قال أبو بكر (٣) ﵁: هذه طائفة لم تعلم العقل، ولا عقلته، ولا علمت الوجوب. وقد بينا أن العقل إن (٤) افتقر إلى بيان، ووقع فيه خلاف، فامسحوا أيديكم عن أنفسكم، إنما أرادت الإلباس على الخلق من أول اللوح، فماذا (٥) ترجون (٦) في أثنائه من البيان؟ أو (٧) كيف تبلغون (٨) إلى آخره؟ وهم يقولون: إنه مشترك (٩)، من معانيه (١٠)، صحة الفطرة، ومنها التجربة، ومنها الوقار والسكينة، وزادوا على (١١) إخوانهم الفلسفية، أنه علوم ضرورية، وعلوم نظرية، وعملي، وهيولاني، وملكي، وفعلي، ومستفاد، وفعال.
أما الأول فقد نسبوه (١٢) إلى أرستوطاليس (١٣)، وفرق بينه وبين العلم وقال: إنه تصورات، ومعان تحصل للنفس بأصل الفطرة، والعلم يحصل
_________________
(١) د: صح. ز: كتب على الهامش: صح.
(٢) ج: أن.
(٣) د: قال أبي.
(٤) د: لو.
(٥) د: فما.
(٦) د: يرجون.
(٧) د: - أ.
(٨) د: يبلغون.
(٩) ب: يشترك.
(١٠) فى: معاينة.
(١١) ب، ج، ز: عن.
(١٢) ب، ج، ز: ينسبوه.
(١٣) ب، ج، ز: أرس توطاليس.
[ ١٥٩ ]
بالاكتساب، فتلقفه الخليل (١) منه، وقال: إن (٢) العلم (٣) معرفتان مجتمعتان، فعرف زيدا قائما، حال لزيد، وعلمت زيدا قائما، مفعول ثان لعلمت، وهذا اصطلاح بارد تلقفه الخليل رسطالية، وادعاه عربية، ولا سبيل إليه بحال.
لأن العقل هو العلم بعينه على ما نبينه إن شاء الله. قالوا (٤): وأما العقل النظري فقوة في النفس، تقبل بها ماهية الأمور الكلية، والحس يقبلها جزئية وأما العملي (٥) فهو قوة النفس مبدأ لتحريك (٦) القوة التشوقية (٧) إلى ما يريده (٨) من الجزئيات. وأما الهيولاني فهو كاستعداد الصبي للقبول، وأما الملكي فهو أن ينتهي إلى حد التمييز، حتى إذا عرض عليه شيء وجد به عارفا. وأما الفعلي (٩) [فهو الذكر. وأما المستفاد فهو ما حصل واستقر، ولم [و٥٩ ب] يفتقر إلى مادة. وأما الفعال] (١٠) قالوا: فهو نمط آخر، وهو كل ماهية مجردة عن المادة فهو من جهة ما عقل جوهر صوري، ماهية (١١) مجردة في (١٢) ذاتها عن علائق المادة من جهة (١٣)، هي ماهية كل موجود، وهو فعال،
_________________
(١) أبو عبد الرحمن بن أحمد بن عمرو بن تميم، فهو عربي ذو ذكاء نافذ، عرف باستنباط علل النحو والعروض وكانت له مناظرات مع الإباضية وله صلة بابن المقفع ويروى أنه عرف اللغة اليونانية، وزعموا أن ملك اليونان راسله باليونانية، ويبدو أنه تأثر في دراساته النحوية بالفلسفة اليونانية كما يبدو من كلام أبي بكر هنا، وكما يبدو من اتصاله باللغة اليونانية وبابن المقفع الذي يعرف نحو الفارسية وتوفي الخليل سنة ١٧٠ هـ/ ٧٨٦ م (الزبيدي "محمد بن الحسن" طبقات النحويين واللغويين تحقيق محمد إبراهيم أبي الفضل القاهرة، ١٣٧٣ هـ/ ١٩٥٤ م، ص ٤٣ - ٣٧).
(٢) ب، ج، ز: - إن.
(٣) ز: كتب على الهامش: قف على مأخذ قول الخليل بن أحمد في تعريف العلم.
(٤) د: - قالوا.
(٥) ج: العلمي.
(٦) غير ظاهرة بوضوح في ب: وقرأها ابن باديس (لتحديد).
(٧) د: التشوقية.
(٨) د: يريد.
(٩) ب: + فهو الفعال.
(١٠) ب، ج، ز: سقط فيها ما بين قوسين.
(١١) ز: كتب على الهامش: عله: وماهية.
(١٢) ج، ز: عن. وكتب على هامش ز: في.
(١٣) د: - من جهة.
[ ١٦٠ ]
لأنه يخرج الفعل (١) الهيولاني من القوة إلى الفعل، بإشراقه (٢) عليه.
قال القاضي أبو بكر (٣) ﵁: فما ظنك بمعلوم بين يدخل في الأشكال في هذه السوق الكاسدة، ويباع البيوعات (٤) الفاسدة، العقل كما قال الأول:
وقد ظهرت (٥) فما تخفى على أحدإلا على أحد لا يعرف القمرا (٦)
وهو في لسان العرب العلم، لا فرق عندهم بين عقلت وعرفت وعلمت، وما رتبه النحاة من الذات والصفات في العبارات لا ينبني عليه (٧) حكم، لأن العرب لم تنتح به ما انتحوا، ولا أضمرت ما أضمروا، والقوم مشكورون على ما رتبوا غير مأموم بهم (٨)، فيما قدموا (٩) من المعاني وصوروا، والخلق كما قال الله ﷿: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا﴾ [النحل: ٧٨] ثم يخلق لهم العلم، العقل، المعرفة، التمييز، الإدراك، التفطن، الذكر، إلى آخر الخطط والأسماء، رتبة بعد رتبة، وشيئا بعد شيء، وليس فيه استعداد لذلك من عند الله (١٠) فيه إلا ما ينشئه (١١) له، كما ينشئه (١٢) في الشجر، والحجر، وطرف الظفر، والأنملة، لا يختص (١٣) ببنية، ولا يلزم (١٤) بحالة، فإن (١٥) جرى شيء من ذلك على صفته، ففي عادة، لا (١٦) علة، وحالة عارضة باتفاق، من صنع الله وإرادته لا واجبة في مخلوقاته،
_________________
(١) كذا في جميع النسخ ولعل صوابه: العقل.
(٢) ج، ز: بإشرافه. (المقاصد، ص ٣٧١).
(٣) د: قال أبي.
(٤) ج، ز: البيوع، وكتب على هامش ز: ويباع بين البيوعات الفاسدة.
(٥) د: بهرت.
(٦) ب: القمر.
(٧) ب، ج، ز: عليها.
(٨) ب، ج، ز: ما هو به بهم. ومعنى غير مأموم بهم أي غير متبوعين في ذلك وليسوا أيمة يقتدى بهم في هذه المسألة.
(٩) ب، ج، ز: قرروا.
(١٠) د: سبحانه.
(١١) ب، ج، ز: بنسبه.
(١٢) ب، ج، ز: ينسبه.
(١٣) ج، د، ز: تختص.
(١٤) ج، ز: تلزم.
(١٥) د: فإذا.
(١٦) ب، ج، ز: ولا.
[ ١٦١ ]
ويخلق له علما مركبا على علم يجده (١) متساويا في ثمرته وإفادته، فيكون تجربة (٢)، فإن ظهر على أقواله وأفعاله، كان منتفعا له، [لأنه المقصود منه، وإن لم يظهر نفي عنه لوجهين، قد تقدما (٣)] في قوله - ﷺ - (٤) [و٦٠ أ]: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن" (٥)، أحدهما كمال (٦) العلم من طرفه، والثاني نفي ذاته إذ (٧) لم تظهر فائدته في تلك الحالة. فأما (٨) القول بأنه علوم ضرورية (٩) فإنما تعلق بها المتكلمون من علمائنا، لأنهم رأوا أنه (١٠) لا يبتلي الله بأوامره ونواهيه، إلا من جعل فيه، مقدمات من علومه، فتلك المقدمات، لما سماها الله عقلا، ظنوا أنه كل (١١) العقل، ولا يلزم ذلك، [لأن الله قد سماها علما فقال. ﴿إن (١٢) في] ذلك لآية (١٣) لقوم يعلمون﴾ [النمل: ٥٢] كما قال: ﴿إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون﴾ [البقرة: ١٦٤] وأما قولهم: إن النظري (١٤) قوة في النفس تقبل بها الماهية للأمور الكلية. فهو العلم السابق لا يكون بعده، ويترتب عليه، وتسميته (١٥) قوة مجاز لا معنى له، وقولهم: يقبلها كلية، والحس يقبلها جزئية. كلام فاسد، بل يقبلها جزئية تامة إلا أنه بتدريج، والحس يقبلها جزئية كرة، نعم من المحسوسات ما لا يحصل إلا كليا، وهو الأكثر، وأما قولهم: إن العملي قوة هي (١٦) مبدأ (١٧) التشوقي (١٨). فهي دعوى ما لا يوجد، وعبارة لا تفيد. أما قوة فلا معنى لقولها، وأما قوله (١٩): بتحريك القوة التشوقيه (٢٠) فكأنهم يريدون الفكر، وهو ترديد النظر في
_________________
(١) د: يحده،
(٢) د: فيتكون تجزية.
(٣) ج: سقط ما بين القوسين.
(٤) ب، ج، ز: - ﷺ.
(٥) أخرجه مسلم والبخاري.
(٦) د: + قال.
(٧) د: إذا.
(٨) د: وأما.
(٩) ب، ج، ز: علم ضرورة. وكتب على هامش ز: علوم ضرورية.
(١٠) ج: - أنه.
(١١) ب، ج، ز: كالعقل.
(١٢) في جميع النسخ: لآيات. والقراءة المشهورة لآية.
(١٣) ج: سقط ما بين القوسين.
(١٤) ب، ج، ز: النظر.
(١٥) ج: وسميته.
(١٦) ب، ج، ز: هو.
(١٧) ب، ز: مبتدأ، ج: المبتدأ.
(١٨) ب: التسوق. د: التشوفي.
(١٩) د: قوة. ج: قوله.
(٢٠) د: التشوفية.
[ ١٦٢ ]
التطلع (١)، والتشوق (٢) إلى المطلوب، وهي كلها معارف وعلوم، تجمع وترتب، لتفيد، وهو الذي يسمى النظر. وأما قولهم: إن الهيولاني (٣). هو الاستعداد، فمجاز (٤) بعيد، لأن استعداد المحل لأن يكون (٥) عاقلا (٦) يسمى عقلا، إلا مجازا بعيدا، كما تسمى النطفة إنسانا لاستعدادها للإنسانية. وأما عقلا، إلا مجازا بعيدا، كما تسمى النطفة إنسانا لاستعدادها للإنسانية. وأما قولهم في الملكي: فإنما عبروا به عما حصل من العلم، وملكة الإنسان، فهو يتوصل به، ويتوسل، إلى ما وراءه. وأما قولهم: إن الفعلي هو الذكر (٧) فلا يصح أن يسمى فعليا، لأن الذكر ليس بيد (٨) المرء لطول [و٦٥ ب] الذهول عنه (٩)، فلا يرده أبدا إليه، إلا أن يرده إليه واهبه ابتداء، أو بسبب (١٠) يخلقه له، عنده، فالشيء بالشيء يذكر. وأما قولهم: إن المستفاد هو ما لم يفتقر إلى مادة. فمعناه ما لم يحتج إلى أن يقتنص بنظر، ولا يسعى في تحصيله.
وهذا كله يبين (١١) لكم أنه علوم، بعضها يتلو بعضا ويتوالى مع البعض، لا سيما على مذهبهم في تلا (١٢)، وتوالى، على ما يفسر في موضعه.
قال القاضي أبو بكر (١٣) ﵁: وأما قولهم: في الفعال فذلك هو الداء العضال، هو المبدأ الأول عندهم الذي (١٤) عن ذاته صدر الكل، من عقل، وبسيط، ومركب، وكرة، ومربع، وحار، ورطب، وبارد، ويابس، ولكن اختاروا له العقل لشرف الاسم، دون الكثرة، وغيرها من الأسماء، فله ماهية في ذاته عندهم، وهو مادة كل ماهية، إذ يخرج الهيولي إلا الصورة
_________________
(١) ج: تكرر "التطلع".
(٢) د: التشوف.
(٣) ب، ج، ز: الهيول.
(٤) د: مجاز.
(٥) ب، ج، ز: لا يكون.
(٦) ج، ز: ولا.
(٧) ب، ج، د، ز: الفكر. وهو خطأ كما يتبين مما سبق. ومما يأتي بعده.
(٨) ج: يفد.
(٩) ب، ز: كتب على الهامش: عليه.
(١٠) ب: لسبب.
(١١) د: ينبئ.
(١٢) ب: يلي.
(١٣) د: قال أبي.
(١٤) ج: + هو. وكتب على هامش ز: هو.
[ ١٦٣ ]
والفعل، بفيضان (١) نوره عليه، لا بعلم، ولا بقدرة، ولا بإيثار، ولا بشيء من تلك المعاني الواجبة له. وقد تبين لكم أن هذه أسماء، لا فائدة تحتها، وتهويلات، لا طائل وراءها.
قال القاضي أبو بكر (٢) ﵁: فإذا تقرر أن العقل هو العلم أصلا، وتقرر بيننا وبين هذه الطائفة المتسترة بغطائنا فرعا، بنينا عليه غرضنا معهم، وقلنا لهم: إذا كان العمل هو العلم (٣)، أو نحو منه، أو صفة يتأتى بها درك العلوم، وكان الوجوب عبارة عن فعل يتعلق به الذم (٤) عندنا (٥) أو العقاب عندكم (٦)، فأي معنى يربط أحدهما بالآخر أبدا؟ وتحقيقه أن الوجوب ليست (٧) بصفة تقوم بالموجب، كسائر صفات المعاني القائمة بالذوات، وإنما هو عبارة عن لزوم الفعل لفاعله، واللزوم عبارة عن قول صدر عن الموجب اللزم، لم تحصل (٨) فيه مثنوية، ولا مكن فيه من تركه (٩)، إن كان من طريق الابتلاء، وإن كان من طريق الضرورة الآدمية [و٦١ أ] كشرب العاطش، وأكل الجائع، فهو عبارة عن استدعاء النفس فعلا، قام بذات المستدعى له، دل إليه، يذهب به (١٠)، ما قام به، أو يجلب إليه، ما ينتفع به. ومعرفة الله صفة مكتسبة بأمره، فما لم يكن منه أمر (١١)، لم يكن له وجوب، لا (١٢) سيما وهم يقولون: إن الوجوب يعرف باستحقاق العقاب، وذلك خبر عن فعل، يقع عقيب (١٣) فعل، وذلك لا يعلم إلا بالخبر، أو بالعادة، وشيء من ذلك ليس عند المكلف.
فإن قيل: قد تقدم أنه يقوم بذات المكلف خاطر بأن له ربا أنعم
_________________
(١) ج: ففيضان، د: يفيضان.
(٢) د: قال أبي.
(٣) ب: - العلم.
(٤) د: الذم به.
(٥) ب، ز: عندكم.
(٦) ج، ز: عندنا.
(٧) كذا في جميع النسخ.
(٨) د: يجعل ج، ز: يحصل.
(٩) د: ترك.
(١٠) ج، ز: كتب على الهامش: عنه.
(١١) ج: تكرر: لم يكن منه أمر.
(١٢) د: ولا.
(١٣) د: عقب.
[ ١٦٤ ]
عليه، وأن ذلك يعين شكره، ويحضر (١) خاطره، أنه إن شكره أثابه، وإن ترك ذلك استحق عقابه، فيستحثه عقله على تخليص نفسه، قلنا: هذه مقدمات (٢) فاسدة في ذاتها (٣)، فاسدة بنقصانها. أما قولهم: إنه يقوم بذات العبد، أن له ربا، فإنه كلام ملتبس (٤) ابتدئ به، وركب عليه مثله (٥)، أما تصور قيام هذا الخاطر بالقلب الفارغ عن أمثاله ففرض (٦) محال عادة، فإن العبد (٧) إنما يعقل (٨) عند نشأته منافعه الحسية، وملاذه، ووجه طرق تحصيلها بأسبابها التي تشاركه في جملتها وتفصيلها البهيمة، وغيرها، إذ كل نفس سواها ربها، وألهمها فجورها وتقواها وعبر عن المنفعة بالتقوى وهي منها، وعن المضرة بالفجور وهي منها، بحكمة عظيمة بيناها في أمالي "أنوار الفجر".
فأما النظر في الصانع وحقيقته، والخاطر على أصل الوجود وصفته، فلا ينشأ في الخاطر ابتداء في العادة بحال إلا أن يقرن بسماع أمثاله، من أشكاله، فيما هو عليه من أصل الفطرة، لتوضح (٩) الجادة التي يتفطن لها، وإنما يتصور هذا كله بعد إرسال الرسل، والتعريف بالإله، وإلزام الشكر، فشاع ذلك في ألسنة الخلق، فمن سمع بالتحقيق، فسلك الطريق، أفضى به إلى المورد، [و٦١ ب]، ومن سمع التحقيق وأخطأ (١٠) كأمثالكم الطريق، وقع في الهلكة. وقد يرى بعضهم قوما يعبدون الأصنام والحجارة، لأنها - بزعمهم - تضر وتنفع، فيرى بخاطر عارض بقدر (١١) سماوي إلهي، أنها (١٢) ليس كذلك، فيعلو بهمته إلى فوق، فيعبد الشعري العبور لضيائها، أو (١٣) القمر، أو الشمس. وقد يرى آخر أن هذا ليس بشيء، أو يسمع (١٤) أن هنالك دينا خيرا
_________________
(١) د: يحضره. ز: في الهامش: في نسخة ت يخطء.
(٢) د: مقامات، ج، ز: منامات. وكتب على هامش ز: عله: مقدمات.
(٣) د: - فاسدة بذاتها.
(٤) د: ملبس.
(٥) ج: تكرر: أنه يقوم بذات العبد أن له ربا.
(٦) د: فعرض.
(٧) ب، ج، ز: المرء.
(٨) ج، ز: يفضل.
(٩) د: يتوضح. وكتب على هامش ب، ز: فتوضع.
(١٠) ج: وأخلصه.
(١١) ب: - بقدر.
(١٢) د: أنه.
(١٣) ج: - أ.
(١٤) ب، ج، ز: سمع.
[ ١٦٥ ]
من هذه الأديان، فيخرج في طلبها، فيسمع كلاما ممزوجا فيقبله، أو يعرض عنه، وينتظر سواه، وقد سمعنا حال قس (١)، وورقة (٢)، وكلام لبيد (٣)، والأعشى في التوحيد، والنابغة، وذلك كله بأطراف من التوحيد، كانت تتعلق بهم، مما بقي بأيدي أتباع الأنبياء ﵈ من مقدمات الملل (٤). وأما قولهم: إنه يرى أنه يلزمه (٥) شكره، فبأي (٦) شيء يرى ذلك؟ إن قلتم: إنه ينشأ له ضرورة فيلزم وجوده في جميع الخلق، لاشتراكهم في الضروريات (٧)، أم يخطر له نظرا، فإن كررتم النظر الأول، فقد تقدم التقصي (٨) عنه وإن قلتم: إنه يحمله على المنعمين من الخلق فما أفسده من نظر! كيف يشبه (٩) أو يقاس، من لا يجوز عليه الحظ، ولا يتعلق به النفع، والضر، ولا تقوم به اللذة، ولا يتكثر بالقلة، ويطلب العوض، على ما تناله (١٠) الرغبة في (١١) الحظوظ (١٢)، واللذة، بالأسباب والتكثر من القلة، ويطلب العوض؟ و(١٣) هذا تشبيه فاسد، وبهذا انطلقت صفة التشبيه على الطوائف كلها، خلال أهل السنة. وزادت هذه الطائفة بأنها (١٤) عطلت في الصفات، وشبهت في الأفعال، فانسلت عن ربقة التوحيد.
_________________
(١) قس بن ساعدة توفي نحو ٢٣ ق هـ/ ٦٠٠ م وهو حكيم عربي وأسقف نجران وكان يزور قيصر الروم ويتصل به (البيان والتبين للجاحظ، ج١ ص ٢٧. الأغاني، ج ١٤ ص ٤٠، الأعلام، ج ٦ ص ٣٩).
(٢) ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى توفي نحو ١٢ ق هـ/ ٦١١ م وهو نصراني وحكيم جاهلي اعتزل الأوثان وقرأ كتب الأوائل (الأعلام "ورقة". الروض الأنف، ج١ ص ١٢٤ - ١٢٧).
(٣) لبيد بن ربيعة العامري توفي سنة ٤١ هـ/٦٦١ م يعتبر من الصحابة (خزانة الأدب للبغدادي، ج٣٣٧ - ٤٤٩. Brock ١ - ٢٣، SI: ٦٤) .
(٤) ب: الملك.
(٥) ب، ج، ز: يلزمهم.
(٦) ب، ج، ز: فأي.
(٧) ب، د: الضرورات.
(٨) ج، ز: التفصي.
(٩) ب، ز: يتشبه.
(١٠) ب: ما شأنه، د: من شأنه.
(١١) ب: - في.
(١٢) ب: الحظوضة.
(١٣) د: - و.
(١٤) ج: فإنها.
[ ١٦٦ ]
وأما ذكرهم في الخاطرات (١) أنه إن شكر استحق ثوابه فما سبب هذا الاستحقاق؟ هل نفس الفعل (٢)؟ فهذا محال من طريق النظر، لأن الشكر جزاء نعمة، فكيف [و٦٢ أ] يستحق الجزاء على الجزاء؟ وإن كان إنما يستحقه بالخبر منه عن ذلك - وتقدير سواه محال - فالقول به (٣) محال لأنه لم يكن هنالك بعد مبلغ للخبر. وأما قولهم: إن قصر استحق عقابه. فما لم يكن سبيل إلى استحقاق الثواب (٤) لا يتصور معه استحقاق العقاب، لاتحاد الطريق.