قال القاضي أبو بكر (٨): قال لي أبو علي الحضرمي بالثغر: ليس هذا مذهبا لأحد، وإنما أوردته الملحدة، من (٩) الخرمية (١٠) والباطنية، تشكيكا، وتشغيبا، وإلا فهم مقطوعون في أول كرة، بالطريقة التي افتتح بها العلماء
_________________
(١) ج: وما.
(٢) ج: النظرين. ز: نظرين.
(٣) ب، ج، ز: دليلان.
(٤) ب: ترجح.
(٥) ب، ج، ز: - عنه.
(٦) ب: ولاسيما.
(٧) ب، ج، ز: - مثلا.
(٨) د: قال أبي ﵁.
(٩) ج: - من.
(١٠) ب، ج، ز: الحرمية. د: الخدمية. وصوابه: الخرمية كما أثبتنا.
[ ٣٩ ]
تصانيفهم، ونقول لهم بعد ذلك: هذا الكلام، تطردونه في الأعمال والعقائد، أو تقصرونه؟ (١) فإن طردوه في الأعمال والتصرفات، وطلب المعاش (٢)، فكلها نظري، لا ضرورة فيه قطعا، أو قصروه (٣) على الاعتقادات الباطنة، قيل لهم: الأعمال التي سلمتم (٤) جريان النظر فيها، إنما ترتبط بالعقائد، لأنها تنعقد أولا، ثم ترتب بالنظر، ثم يبرز العمل ما انعقد من ذلك واستقر، فدل ذلك على صحة النظر، فإذا (٥) صح النظر فيها، لإفادته، دل على صحة النظر في الاعتقاد وحده.
فإن قيل: علمنا صحه النظر في الأعمال بالعثور على المقصود قطعا، أو بالخطأ فيه قطعا، قلنا: عنه جوابان: أحدهما (٦): إن الذي قدم النظر في الاعتقاد أولا، هو رجاء الحصول، كذلك في مسألتنا، ثم يكون بعد ذلك العثور على شيء أو عدمه (٧)، نظرا (٨) آخر (٩).
الثاني: أنا كذلك نعثر على المطلوب، بالنظر في باب الاعتقاد، والسقوط عنه، وليس يلزم أن يستوي النظر (١٠) في (١١) العقائد، كما لم (١٢) يلزم (١٣) أن يستوي النظر في الأعمال، فإن منها ما يبدو قريبا، ومنها ما يبعد، ومنها ما يقع العثور فيه على المطلوب، ومنها ما يخطئ (١٤)، ويعلم أنه من تقصير، ومنها (١٥) ما يشكل عليه فيتوقف، ولا يعترض ذلك على أصل النظر، في
_________________
(١) ج: وتقصرونه.
(٢) د: المقايس.
(٣) ج: وقصروه.
(٤) د: سلبتم.
(٥) د: وإذا.
(٦) ج: بياض مكان "إحدهما".
(٧) ب، ج، ز: بياض بعد "عدمه" بقدر كلمة. وكتب في بياض ز: صح.
(٨) ب، ج، ز: نظر، وبعده بياض بقدر كلمة. وكتب في بياض ز: صح.
(٩) ب، ج، ز: بياض بعد "آخر" بقدر كلمة. وكتب في بياض ز: صح.
(١٠) د: النظران.
(١١) د: + الأعمال.
(١٢) د: - لم.
(١٣) ب: - أن يستوي النظر في العقائد كما يلزم. وكتب على الهامش: (والعقائد كما يلزم أن يستوي النظر في الأعمال) ولعل الصواب: "في العقائد" بدل "والعقائد". كما اقترح ابن باديس.
(١٤) د: يخصى.
(١٥) د: منه.
[ ٤٠ ]
الأعمال بالإبطال [و١٥ أ]، وقد يقال: أنتم إنما مقصدكم ترك (١) النظر، حتى لا يكون ابتلاء ولا وظيفة (٢) ولا يقبل من نبي قول، لأنكم لم تقدروا على تحقيق ذلك، فنبذتموه، فأنت - كما قلت لمن حظر (٣) - إذا نظرت في الكيمياء عمرك وقد سمعت بعدها أو فقدها، فلم يقطعك ذلك عنها، وكذلك أنت الذي خرجت تطلب الكنوز في القبور، وفي المواضع التي ترجوها فيها، أو لا ترجوها، ويأتيك المنجم، فيقول لك ربعت هذه البقعة فاقتضت الطوالع أن فيها مالا (٤) فغدوت تعني (٥) قلبك وبدنك فيها ومالك، بأي المحسوس أدركت ذلك؟ هل فعلته إلا بنظر أصله طمع؟ فكيف لم تنظم (٦)، في (٧) أوليتك ومن أولك و(٨) وأخرك، ومن صورك وقدرك؟.
وهذا الغرض (٩) لا تحتقره (١٠)، فإنا قد رددنا به عن الباطل، من (١١) اعتقده، وافهموا أنكم إذا أردتم أن تيقنوا (١٢) مشككا، أو تدلوا (١٣) حائرا، لم يكن فيه شيء أنجع، من أخذه من بابه، وهذه سيرة الله في أدلته مع أوليائه لأعدائه، وسنة أنبيائه في أنبائه.
وأما مسألة الحذاء، فإنما وقع الخطأ فيها، بتقصير الحذاء، في ضبط المثال، وإلا (١٤) فلو ارتبط لتحصيله، ولم يعجل في تحصيله، لكان السابع كالأول، وقد جربناه فوجدناه، ولكنه (١٥) إذا حذا قصر، فلا يظهر التقصير الأول لخفائه، ولا الثاني حتى ائتلف الخطأ على المخطى فيه، جاء محسوسا،
_________________
(١) ب، ج، ز: - ترك.
(٢) ب، ج: وضيفة. والوظيفة في اللغة تطلق على العهد والشرط. (القاموس المحيط).
(٣) ج، ز: حضر. د: خطر. والمقصود من يحرم النظر في الكيمياء.
(٤) ج: فيها أن ما لا. وإشار الناسخ إلى أن في الجملة تقديما وتأخيرا، فوضع حرف (خ) على "فيها" وحرف (ق) على"أن".
(٥) ب، ج، ز: تفنى.
(٦) ب: من ينظر، ج، ز: لمن ينظر.
(٧) ب: - في.
(٨) ب، ج، ز: أو.
(٩) ج، ز: الفرض.
(١٠) ب، د: لا تحقره.
(١١) ج، ز: + قد.
(١٢) ب، ج، ز: توقنوا.
(١٣) ب، ج: وتدلوا.
(١٤) ب، ج، ز: أولا.
(١٥) ج، ز: ولكن.
[ ٤١ ]
كالجوهر، فإذا ائتلف صار محسوسا، ولو فككت الجسم لانتهى إلى حد، يفوت الآلات، حتى ينتهي إلى حد، يفوت الحس، وهو معقول، حتى ينتهي إلى حد، تقف التجزية (١) عنده عقلا بالدليل حسبما بيناه في كتب (٢) الأصول.
قال القاضي (٣): وقد رأى هؤلاء المحرومون [و١٥ ب] أن النظر في علم الكلام، متفاوت في الجلاء والخفاء، حتى لقد بينت (٤) لبعضهم، في طريق الجدال تارة والإرشاد أخرى، إذا قال الرجل: اثنان في اثنين كم يكون مجموعهما؟ فيقال أربعة. فيعيد السؤال عليه في الأربعة، فيقول له: ستة عشر، ثم يعيد حتى ينتهي إلا أعداد مركبة، يفتقر فيها إلى أعمال الفكر، وربما لم يصب (٥) فيها إلا بعد لأي، وكذلك لو قال: أربعة ونصف، ثم يقول له: أربعة (٦) ونصف، ونصف (٧) وثمن، ثم يقول له: أربعة ونصف، ونصف و(٨) ثمن، وربع ثلاثة أجزاء من ثمانية وتسعين، رأى نفسه في إشكال طويل فيضره ذلك (٩)، ولكنه يبرز الوجه فيه (١٠) بتفكير (١١).
وإذا دخل في استخراج المجهول من المعلوم افتقر إلى نظر طويل، فيضجره ذلك، ويتركه (١٢)، حتى إذا احتاج إلى قسمة حقل، أو دار، على فرائض مختلفة، لجأ إلى سواه، واستغاث بغيره، وبذل له (١٣) ما له فيه، ونزل الدنية من الجهل، والاستجداء (١٤) إلى من هو دونه، فإن كان ذلك محتاجا ظهر عليه بما له، واشترى منه علمه، وإن كان غنيا، ترفع (١٥) عنه حتى يخضع له، فإن قال: هذا وإن كان كذلك فإنه (١٦) يفضي إلى يقين، قلنا له:
_________________
(١) ب، ج، ز: التجربة.
(٢) د: كتاب.
(٣) د: قال أبي ﵁.
(٤) د: بنيت.
(٥) د: تصب.
(٦) ب: - ثم يقول له أربعة.
(٧) د: - و.
(٨) د: - و.
(٩) ب، د: - فيضره ذلك.
(١٠) د: فيها.
(١١) ب، ج، ز: التفكير.
(١٢) ج، ز: طول فيضجره ذلك ونبركه. ب: كتب على الهامش وسقط في المتن.
(١٣) د: - له.
(١٤) د: الاستخذاء.
(١٥) ج، ز: يرفع.
(١٦) د: - فإنه.
[ ٤٢ ]
كذلك (١) النظر في العقائد الدينية يفضي (٢) إلى يقين.
فإن قال: فلم اختلف الخلق فيه؟ قلنا: ليس خلاف من خالف في الحق مبطلا له، إنما علينا أن نعرض عليه الفصول في الأصول (٣)، حتى يقف على فائدة الدليل، ونحن نقرر لكم، فنقول: إن معظم اختلاف النظار بالحقيقة، في العقائد، ليس (٤) اختلافهم (٥) في القواعد، وإنما ذلك لعسر الطريق (٦)، وكثرة العوائق، وكلال الخاطر، وضعف الهمة (٧)، وقلة الرغبة، واحتقار الفائدة، وإحدى هذه تبطل الأرض، وإن الله شاء ببالغ حكمته، ونافذ قدرته، أن يجعل الخلق فريقين، كما بينا [و١٦ أ]، ويقسمهم إلى الهدى والضلال، وقسم علمه فيهم إلا الجلي (٨) الطريق والخفي (٩) الطريق، ووضعه درجات، ليظهر شرف علمه، ولينزل كل أحد منهم في درجة، حتى يتفاضل (١٠) الخلق، كما كتبه لهم، وأراده منهم، وإلا فأي دليل لم يوصل إلى مدلول؟ ﴿قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين﴾ [النمل: ٦٤]. والنظر في التفصيل، يبين التحصيل، وهذا كله مجاهدة على الدين، وحيل (١١) في هدم قواعد الشرائع، من الإباحية والتعطيلية (١٢).
_________________
(١) ج، ز: - كذلك.
(٢) د: تفضي.
(٣) ب، د، ز: الوصول.
(٤) د: - ليس.
(٥) د: لاختلافهم.
(٦) د: النظر.
(٧) ب: المنة.
(٨) ص، ز: أجلى.
(٩) ج، ز: أخفى.
(١٠) ج، ز: تتفاضل.
(١١) ب: حيد.
(١٢) ج: والتعصيلية.
[ ٤٣ ]