، ولما استحال ذلك عقلا، وجب أن يمنح الحديث ردا. وقالت طائفة أخرى: إن كان ظاهره محالا، فإن تأويله جائز، واختلفوا في وجه تأويله على أقوال قد بيناها في كتاب "المشكلين"، أصلها (٢) قولان: أحدهما أن هذا مثل، كما لو رأى أحد ذلك في المنام في زمان وباء، فيقال له: هذا الوباء قد زال، ويقع في قلبه في المنام، أن ذلك هو الوباء، وأنه بذبحه يرتفع عن المكان الذي هو فيه. وهذا له رونق، وربما (٣) تلفق وتنمق، وآخر الأمر لا يستمر ولا يتحقق.
الثاني: أن الذي يؤتى به متولي الموت، وكل ميت يعرفه، فإنه تولاه (٤)، فإذا استقرت المعرفة به، أعدم لهم، العدم الذي عهدوه ولو شاء ربنا (٥) لخلق لهم العلم بذلك ضرورة، ولكنه رتب لهم هذه القصة بهذه الحكمة، ويعبر عن المتولي لذلك الشيء باسم ذلك الشيء (٦) قال فصيحهم:
يا أيها الراكب المزجى (٧) مطيتهسائل بني أسد ما هذه الصوت
وقل لهم بادروا بالعذر والتمسواقولا يبريكم أني أنا (٨) الموت
_________________
(١) ج، ز: - هذا.
(٢) ب، ز: أصلهما.
(٣) ب: فما.
(٤) ب: يتولاه.
(٥) ز: في نسخة: ربك.
(٦) ب: وقال.
(٧) ج، ز: المرصى.
(٨) ج: أنني.
[ ٢٣٦ ]
والذي يعضد هذا التأويل، ويحققه (١) قوله تعالى: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجد شيئا، ووجد الله عنده، فوفاه حسابه﴾ [النور: ٣٩] فأخبر عن جزائه (٢) بذاته الكريمة، فكذلك يخبر عن الموت بمتوليه فاعلموا ذلك، وقد مهدنا القول مستوفى في تفاصيل الخبر، في كتاب "المشكلين" بما لبابه: إن خروج الروح من الجسد إن لم يكن موتا، إذ (٣) كان الموت لا يكون حياة إلا برجوعه إلى الجسد، فإذا ذبح الكبش، ولم تخرج (٤) روحه، فلا يرى أحد الموت، وإن رآه بعد خروج روحه، فلم تذبح (٥) الموت، وإن رآه وقد خرج بعضه فليس بموت، والموت في حقيقته لا يتبعض، وإن توقفنا في الروح هل يدخل أو يخرج (٦)، وإن قال: أرى مقدماته، عاد إلى المجاز، وأهل القيامة لم تبق (٧) لهم غريبة لم يروها، ولا عادة منخرقة إلا عاينوها، فإنهم رأوا الأجسام الثقال تعلو، وعاينوا في الصراط الأجسام الثقال تمشي على المحدد (٨) الدحض (٩) ثابتة، وتجري كجرى الخيل، وتسير سير الريح، وتخطو خطو البرق، وأحسوا بالظمأ قد ارتفع من شرب الحوض، ورأوا العرق يسيل (١٠)، فيأخذ (١١) كل إنسان عرقه على مقدار (١٢) ذنوبه، فيكون الشخصان متجاورين كخبزة النقي (١٣)، وأحدهما قد غرق في العرق، حتى شرق، وجاره قد بلغ إلى نصف ساقه، ورأوا القسطين على كراسي في الهواء قعودا (١٤) إلى غير ذلك من عظم الآيات، وأعظم منه الحياة بعد الموت، والقيام من الوفاة إلى الحياة، فقد تحققوا الحياة أولا، وثالثا، والموت ثانيا، فلا سالف إلا وقد حصل عندهم في باب كان، وسحبوا عليه ذيل العرفان، فلو ذبح لهم الموت قبل البعث لقال
_________________
(١) ج، ز: وتحقيقه.
(٢) ز: كتب على الهامش: في نسخة: جوابه.
(٣) ج: إذا.
(٤) ب: يخرج.
(٥) ب: يذبح.
(٦) ج، ز: هل يخرج أو يدخل.
(٧) ج، ز: يبق.
(٨) ب: المجوز. ز: في نسخة: الحد.
(٩) ز: الدخض.
(١٠) ب، ز: تسيل.
(١١) ز: كتب على الهامش: عله: يخوض.
(١٢) ز: قدر.
(١٣) ب: النفي.
(١٤) ب: قعود.
[ ٢٣٧ ]
من رآه ولم يمت: إني قد استرحت من الموت، وإنما يرى الموت قد ذبح، وهو قد ذبح قبل ذلك، وقطع آرابا ثم عاد حيا، فكيف يمتنع عنده أن يعود الموت بعد الذبح حيا؟ فكيف يئس (١) بذبحه مع تجويز عوده؟ فأنى لهم نفس مطمئنة؟ أم كيف يتحققون الخلود في نار أو جنة؟ هيهات ليست الحقائق في هذه الطرائق، ولا تنال المعاني بالأماني، ولا تؤخذ التحف من الصحف، وإنما هي منقولة من الفؤاد إلى الفؤاد، بواسطة اللسان والآذان، ونبذ المحال، بشد الرحال، وأعمال المطي، إلى المكان القصي، وملاحظة الأعيان بالعيان، وتحقيق القول في ذلك أن الروح تخرج (٢) من الجسد في الدنيا على أنواع، تجمعهما حالتان: إحداهما (٣): أن تنتفض البنية، وتنفك الرتبة، والثانية: أن تزهق الروح والبنية بحالها، من وقص أو رفس، ومع عمل من الآدمي كالخنق، ولدم القلب، ورض الانثيين، وغير ذلك من الأنواع الخفي على الناس وجه اتصالها بالموت، والموت وإن اعتقده المعتقدون خروج الروح من الجسد، وأن الروح جسم لا بد له من منفذ لصفته (٤) المذكورة، فإذا وقع الخنق، فمن أين تخرج (٥) والمنفذ مستد؟ وإن قال: هو جسم لطيف. قلنا: اللطيف والكثيف له محله، وسبيله بصفته، والذي يدل عليه أن الريح التي هي شبيه (٦) الروح في الحروف تأليفا، وفي الاشتقاق وزنا، وتصريفا، وفي الكيفية ظنا وتخمينا، إذا سد (٧) عليها المنفذ، لم يكن لها مخرج، ولقد روى أن الخزانة فتحت على عاد (٨) منفذ الريح في مسلك محصور مثل حلقة الخاتم، وعتت، حتى فعلت ما فعلت بقدرة من مكنها فتمكنت، فأفاد أنه لا يكون سلوكها إلا على مسلك بقدر فعلها، ومن يظن الروح لها دخول وخروج كدخول الأجسام وخروجها في المعتاد فيها، هيهات له هيهات المدى، بل له معنى بديع يبرزه النظر، ويشهد له الخبر، فإن قيل: فقد روي أن يحيى ذبح أو نشر ولم يمت:
_________________
(١) ب: يأنس.
(٢) ج، ز: يخرخ.
(٣) ج، ز: أحدهما.
(٤) ب، ج، ز: لضيقته. وكتب على هامش ز في نسخة: لصفته.
(٥) .، ز: يحرج.
(٦) ج، ز: نسيب.
(٧) ب: شد.
(٨) ج: - عاد.
[ ٢٣٨ ]
قلنا أخبار من (١) غير أحبار، ولو صحت لقلنا: إنه ذبح ثم أحيي، وقد أحيي بعد الموت في الدنيا جماعة، ولابن البهاء (٢) كتاب فيهم، كبير مفيد، وقد يمكن أن يذبح الحي فلا يموت، فإن قيل: فحركة المذبوح بعد الذبح، ما هي؟ قلنا لهم: هي عندهم مستعارة، وحقيقتها نبينها إن شاء الله تعالى (٣).
فإن قيل: فكيف يأكل أهل الجنة من لحم حيوانها أمع (٤) بقاء الحياة؟ فقد روي أنه يقع بين أيديهم مشويا. قلنا: ويجوز أن يكون مع ذلك حيا سويا، ويلقم وهو يتكلم، وكما الشواء (٥) من غاير استواء، كذلك يؤكل حيا مع الاستواء (٦)، وسقطت الذكاة لأن الجنة ليست بدار تكليف، ولما سقطت الذكاة، سقطت متعلقاتها والله أعلم. وطريقة الكلام في المسألة المتقدمة أن الله يخلق لهم العلم اليقيني، في دار اليقين، بأن الموت لا يعود أبدا. ولو خلق لهم هذا العلم ابتداء دون ذبح شيء لكان ذلك واقعا موقعه، ولكنه بحكمته جعله مخلوقا منوطا بسبب، كما كان عند العلم اليقيني في الدنيا، أن من ذبح أو مات لا يعود فيها أبدا، فرتب لهم سبحانه شيئا يشبهه، حتى يكون العلم الثاني على ما رتب عليه العلم الأول، وثبت (٧) [و٧٩ أ] في نفوسهم العلم بالمراد كما أثبته من قبل، وكان عود الحياة بعد الموت الأول بخبره، كذلك يكون امتناع العود إلى الموت الثاني بخبره، وتطمئن نفوس أهل الجنة بالخلود، ويزيدهم قوله لهم (٨): أحل عليكم رضائي (٩) فلا أسخط بعده أبدا. ويقع اليأس لأولئك، وتطبق (١٠) عليهم النار، وينفذ (١١) الحكم، ويقع الفصل، ويظهر الوعد الصدق، والله يختم لنا ولكم بالحسنى برحمته.
_________________
(١) ب، ز: في نسخة: عن.
(٢) ب: ابنها. والصحيح أنه ابن أبي الدنيا عبد الله بن محمد (+٢٨١ م/٨٩٤م) وكتابه يسمى "من عاش بعد الموت" مخطوط (الأعلام للزركلي، ج٤ ص٢٦٠).
(٣) ب، ز: - تعالى.
(٤) ب: - مع.
(٥) ب: انشئوا.
(٦) ب: من غير اشتواء.
(٧) د: انتهاء ما سقط وهو يوازي من ص ٢٢ إلى ٥٥ ج ٢، من طبعة ابن باديس.
(٨) د: - لهم.
(٩) ب: رضواني.
(١٠) ج: تصبق.
(١١) و: ينفد.
[ ٢٣٩ ]