بسم الله الرحمن الرحيم (١) وصلى الله على سيدنا
محمد وآله وصحبه وسلم (٢)
قال الشيخ الفقيه الإمام الأوحد، الحافظ، العلامة الأمجد (٣)، أبو بكر بن العربي (٤)، ﵁ (٥)، ورحمه (٦): الحمد لله رب العالمين، الله م صل على محمد، وعلى آل محمد (٧)، كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وآل إبراهيم، إنك حميد مجيد، الله م إنا نستدعي (٨) من رضاك (٩) المنحة، كما نستدفع بك المحنة، ونسألك العصمة، كما نستوهب منك الرحمة، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، ويسر لنا العمل (١٠) بما علمتنا، وأوزعنا شكر ما آتيتنا، وانهج لنا سبيلا تهدي (١١) إليك، وافتح بيننا وبينك بابا (١٢) نفد منه عليك، فلك (١٣) مقاليد السموات والأرض، وأنت على كل شيء قدير.
أما بعد، فإن الله ببالغ حكمته، وغالب قدرته، وإن كان واحدا في ذاته، واحدا في صفاته، واحدا في مخلوقاته، فإنه خلق الخلق نوعين، وأبدع من كل زوجين اثنين، لأن الوحدة له خالصة، حقيقة وبيانا، فتكون
_________________
(١) ز: - و.
(٢) ب: وصلى الله على محمد وآله، ز: - وسلم.
(٣) ب، ج، ز: قال صالح بن عبد الملك بن سعيد قرأت على الإمام.
(٤) ب: + محمد، ج، ز: + الحافظ.
(٥) ب، ج، ز: + قال.
(٦) ب، ج، ز: - رحمه.
(٧) ج: - محمد.
(٨) ب: نستمد.
(٩) ب: بك، ج، ز: منك.
(١٠) ج، ز: الحمد.
(١١) ب، ج، ز: يهدي.
(١٢) ج: وافتح لنا بابا.
(١٣) ب، ج، ز: لك.
[ ٧ ]
الأثنينية (١) عليه دليلا وبرهانا، وفطر الآدمي، فركب عليه وفيه، الازدواج ابتلاء، يختلف به الحال استفالا، واعتلاء، إشكالا (٢)، وجلاء، نعمة، وبلاء، قبولا، وإباء (٣)، ليرفعه (٤) في عليين، أو يقذفه في سجين، قال سبحانه: ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين﴾ [التين: ٥] علمه البيان، بين منزلتي الدليل والعيان، وجعل فيه حقائق [و٢ أ] تشترك مع صفاته العلى، وأسمائه الحسنى، في الحد، وينفرد (٥) عنها بالتعالي والجد: ذلك ليستدل بها عليه، ويرجع في تحصيل العرفان (٦) إليه.
وخلق له الملك، والشيطان، وأخبر الصادق واسطته (٧) وسطته، أن العبد بين لمتين (٨) منهما يجتذبه (٩)، كل (١٠) واحد (١١) إلى جهته، ويحاول (١٢) وضعه في حصته، وتحصيله في زمرته.
والرب قد أحكم العاقبة بحكمته، وأظهر هذا التدبر بقدرته، وأنشأ فيه العقل والهوى، وخلق له الضلالة والهدى، وشرح (١٣) له النجدين استدراجا ليرد، وشرع له الدين منهاجا ليقارب ويسدد، وجعل (١٤) على كل واحد من الطريقين علما، ونصب عليه مناديا، فمنهم من تعرف فأجاب وعرف، ومنهم من صدف فأبى وحرف، والخير والشر مقرونان في قرن (١٥)، والعقل والهوى معقودان في شطن (١٦)، والدليل والشبهة يتجاذبان (١٧) في
_________________
(١) ج: الأثنية.
(٢) ب، ج، ز: امتحالا، وأثبت الشيخ ابن باديس في المتن كلمة "اختفاء" بدل "امتحالا" التي هي في متن المخطوط الذي اعتمد عليه.
(٣) ب، ج، ز؛ - قبولا، وإباء.
(٤) ج، ز: يرفعه.
(٥) ب، ج، ز: وتنفرد.
(٦) ج: الفرقان.
(٧) ، بواسطته.
(٨) لمتين مثنى لمة، وهي الشدة، والشعر المجاور شحمة الأذن والمراد به هنا الخاطرة.
(٩) ب: تجتذبه.
(١٠) ج: وكل.
(١١) ب: واحدة.
(١٢) ب: وتحاول.
(١٣) د: وشرع.
(١٤) ب، ج، ز: + له.
(١٥) الحبل المفتول من لحاء الشجر.
(١٦) الحبل الطويل.
(١٧) ب، ج، ز: يتحاربان، وعلق ابن باديس في الهامش على ذلك بـ (أو يتجاريان).
[ ٨ ]
ميدان واحد، ويتسابقان إلى عطن (١)، والتويق والخذلان يتباريان على سنن.
والعلم السابق، والكلام الأول (٢)، والكتاب الثاني، يبرم أعلاقها، ويفتح أغلاقها، ﴿ليهلك من هلك عن بينة ويحيي من حيي عن بينة وإن الله لسميع عليم﴾ [الأنفال: ٤٢]، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، وهو العزيز الحكيم، ومن أجل هذا ومن جراه، جرى كل أحد (٣) من الخلق مجراه، وتباينت المدارك، في المناجي والمهالك، فلئن أضاء نهار الأدلة، لقد أغطش ليل الشبهات، ولئن اتضحت (٤) جادة التحقيق، لقد حفت (٥) بها بينات، حتى خفيت واضحة الطريق، فاهتدى فريق، وضل فريق وفريق (٦).
و(٧) أعلام الحق وإن كانت قد خفقت، فقد انتشرت ألوية الباطل واستشرفت، والناس أتباع كل ناعق، [و٣ أ]، لا يفرقون بين السابق واللاحق، وأبناء ساعتهم، لا آباء (٨) عاقبتهم، أشفت عليهم القواصم السابقة، وحلقت فوقهم العواصم المتلاحقة، فإن أكبوا على ما هم فيه هلكوا، وإن لمحوا علوا، اعتلقوا النجاة وأدركوا، ولكل سابقة من القواصم لاحقة من العواصم.
ونحن بتأييد الله ومعونته، نرتقي في هذا المعراج، إلى التمييز بين هذا الازدواج، وتبين (٩) ما فيه من قواصم المكر والاستدراج، وعواصم الإنفاذ والإخراج، بفضل الله ورحمته، وهدايته وعصمته، لا رب غيره (١٠).
ولو شاء الله سبحانه لجرد الدلالات عن الشبهات، ولم يقسم المعارف إلى الضرروريات والنظريات، ولا خلق العبد مشحونا بالشهوات، متقاعدا عن العبادات، مائلا إلى الراحات، والكل (١١) شاهد ودليل، بفعل أو قيل، كما
_________________
(١) مبرك الإبل حول الخوص أو مربض الغنم.
(٢) ج: - والكلام الأول.
(٣) ج: واحد.
(٤) ب، ج، ز: أو اتصحت.
(٥) ب، ج، ز: خفيت.
(٦) ب، ج، ز: - فريق.
(٧) ج: - و.
(٨) ج، د: أبناء.
(٩) ب، ج، ز: وبين.
(١٠) ب، ج، ز: سواه.
(١١) ج: ولكل.
[ ٩ ]
قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات: ٥٦]، وقال تعالى: ﴿ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين﴾ [السجدة: ١٣]، فتعارضت أسباب المقادير عليه، مع توجه الوظائف إليه، وصار لا يدري على أي صدغيه (١) يقع، ولا من أي جهة يستضر (٢) أو ينتفع، إن أقامه الشرع إلى العبادة أقعدته الراحة، أو أراد العف (٣) بالكف، جذبته (٤) الاستباحة.