روي عن النبي - ﷺ - أنه ذكر: آخر (٤) أهل النار خروجا من النار، فقال: "يؤتى مثل الدنيا وعشرة أمثالها وذلك أقل أهل الجنة منزلة"، فلما سمع قوم هذا عظم ذلك عندهم (٥) لوجهين خطأين أحدهما: جهلهم بعموم قدرة الله، وعلمه، وسعة مخلوقاته قياسا على أنفسهم، وقصرا [و٨٣ أ]، لخواطرهم القاصرة عن منتهى العلوم (٦). الثاني: اعتقادهم أن الجنة (٧) هي السموات وهي لا تتسع (٨) لهذا، وكيف وهي من الدنيا؟ فذلك أبعد.
قال القاضي أبو بكر (٩) ﵁: فقال لي أبو حامد الغزالي: إنما يؤتى مثل الدنيا في القيمة والقدر، لا في المساحة، وقيد شبر من الجنة خير من الدنيا، بغير حصر بمثل (١٠)، ولا بعشرة أمثالها، ولا بأكثر من ذلك، كما يقال: هذه الياقوتة خير من ألف مثقال، لا في الوزن، ولكن في القيمة والمنفعة، لأنها تساوي بالتقويم أكثر من ألف. فقلت: هذا المذكور، يؤتى مثل الدنيا في (١١) عشر مرات مساحة وقيمة، فإن القيمة لا تنحصر، إذ نصيف حورية، خير من الدنيا، والقدرة متسعة للمساحة والقيمة جميعا، والخلاء يحتملها، فافرض ما شئت في العدم، وأخرجه إلى الوجود، جاز عقلا، وصح، إذا خلق وجودا (١٢) وقد روي عن ابن عباس أنه قال: (ليس في الجنة من الدنيا إلا الأسماء) وليس هذا بإخراج لها من حد المحسوس إلى المعقول، كما تقوله
_________________
(١) د: والسورة.
(٢) ج: الخبر، د: تخبر.
(٣) د: ما.
(٤) ب: أخير.
(٥) د: عندهم ذلك.
(٦) د: المعلوم.
(٧) د: الجنات. وكتب على هامش ز في نسخة: الجنات.
(٨) د: تسع.
(٩) د: قال أبي.
(١٠) د: مثل.
(١١) د: - في.
(١٢) ب: وجودان.
[ ٢٤٧ ]
الفلاسفة، وإنما هو للفرق (١) بينهما من أوجه كثيرة أحدهما: أن الجنة لا تفنى، والدنيا تفنى، والجنة لا تستحيل ولا تتغير، والدنيا، بخلافها (٢)، والجنة لا آفة فيها، والدنيا كلها آفات (٣) من لغو، وهم، وغول، وملل (٤)، وغل، وحسد، ومنازعة، وكل ما يكدر نعم الدنيا، فالجنة منزهة عنه، في ذات وصفات وأفعال. وبذلك تم النعيم، وكمل الأخذ (٥)، وطاب العيش. والدنيا ما يكون فيها ينشأ بتركيب وتدريب، وترتيب، والجنة إنما يقول العبد فيها للشيء (٦) كن فيكون، وكل شيء في الدنيا ينفع ويضر (٧)، والجنة منفعة بجميع ما فيها، لا مضرة معها، فهذه سبعة وجوه أصول، بله ما يتبعها من أعظم (٨) التفصيل. وبالجملة [و٨٣ ب]، فإذا (٩) أردت أن تعقل أمرك في الجنة فتصور نفسك وقدرها في جنتك، مع من تحب من أهلك لا ينقصك أمل، ولا يتوقع حول (١٠)، وما تمنت نفسك وصل إليك، وما كرهته من شيء دفع عنك، واجتمع عندك الأمران: نيل كل مطلوب على العموم، والأمن من كل مرهوب على العموم، ورضى ربك ورؤيته أعظم من أن تقدر لذته، أو تتصور، واقرأ إذا أردت أن تعلم ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون﴾ [السجدة: ١٧].