أما أن العلماء اختلفوا في قتله إذا ترك الصلاة عمدا، فقال أبو حنيفة: لا يحل (٩) إراقة دمه، لكنه يؤدب على استخراج هذا الحق منه بالسوط، وإن أدى ذلك إلى تلف نفسه. وقال مالك والشافعي: يقتل في آخر الوقت. قال متأخرو علمائنا: لا يقتل ضربة بالسيف، ولكنه ينخس بالحديد حتى تفيض نفسه، أو يقوم بالحق الذي عليه من فعلها، وبهذا أقول: قال أبو المعالي: لا أرى أن يسفك دم امرئ مسلم على ترك الصلاة بغير نص من (١٠) كتاب الله (١١)، ولا سنة، ولا قياس جلي تناط بمثله المحظورات والذي حمل على ذلك أبا المعالي (١٢) نكتة فارغة، تعلق بها أهل ما وراء النهر من أصحاب أبي
_________________
(١) ب: ممن.
(٢) عبادة بن الصامت أبو الوليد الخزرجي قاضي القدس، توفي سنة ٣٤ هـ/ ٦٥٤ م.
(٣) ب، ج، ز: يضع.
(٤) ز: في نسخة: على.
(٥) ج: - أن.
(٦) ج: - له.
(٧) ج: عهدا.
(٨) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه.
(٩) د: تحل.
(١٠) ص، د، ز: - من.
(١١) ج، د، ز: - الله.
(١٢) ب، ج، ز: حمل أبو المعالي على ذلك.
[ ٢٦٣ ]
حنيفة (١) وهي عسيرة (٢) المبدأ، ولكنها سهلة المنتهى، قالوا: إن الشريعة لم تبح قط (٣) دما بترك المفروض (٤) كالوضوء والصوم والزكاة والحج، وإنما أباحت (٥) الدم بفعل المحظور كالرق والقتل والحرابة. والذي انتهى إليه التحقيق في ذلك، المتفق عليه (٦) ما أوردناه في "مسائل الخلاف". لبابه يتحصل في ثلاثة مسالك. المسلك الأول: منع الوضوء والصوم، وارتكاب إباحة دم من تركها متعمدا. فأما الحج فهو على غير [و٩٠ ب] الفور عند قوم، فلا يتحقق فيه الترك المتفق عليه. وأما الزكاة فمقصودها الأوكد وهو أخذ المال ممكن، وتبقى النية وهو الركن الثاني فليس (٧) يمتنع في الشريعة استقلال الأمر بأحد ركنيه، وقد بيناه في "مسائل الخلاف"، فلا نطول به (٨) في هذه الإشارة. المسلك الثاني: أنا نقول لهم: قد اتفقنا على قتله إلا أنكم (٩) قلتم يقتل بالسوط، وقلنا يقتل بالحديد، والحقوق تستخرج بالحديد، كما تستخرج بالسوط، ألا ترى أنا نستخرج حق الله في الإسلام من المرتد بالحديد. المسلك الثالث: أن قوله - ﷺ -: "من ترك الصلاة فقد كفر" وهذا وإن لم يفد حقيقة الكفر، فليفد جزاء (١٠) الكفر، لئلا يبقى اللفظ عاريا عن إحدى فائدتيه وهي الحقيقة أو المجاز (١١). فإن قيل: فكيف نقول (١٢) في الأمثلة التي استشهدتم بها وهي قوله في النساء، وفي العبد الآبق؟ قلنا: ليس هنالك حق (١٣) يستخرج بالفعل المؤدي إلى تلف النفس، بخلاف مسألتنا فإنا اتفقنا على أن يستخرج منه هذا الحق، وإن أدى إلى تلف نفسه وإراقة دمه، وإن اختلفنا في صفة ذلك.
_________________
(١) د: ح.
(٢) ب: عسرة.
(٣) د: - قط.
(٤) ب، ج، ز: مفروض.
(٥) د: إباحة.
(٦) د: - المتفق عليه.
(٧) د: وليس.
(٨) ب، ج، ز: - به.
(٩) ب: - إلا أنكم.
(١٠) د: جزء.
(١١) ب: والمجاز.
(١٢) د: كيف تقولون.
(١٣) ج: + حتى.
[ ٢٦٤ ]