حضر (٦) عندنا بعض الطلبة، بكتاب علق في آخره على عادة الناس مسطورا، هذا نصه: كلام حكمة للاسكندر (٧) في الاعتبار بالأجرام العلوية: بينما الاسكندر على سريره (٨)، في صحن داره، إذ تأمل طوالع (٩) البروج، وأوافلها (١٠)، وجواري السعود في مناقلها، وانتظام الكواكب في أقطارها وازديان فلكها، بزينة مصابيحها، وسير دراريها، ولوامع شهبها، وميز كيف وضعت في مراكزها، ثم تقبل في مسيرها، وتنعكس إلى (١١) مغاربها، بتدوير الفلك إياها لا يردعه عارض، عن (١٢) مراعاته، ولا يقطعه مانع، عن دوام حركته، ولا يعوقه أمر دون المضي إلى ما (١٣) رتب له بطبيعته، فقال (١٤): أيها
_________________
(١) د: ينال.
(٢) د: - إليه.
(٣) د: ومنتهى.
(٤) د: تسمعوه.
(٥) ب، ج، ز: قوم.
(٦) د: خضر.
(٧) ب، ج، ز: الإسكندر.
(٨) د: سريره.
(٩) ز: كتب على الهامش: مطالع.
(١٠) ب، ج، ز: إفلها.
(١١) ج: إذ. وصححت في الهامش: إلى.
(١٢) د: من.
(١٣) ب، ج، ز: لما.
(١٤) د: - فقال.
[ ١٤٠ ]
الفلك الدوار، المنبئ عن الحكمة، المنوط (١) بالأنوار المتلألئة، والنجوم الزاهرة، والشمس المبصرة (٢)، [و٥٢ ب] إن فضاء تظله لرحيب، وإن عالما تؤثره لعجيب، وإن خطر ما ضمنته لجليل، وإن بصرا يلمح ما وراءك لغير كليل، وإن سكانا عصبوا (٣) فيك لفي معقل منيع، وإن حادثا يشتت أركانك، ويخر سقفك، ويقلقل (٤) ذرى (٥) بنيانك، لفادح فظيع، وإن قيامة مبدؤها انتقاضك لعظيمة (٦) الخطب، فسبحان من أبدع جوهرك من غير عنصر، وأدنى أقاصيك إلى غير علاقة، ووكد (٧) أعاليك بلا سلم، وفسح حدودك بلا إحاطة، ما أدل كرور ليلك على نهارك، ورجوع نهارك بعد انقضاء ليلك، على كرور أبداننا (٨) بعد دروجها (٩)، وانقراضها، وارتداد النضارة في بالي الشجر، بعد نحولها، واهتزاز الأرض، واخضرارها، بعد همودها واقشعرارها، على ارتداد الأرواح المقبوضة في أجسامها، بعد تمزقها (١٠) واضمحلالها وأدل استسرار (١١) القمر واستهلاله، وتقسيط الحساب. بين فصول الأيام على عدالة الرجعة، وعدل حساب الكرة (١٢)، فليت شعري إلى ماذا (١٣) تتناهى الحكمة بنا؟ وإلى أي الحالين يؤول الأمر؟ وعلى أيها يجب العود (١٤)؟ بما (١٥) أريق بيننا وبين ملوك الأرض من الدماء.
قال القاضي أبو بكر ﵁ (١٦): وهو بعقله (١٧) مولع بها، متعجب منها (١٨)
_________________
(١) ب، ج، ز: المنوطة.
(٢) ب، ج، ز: النضرة.
(٣) د: غصبوا.
(٤) د: يبلبل.
(٥) ب، ج، ز: دار. د: درى. ويبدو أن صوابه: (ذرى).
(٦) ب، ج، ز: لعظيم. وكتب على هامش ز: عله: لعظيمة.
(٧) ب: ركب.
(٨) د: بذاتك.
(٩) د: رجوعها.
(١٠) ز: كتب على الهامش: تفرقها.
(١١) د: استرار.
(١٢) ب: الكثرة.
(١٣) ج: مالا.
(١٤) ب، ج، ز: القود.
(١٥) د: فما.
(١٦) د: - قال القاضي أبو بكر ﵁.
(١٧) د: بغفلته. ز: كتب على الهامش: عائد على البعض المذكور من الطلبة.
(١٨) ب، ج، ز: بها.
[ ١٤١ ]
يدعوالله أن يفهمها له، ويسأله أن يفتح (١) له في معرفة مقاصدها، فأشفقت منه وخفت عليه، وعلمت أنه بقلة معرفته، اغتز (٢) بهذا اللفظ الهائل، الذي ليس وراءه طائل، لكونه مختل المعاني، معتل المباني، فقلت في نقضه، وبيان حقيقة التوحيد فيه (٣): أيها الفلك المدار برغمه، لقد ضل من يسميك دائرا بزعمه، فكيف من يعتقدك فاعلا بوهمه، هذا، وهو يرى عليك أثر التسخير باديا، ويشاهد فيك سنن التدبير جاريا، هل أنت إلا محل نيرات، ومجرى حركات، ولزيم تحويلات، وضعت على النافع [و٥٣ أ]، علامات، فيا ليست شعري بأي معنى عززت (٤)؟ وفي أي منصب من الفاعلين تنزلت (٥)؟ أبحياتك تصرفت؟ أم بقدرتك أوجدت؟ أم بإرادتك قدمت وأخرت؟ وماثلت وغايرت؟ أم بعلمك أتقنت وأحكمت؟ هذا (٦) وهيئتك لو تغيرت عما هي عليه، لم تكن في شيء مما ينسب (٧) إليك، والتغير (٨) عليك جائز، فليس بينك وبين الحدث حاجز، والفاعل بالحقيقة هوالله (٩) الذي تصدر عنه الأفعال، ولا تتغير عليه الأحوال، هل ما يعتقده المغترون فيك إلا ذكرة (١٠) خاطرة، وفكرة عابرة (١١)، لم يصحبها ترديد (١٢) ولا تثقيف (١٣) بقانون التسديد، هل أنت إلا (١٤) ما أنت بنفسك؟ فكيف أن تكون لنفسك؟ فضلا عن نسبة شيء إليك من غيرك، فمن كان مستريبا بأفعالك، أو (١٥) معتقدا لجلالك، فلينظر إلى أمثالك، فإنه يتحقق (١٦) أن الوحدانية لا توازن بمثال، ولا تعارض بالأمثال، ولا بد منها في الاعتقاد والمقال، وأنتم سبعة أفلاك أو تسعة، فعند من تبتغي (١٧) منكم النجمة؟ والواحد من له
_________________
(١) ج: يفتحه.
(٢) د: لغمتر.
(٣) د: - فيه.
(٤) د: غررت.
(٥) ب، ج، ز: نزلت.
(٦) ج: - هذا.
(٧) د: نسب.
(٨) ب، ج، ز: والتغيير.
(٩) د. - الله.
(١٠) الذكرة: الشيء يجري على اللسان.
(١١) ب: عايره، ج، ز: غائرة.
(١٢) ب، ج، ز: مزيد.
(١٣) د: ثقفت.
(١٤) ب، ج، ز: - هل أنت إلا.
(١٥) د: - أ.
(١٦) ج، ز: تحقق.
(١٧) ج، ز: ينبغي.
[ ١٤٢ ]
الاختصاص، والعبد المشترك بعيد عن الخلاص، ولتعلم (١) أنه لو أحيل عليك بالجدال، فوجئت بالسؤال، وطولبت بالنظر والاستدلال، لكان لك في الجواب اختلال، ولم ينصرك اعتلال (٢)، فما وراءك يا عصام؟ أعدم أم وجود؟ أم بحر ممدود (٣)؟ أم نبات محصود (٤)؟ وأي قسم ادعيت من ذلك، أو ادعي لك، فقد أسلمك فيه النظر وخذلك، نحن وإن (٥) خاطبنا منك (٦) من لا يعقل الخطاب، وقاولناك كأنك - ولست منهم (٧) - من ذوي الألباب، فإن لسان العيرة (٨) عنك ناطق، بأنك صنيع (٩) القادر الخالق.
قل لي وإن كنت الغنيــي بصدق علمي عن سؤالك
ماذا أفدت (١٠) من الحوادث في كرورك وانتقالك
بل أنت فيه مسخرما بين حلك وترحالك
هلا ثبت في معظماوأدرت غيرك باحتيالك
حتى يكون (١١) الكل يســعى في امتثالك لأمثالك
فالآن حين تبينتآيات نقصك واختلالك
[و٥٣ ب]،
أمن ذلك (١٢) أنشئت (١٣) أو (١٤) أبدعت أو أوردت (١٥) أو (١٦) أصدرت؟ هيهات أن تنشأ مختلفات بديعة، عن ذات واحدة بالطبيعة، إذ لا يغاير (١٧) بين المختلفات إلا الإيثار، ولا يدل على الأعيان إلا الآثار، فالزم قدرك، حتى يأتي أمر الله فإنه لا يغتر بك إلا الغافل اللاهي.
_________________
(١) ب، ج، ز: ليعلم.
(٢) د: اغتلال.
(٣) ب، ج، ز: مورود.
(٤) د: مخصود.
(٥) ب، ج، ز: إذا.
(٦) د: - منك.
(٧) د: - منهم.
(٨) ب، ج، ز: الغيرة.
(٩) د: صنع.
(١٠) د: أبدت.
(١١) د: تكون.
(١٢) ب، ج، ز: ذاتك.
(١٣) ب، ج، ز: نشأت.
(١٤) ب، ج، ز: - أ.
(١٥) ب، ج، ز: - أو أوردت. وكتب على هامش ز: مصححا.
(١٦) ب. ج، ز: - أ.
(١٧) ب، ج، ز: تغاير.
[ ١٤٣ ]