فتلقفت جميع ذلك ووعيت، وأنا إلى أصل الأخذ ناظر، وعلى أعطافه بالتفكر مائل (٥)، والذي (٦) تحرر بعد تحرير الافتكار في سبيل النظر والاعتبار أن الصريح عام في الدين، به جاء البرهان، وعليه دار البيان، فلا يجوز أن يعدل بلفظ عن صريح معناه إلى سواه، فإن ذلك تعطيل (٧) للبيان، وقلب له إلى الإشكال (٨)، فإذا تقرر الصريح في نصابه، فالإشارة بعد ذلك إلى الأمثال والأشباه، والتنبيه (٩) لوجه التشبيه (١٠)، أصل عظيم في العقل، وباب متسع في الدين، وسبيل واضحة (١١) في الشريعة، فإن كانت في الأحكام فهو باب
_________________
(١) ج: فرعها.
(٢) ج، ز: أشارقة.
(٣) ب: منع. ج، ز: طلع. ومعنى متع النهار: ارتفع قبل الزوال (القاموس المحيط).
(٤) ب: للطالب.
(٥) ب، ج، ز: قابل.
(٦) د: فالذي.
(٧) ج: تفصيل.
(٨) ز: كتب على الهامش: قف وتأمل في جواب هذا العلامة، فلله دره ما أدق فهمه. وما أعلمه وأقدره على الحجاج، في أنه لا يجوز أن يعدل بلفظ صريح معناه إلى ما سواه.
(٩) ج: التشبيه. د: التنبه.
(١٠) د: التنبيه.
(١١) د: واضح.
[ ١٩٦ ]
القياس، وإن كانت في التذكير والوعظ، فالعبرة مباحة، وإن كانت في التوحيد ولم يذكر في معرض المثل، فهي على حقيقتها [و٧٣ ب]، لاحظ فيها لغير (١) التنبيه بقدرة على قدرة، وبتقديس (٢) على تقديس (٣) وإن (٤) ورد على طريق المثل، فقد مهدت قاعدته، ومضى على محتملاته، قال الله تعالى: ﴿وضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون﴾ [الزمر: ٢٩] فتولى هو ضرب المثل لنفسه، ونهانا نحن أن نضرب له من قبل أنفسنا، فقال: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال، إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ [النحل: ٧٤] وإن نبهت (٥) في المواعظ والتذكير، فذلك مع اجتناب الغلو، وتوقي الإفراط، حتى يعود ذلك بزيادات لا تلزم، أو (٦) ينقلب الحال (٧)، فيجعل المذكور تبعا، والمنبه عليه أصلا، والمشار إليه مقصدا (٨)، وأنا أضرب لكم في ذلك ثلاثة أمثال:
المثال (٩) الأول: الآية المتقدمة: ﴿ضرب الله مثلا رجلا﴾ قيل (١٠) هو الكافر، وقيل هو الصنم، وقيل هو العاصي، وقيل هو المقبل (١١) على الدنيا. ﴿فيه شركاء﴾ قيل الآلهة (١٢)، وقيل الشياطيين. و﴿متشاكسون﴾: مختلفون (١٣). و﴿رجلا﴾: قيل المؤمن، وقيل المطيع، وقيل المقبل (١٤) على الله دون الدنيا (١٥)، وقوله (١٦): ﴿سلما (١٧) لرجل﴾: لله بالإيمان (١٨) لله بالطاعة، بالإعراض عن غيره، ﴿هل يستويان مثلا﴾ فالرجل الأول ضربه الله (١٩) مثلا للكافر، في قول،
_________________
(١) ج: بغير.
(٢) ب، ز: تقدس. وكتب على هامش ز: وتقديس.
(٣) ب، ز: تقدس.
(٤) ب، ج، ز: فإن.
(٥) ب، ج، ز: شبهت. وكتب على هامش ب، ز: تنبهت.
(٦) ب: - أ.
(٧) ب، ج، ز: المحال.
(٨) د: مقصودا. وكتب على هامش ب، ز: مقصودا.
(٩) ج، ز: المثل.
(١٠) د: - قيل.
(١١) د: كافر، صنم، عاص، مقبل.
(١٢) برة الإلآهية. د: - قيل.
(١٣) د: - مختلفون.
(١٤) د: المؤمن، المطيع، المقبل.
(١٥) ب، ج، ز: - دون الدنيا.
(١٦) ب، د: - وقوله.
(١٧) د: سالما.
(١٨) ب، ج، ز: - لله بالإيمان.
(١٩) ب، ج، ز: - الله.
[ ١٩٧ ]
وللصنم في آخر، وللعاصي (١) في ثالث، وبالإشارة (٢) إلى مقبل على الدنيا في رابع، وقوله: ﴿فيه شركاء﴾ قيل الآلهة تدعيه، وقيل الشياطين، وقوله: ﴿ورجلا سلما لرجل﴾: قيل هو مثل للمؤمن، وقيل: للمطيع (٣)، وقيل في الإشارة للمقبل (٤) على الله، للمعرض عن الدنيا، ولا إشكال في أن المثل المضروب للمؤمن والكافر (٥)، فهو الأصل الذي بعث لأجله (٦) النبي - ﷺ - (٧)، والداء العضال، والطاعة والمعصية منه، والإقبال على الله والإعراض عن الدنيا، وإن كان معنى صحيحا، فإنا لا نمطع (٨) على أن الآية سيقت له، ولا ينبغي أن يكون مرادا بها، ولكننا نقول: إن الأدلة المنصوصة من القرآن، والسنة، قد جاءت فيه، فلا نفتقر إلى (٩) أن نقول: من ها هنا [و٦٤ أ]، نأخذه، فإنه لا خلاف بين الأمة في أن المسألة إذا وجد جوابها، وظهر حكمها صريحا في دليل، لا يطلب بالتضمين (١٠) من غيره.
المثال الثاني: قالوا إن: قوله تعالى: ﴿فاخلع نعليك﴾ [طه: ١٢]، الإشارة فيه إلى خلع الدنيا والآخرة من قلبه (١١)، وقيل تنق (١٢) من (١٣) نوعي أفعالك. وقالوا: في قوله: ﴿ألق عصاك﴾ [النمل: ١٠] أي (١٤) لا يكون لك معتمد، ومستند (١٥) غيري.
قال القاضي أبو بكر ﵁ (١٦): هذه إشارة بعيدة أو قل معدومة، فإنها إلى غير مشار (١٧)، و(١٨) ما أمر بطرح النعل إلى لأحد وجهين:
_________________
(١) ب، ج، ز: العاصي.
(٢) ب، ج، ز: الإشارة.
(٣) ب، ج، ز: المطيع.
(٤) ب، ج، ز: المقبل.
(٥) د: للمؤمنين والكفار.
(٦) د: لأصله.
(٧) د: - ﷺ.
(٨) د: فإنه لا يقطع.
(٩) د: - إلى.
(١٠) د: بالتضمن.
(١١) ب: قبله.
(١٢) د: تنز.
(١٣) ب، د، ز: عن. وكتب على هامش د، ز: من.
(١٤) د: أن.
(١٥) د: معتمدا ومستندا.
(١٦) د: قال أبي.
(١٧) ج، ز: منشأ.
(١٨) ب، د: - و.
[ ١٩٨ ]
إما لأنهما كانا من جلد غير (١) مذكى كما روي عن ابن مسعود (٢)، أو لئلا يطأ الأرض المقدسة بنعل تكرمة لها، كما لا يدخل الكعبة بها، وقال الطبري (٣): لو صح حديث ابن مسعود، لقلت به ولكن أمر بذلك كرامة، قال القاضي أبو بكر (٤) ﵁: ولو كانا (٥) من جلد حمار ميت، لم يكن في ذلك درك، لأن الشرع بعد لم يكن قد بلغه، وقد قيل في شرعنا يجوز الانتفاع بجلد الميتة قبل الدباغ، فأما تفريغ قلبه فعند سماع كلام الله يفرغ (٦) ضرورة، ألا ترى أن النبي (٧) إذا سمع كلام جبريل ﵉ (٨) معه في الوحي لا يبقى له فراغ لغيره، فكيف مع سماع كلام الله؟ فهذا معلوم، و(٩) لا يحتاج إليه بعبارة، ولا بإشارة، وهي حكمة شاذة وإشارة إلى برودات، أو إلى (١٠) تعطيل بحسب المقاصد. وأما إلقاء العصا فقد بين الله تعالى (١١) الفائدة فيه، ومن يعتمد على عصا من طول القيام يقال له: إنه على غير الله يعتمد؟ هذه خرافة، فدع عنك نهبا صيح في حجراته، وعول على كتاب الله ومعلوماته.
المثل الثالث: قال أصحاب الإشارة: قول النبي - ﷺ - (١٢): "لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة" (١٣) فبين النبي أن الملائكة تتنزه عن دخول (١٤) بيت فيه كلب من الحيوان، أو صورة [و٧٤ ب]، من التماثيل، وهذا حث على إبعادها، وحض على تفريغ البيوت منها، لتتمكن الملائكة من الدخول إلى
_________________
(١) ب، ج، ز: من غير جلد.
(٢) عيد الله بن مسعود الهذلي توفي سنة ٣٢هـ/ ٦٥٣م.
(٣) أبو جعفر محمد بن جرير الطبري المؤرخ المفسر المجتهد توفي سنة ٣١٠هـ/ ٩٢٢م.
(٤) د: قال أبي.
(٥) ب، ج، ز: كانتا.
(٦) د: تفرغ.
(٧) د، ز: + ﷺ. د: + كان.
(٨) ز: ﵍.
(٩) د: - و.
(١٠) ب، ج، ز: - إلى.
(١١) د: - تعالى.
(١٢) د: ﵇.
(١٣) أخرجه الترمذي في صحيحه بشرح أبي بكر، ج١٠ ص٢٤٧.
(١٤) ب، ج، ز: - دخول.
[ ١٩٩ ]
البيوت، لا أمرت به فيه من إحصاء أعمال أ (١) واحتياط على بدن، أو مال، أو بركة تنزلها على ذي المنزل، أو رسالة تؤديها إليه، إذا كان لها صاحبا، وذلك، مخصوص بالرسل، ومنهم (٢) جاء أصل الحديث، وبعد تقرير هذا فهو تنبيه على تطهير القلوب عن الحسد والحقد، والغضب، والبخل، والخديعة، والمكر، وسائر الصفات الذميمة فإنها تمنع من الأعمال الصالحة (٣) بالتنفير (٤) لها، والإقصاء (٥) لأسبابها. ما تفعله الكلاب في منازلها، والقلوب منزل للملائكة، ومعدن الإيمان، ومحل التقوى، وهي بين أصبعين من أصابع الرحمن، وذلك عبارة عن الملائكة المدبرة لها. وإذا طهرت المنازل الحسية، عن أجسام الكلاب الحسية (٦) فتنزيه القلوب عن صفات المكروه أولى، فنقر (٧) الحديث على ظاهره ونعبر (٨) منه على طريق الاعتبار، إلى هذا المعنى المشار إليه فنلحقه به، ونكون عاملين بالوجهين، موفين حق اللفظ في المعنيين. وهذا حكم الاعتبار والإلحاق.
قال القاضي أبو بكر (٩) ﵁: هذه قدحة خاطر، ولمحة ناظر، لا يحتاج إليها، وأصلها إنما (١٠) هو من القوم الذين قدمنا شأنهم في تعطيل الشرائع، وإن كل ما جاء منها وجرى في ألفاظها، ليس على ظاهره وإنما هو كله مبني على التعبير (١١) عن باطن سواه، وغرض آخر غيره، على معنى الكتابة والرموز، فأراد هذا القائل أن يتوسط، فذكر (١٢) ذلك على هذا الوجه، وهو معنى فاسد من وجهين، أحدهما أنه يكاد يقطع بأن هذا لم يكن مقصودا للنبي ﵇ (١٣). الثاني: أنا (١٤) قد وجدنا التصريح بتطهير القلوب، عن هذه
_________________
(١) ب، ج، ز: - أ.
(٢) د: فيهم.
(٣) د: الصالحات.
(٤) ج: بالتغيير.
(٥) ب، ج، ز: الإفضاء.
(٦) ب: - على أجسام الكلاب الحسية.
(٧) ج، د، ز: فيقر.
(٨) ج، ز: يعبر.
(٩) د: قال أبي.
(١٠) د: - إنما.
(١١) ب: التغيير.
(١٢) ج: يذكر.
(١٣) ب: - ﵇، ب، ز: + ﷺ.
(١٤) د: إنه.
[ ٢٠٠ ]
الصفات الذميمة كلها [و٧٥ أ] منصوصا عليه، فما الذي يحوجنا إلى (١) أن نأخذه على بعد من لفظ آخر بمعنى من (٢) الاعتبار يبعد أو يقرب. هذا من الفن الذي لا يحتاج إليه، وإنما هو (٣) احتكاك بتلك الأغراض الفلسفية، وهي عن منهج (٤) الشريعة قصية، كادت بها الدين طائفة خبيثة، وقولهم: إن السلف كانوا ينبطون (٥) مثل هذا المعنى فغير مسلم، إنما (٦) كانوا يستدلون بالتنبيه العرفي (٧)، أو الذي يقتضيه اللفظ من جهة اللسان. فأما الاعتبار بالمعنى الباطن الذي يجري مجرى الرموز، فلم تفعله (٨) قط، ولا يوجد (٩) في أغراضها من طريق (١٠) صحيحة. وأما قولهم: إن هذا هو المقصود في الشريعة من التأديب والإصلاح، فكلا، إنما أدبت، وأصلحت الخلق، بما أذنت (١١) به، وصرحت، وما اقتضاه لسان المخاطبين. وأما حديث عمر ﵁ (١٢) فأصل صحيح، فإن الناس ما زالوا قديما وحديثا بأغراضهم الفاسدة، يقلبون القرآن، ويبدلون ما سمعوا من النبي ﵇ (١٣) كما قال عنهم: ﴿يحرفونه من بعد ما عقلوه﴾ [البقرة: ٧٥] وكانوا يقولون للنبي ﵇ (١٤): ﴿راعنا﴾ [البقرة: ١٠٤] وأنتم ممن يبدل كلام الله (١٥)، ولا تتأولونه (١٦) كما يجب، وتضعونه في غير موضعه، ففهمها (١٧) من خوطب بها عنه، وقد أوضحناها (١٨) في "أنواو الفجر" وفي "قانون التأويل" بنهاية البيان.
وأما الذي ذكروه (١٩) من الآية التي في قوله: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله﴾ [البقرة: ١١٤] فقد تقدم الجواب عن (٢٠) مثله، فإن المراد به
_________________
(١) ج، ز: - إلى.
(٢) ج، ز: - من.
(٣) ج: - م.
(٤) ب؛ نهج.
(٥) ب، ج، ز: يبطنون. ومعنى نبط: استخرج، ومنه استنبط.
(٦) ج، ز: أن.
(٧) د: العربي.
(٨) ج، ز: يفعله.
(٩) ب، ج، ز: يؤخذ.
(١٠) د: طرق.
(١١) ب، ج، ز: أدبت.
(١٢) د: - ﵁.
(١٣) ب، ج، ز: - ﵇.
(١٤) ب، ج، ز: - ﵇.
(١٥) د: + ﷿.
(١٦) ج: تتناولونه.
(١٧) ب: فقهها.
(١٨) د: أوضحنا هذا.
(١٩) د: ذكره.
(٢٠) ب: عنه.
[ ٢٠١ ]
المساجد ذوات الساحات المتخذة للصلوات، وقلوب المؤمنين معروف حالها، مبينة بأكثر من هذا البيان، في مواضعها، ولا يحتاج (١) إلى ذلك فيها، ولا يدل ذلك اللفظ عليها، وكذلك القول في آية الشرق والغرب هو نص [و٧٥ ب] في الجهات، وما تتردد (٢) عليه أحوال القلوب، ويجري في خواطر الصدور، معلوم بدليله، منصوص في كثير من آي توحيد القرآن كقوله: ﴿إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير﴾ [الملك: ١٤] فأخبر (٣) أنه كله من خلق الله، وأنه به عالم، فهو لله خلق، وقد يكون له تصديقا، وقد يكون به تكذيبا، وقد يكون له محمودا، وقد يكون منه مذموما، وهذا كله له خلق (٤)، وقضاء وقدر، وقد دللنا عليه في موضعه، وأفسدنا قول إخوانهم (٥) القدرية، الذين اتفقوا معهم على هذه البلية (٦).
وأما نازلة الخليل ﵇ فهو خطب عليهم جليل، وأمر عندنا شريف جليل، وقد بيناها في التفسير، ونكتة القول فيها أن شأن إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه (٧)، كما شرح (٨) المفسرون ليس فيه قطع بصحة، ولا دفع ممكن، وبعد سردها اختلف العلماء في المعنى على أربعة أقوال:
الأول: ﴿هذا ربي﴾ في ظني، لأنها حال نظر واستدلال.
الثاني: أنه اعتقد ذلك.
الثالث: أنه كان طفلا.
الرابع: أنه قالها (٩) منكرا لعبادة (١٠) الأصنام على قومه. فأما من قال: إنه قالها في حال النظر والاستدلال، فليس طريق من طرق النظر يفضي في
_________________
(١) ب، ج، ز: نحتاج. د: - و.
(٢) ب، ج، ز: يتردد.
(٣) د: وأخبر.
(٤) د: وهو كله خلق.
(٥) ج: أخواتهم.
(٦) ب: كتب على الهامش: هذا نصف الكتاب.
(٧) ب: ﵇.
(٨) ب، ج، ز: شرحها: وكتب على هامش ب، ز: شرحه.
(٩) ب: قاله. ج، ز: قال.
(١٠) ب: عبادة.
[ ٢٠٢ ]
ابتدائه، ولا في انتهائه، ولا في أثنائه، إلى أن الكوكب (١) رب مدبر (٢) ولو وقع النظر بالناظر على أنه (٣) مدبر، ما أزاله (٤) منه أنه آفل، لأنه يظن (٥) أنه ربما كان تدبيره وربانيته في أفوله وطلوعه (٦).
وأما من قال: إنه اعتقد ذلك، فكذلك يلزمه ما قدمناه في حال النظر والاستدلال المتقدمة. وقول من قال: إنه كان طفلا حين خروجه من الغار الذي خبأته أمه فيه، خوفا من القتل عليه، فأخبر (٧) بذلك عن بشاعة (٨) قصور النظر، إن كان نظرا (٩)، أو عن فساد الاعتقاد إن كان لذلك معتقدا. وأما قول من قال: إنه كان منكرا، [و٧٦ أ]، فصحيح حسن، فإن إبراهيم بعثه الله (١٠) بين قوم عامة، يعبدون الأصنام التي ينحتون (١١)، فإن (١٢) تخصص منهم أحد، تعلق بالعلويات، ورأى أنها أشرف من هذه الأرضيات، في ظاهر الحال، فخرجت الخواطر الحائرة (١٣)، بالمقادير (١٤)، فكل (١٥) أحد إلى كوكب، وقمر، وشمس، وكان منهم خاصة، يرون أن هذه الكواكب الزاهرة، في الأفلاك الدائرة، هي الفعالة، ويرجعون إليها بعبادتهم وتقديسهم، وطلباتهم، فلما اصطفاه الله بخلته، وأدبه (١٦) بتكرمته، ورباه بتربيته لأوليائه، وأنبيائه (١٧)، بأن كره إليهم الأباطيل، وطهر نفوسهم عن الأضاليل. وهذا يقين (١٨)، فإنك قد ترى، وسمعت، بأن القلوب تختلف في الاعتقادات، فإذا كان هنالك من يربأ بنفسه عن باطل، إلى آخر، يرى أنه
_________________
(١) ج، ز: الكواكب.
(٢) ب: - مدبر.
(٣) ج، ز: إله.
(٤) ج، ز: آرا له.
(٥) د: - يظن.
(٦) د: طلوعه وأفوله.
(٧) د: فاحترز.
(٨) ج: شباعة.
(٩) ج: عن نظر.
(١٠) ج، ز: - الله.
(١١) ج، ز: يتخذون.
(١٢) د: فإذا.
(١٣) د، ج، ز: الجائزة. وكتب على هامش ز: عله: الحائرة.
(١٤) د: بالمقادر.
(١٥) ب: كل، ج، ز: بكل.
(١٦) د: وأذنه الله.
(١٧) د: لأنبيائه وأوليائه.
(١٨) ب: بقبن. ز: بيقين.
[ ٢٠٣ ]
أشرف منه، يدركه (١) بفكره، فكذلك (٢) فاعلم أن الله يطهر من يشاء من عباده، فيستله (٣) ويصطفيه، فيكون سلالته ومصطفاه، ولا يمكن من قلبه إلا الحق، وأنشأه على أكمل صفة، بين أنقص قوم، كشف (٤) له عن ملكوت السموات والأرض، وأراه تدبير الجملة والتفصيل، وجرد له أديمهما (٥)، حتى (٦) أدرك لئيمها (٧) وكريمها (٨)، وخيرهما (٩) وشرهما (١٠)، واطلع في جملة ذلك على الشمس، والقمر، والنجوم في السموات، والجبال، والشجر، والبحار في الأرض، ليكون (١١) من الموقنين. وبعد هذا (١٢) ذكر (١٣) ما جرى له في الكواكب بقوله (١٤) جل وعز (١٥): ﴿فلما جن عليه الليل﴾ [الأنعام: ٧٦] فأخبر (١٦) أن ذلك كان بعد اطلاعه على الملكوت، وهو تصريف المخلوقات من الملك بحكم الملك المطلق، وبطل أن يكون ذلك ظنا (١٧) واعتقادا، ووجب أن يكون احتجاجا، فقال لقومه جميعا أو (١٨) أشتاتا: ﴿هذا ربي﴾ إما على التنزيل في المناظرة والتقدير (١٩) ليرتب عليه ما بعده من الدليل. وإما على طريق الإنكار، والأول أقوى في طريق (٢٠) النظر، وأظهر، بما (٢١) يدل عليه الكلام في الآية فلما أفل [و٧٦ ب] قال للمتكلم معه: ﴿لا أحب الآفلين﴾. تقدير (٢٢) الكلام: أنه قد ذهب، وأنت تسجد له، إذا طلع، ولا تسجد له إذا
_________________
(١) د: يدرك.
(٢) ب، ج، ز: وكذلك.
(٣) د: فيسله.
(٤) هذا جواب فلما اصطفاه الله. وما بين ذلك جمل معترضة كما نبه إلى ذلك الشيخ ابن باديس.
(٥) ب، ج، ز: أديمها.
(٦) ز: ختى.
(٧) ب، ج، ز: لئيمها.
(٨) ب، ج، ز: كريمها.
(٩) ب، ج، ز: خيرها.
(١٠) ب، ج، ز: شرها.
(١١) د: لتكون.
(١٢) د: ذلك.
(١٣) ج، ز: - هذا ذكر.
(١٤) د: لقوله.
(١٥) د: - جل وعز.
(١٦) د: وأخبر.
(١٧) د: أو.
(١٨) ب، ز: - أ. ج: - أو أشتاتا.
(١٩) د: التقريب.
(٢٠) د: - طريق.
(٢١) ب: بما يسبب الحو.
(٢٢) ب، ج، ز: تقرير.
[ ٢٠٤ ]
أفل، فالذي يراه ويراك في كل وقت أولى بالسجود له، وقال للذي سجد للقمر: ﴿هذا أكبر﴾ جرما من ذلك، وأظهر فعلا، ولا سيما إن كانت له مقثوة (١) فإنه لسخفه يعبر بها (٢)، فلما غاب عنه قال له مثل ما قال للأول، وزاد أنه لو دام على المقثوة لأفسدها، فقد زال الآخر الذي (٣) هو أكبر جرما (٤) منها (٥)، وأكثر فعلا فيها، فإياه فاعبد، فلما أفلت قال: ما هذا الباطل؟ لا (٦) سجود لمصرف محكوم، على مقدار معلوم، متداول مع غيره، معاقب له، بينهما برزخ لا يبغيان، دل على أنهما محكومان. وما قدر هؤلاء الثلاث في جنب سائر المكونات من السفليات والعلويات؟ ومع أنكم تقولون: إن الشمس دون زحل في الرتبة وإن زحلا قد حاز (٧) العلو، فما هذه الآراء المتهافتة، التي لا يضم نشرها رأي (٨)، ولا يحيط بأخبارها وعي؟ ارجعوا بعبادتكم إلى الذي دبر الكل، وفطر الجميع، ولا تشتغلوا بالوسائط (٩)، فليس لها حكم، وإنما هي أمثالكم في التسخير والتقدير، فأفردوه بالعبادة دونها، ولا تشركوا (١٠) به أحدا. ويعضده قوله: ﴿وحاجه قومه﴾ [الأنعام: ٨٠] وقوله: ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه﴾ [الأنعام: ٨٣] فإنها بأبصار، وعلمنا قطعا أنها كانت محاجة لا شكا (١١). فأما جواز اعتماد الأنبياء للباطل، والكفر قبل البعث (١٢)، فكما يعلم (١٣) أن الله على كل شيء قدير، يعلم (١٤) قطعا، أنه قد
_________________
(١) ز: كتب على الهامش شرح للمقثوة: أي سانية مزروعة بالقثا. ب: مقثؤة. والأحسن أن يكون رسمها هكذا: مقثاة، ويمكن أن تضم فيقال مقثؤة بضم الثاء، وهو موضع القثاء بكسر القاف وضمها، وهو الخيار.
(٢) ب، ج، ز: يستحقه لغبريها.
(٣) ب، د: - الذي.
(٤) ب، ج، ز: - جرما.
(٥) كذا في جميع النسخ ولعله (منه) لأن المقر مذكر كما نبة إلى ذلك ابن باديس في تعليقه.
(٦) د: - لا.
(٧) ب، د: جاز.
(٨) د: برأي.
(٩) ب: بالبسائط.
(١٠) د: معه.
(١١) د: شك.
(١٢) ج، ز: البعثة.
(١٣) ب، ج، ز: نعلم.
(١٤) ب، ج، ز: نعلم.
[ ٢٠٥ ]
أمنهم من ذلك، وأخبر أنهم مطهرون من ذلك في الأزل (١). قيل للنبي (٢) متى وجبت لك النبوة؟ قال (٣): وآدم بين الروح والجسد، وبين (٤) الماء والطين. خرجه الترمذي وصححه، وهو صحيح باللفظ الأول. فإن قيل: هذه الاستدلالات ظنية، فإنه ليس يمتنع (٥) أن يكون [و٧٧ أ] صبيا، ويشكل عليه الأمر، فكذلك لا يبعد أن تكون (٦) دلالة الحدوث عنده أكثر من دلالة الجسمية وأظهر، لا (٧) سيما وكان محبوسا في غار لأمه، خوفا من ملك زمانهم، يعيش من طرف أصبعه (٨)، وذكره لرؤية (٩) ملكوت السموات والأرض، يجوز أن يكون الله ذى حال نهايته ثم رجع إلى بدايته. قد قلنا (١٠) القول القطعي، بغاية البيان كما تقدم، وليس ما ذكره الله بينا، ظنا - وهذا لا تفهمه الأعاجم - إن الله تعالى قال مخبرا عن الخليل أنه قال لأبيه: ﴿أتتخذ (١١) أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين﴾ [الأنعام: ٧٤] فلم يخبر عنه بشك فيها، ثم نظر فاستيقن، وإنما أخبر عنه بتوحيد ظاهر، وقول بين، ثم عطف عليه فقال: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض﴾ [الأنعام: ٧٥] أي أنا أريناه وجه الحق في الأصنام الأرضية، كذلك نريه وجه الحق في الأجسام العلوية ليكون من الموقنين، ولم يخبر أنه أراه أجسامها، وإنما أخبر أنه أراها إياه، فرآها ملكوتا مدبرة مسخرة، ومن كان محبوسا في غار لا يرى في الليل، ولا في النهار فيخرج منه فيرى الكواكب لا يخطر بباله أن له ربا، فكيف أن يجعله كوكبا؟ ولا شك أنه سمع (١٢) من أنيسه في الغار أحاديث الأخيار والأشرار. وما يقال: أنه تحدث به عنه، وعن أمثاله، من أنه يخرب الملك، فسمع أن هنالك ملكا يخرب هذا الملك، فتعلق (١٣) وهمه به، فإذا
_________________
(١) د: الأول.
(٢) ج، ز: + ﷺ.
(٣) ج: فقال.
(٤) د: - وبين.
(٥) ج، ز: بممتنع.
(٦) ج، ز: يكون.
(٧) ب، ج، ز: ولا.
(٨) ب، ج، ز: أصبعيه.
(٩) ز: لرؤيته.
(١٠) د: قدمنا.
(١١) أخطأ الناسخ فكتبوا الآية هكذا: ﴿أتعبد أصناما﴾ في النسخ الأربعة.
(١٢) د: إلا أنه قد سمع. ج: أن سمع
(١٣) د: ويتعلق
[ ٢٠٦ ]
خرج ورأى الكوكب لا يخطر بباله عادة، قطعا، أنه المدبر، حتى يسمع منه ركزا، و(١) يلقي إليه أحد ذكرا. وقوله: إن الباري ذكر حاله في نهايته ثم رجع إلى ذكر بدايته. قلنا: ذلك محتمل لولا قوله: ﴿وكذلك نري إبراهيم ملوكت السموات والأرض﴾ ويؤكد ذلك قوله: ﴿ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين، إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون﴾ [الأنبياء: ٥١ - ٥٢] القصة إلى آخرها، فأخبر عنه بقول نظار [و٧٧ ب]، حكيم، ثم أخبر عنه بأنه كما أتاه رشده في الأصنام، كذلك (٢) يريه في المستقبل آيات العلويات، فكشف له عنها عيانا، كما في الأثر، أو دلالة، وكان الاستدلال بالتغير أقوى من التقرر، لأن المتغير مخلوق مربوب ضرورة، إذ التغير لا يخلو أن يكون من قدم إلى قدم أو من قدم (٣) إلى حدث، أو من حدث إلى قدم أو من حدث إلى حدث، والأقسام الثلاثة محال (٤) كما بيناه في كتب (٥) الأصول، فلم يبق إلى القسم الرابع، وهو أنه يتغير من حدث إلى حدث، وذلك المقصود. والذي يعضد دلالة الخليل (٦) في الاستدلال بالحدوث و(٧) يمهد لكم اليقين (٨)، أنها (٩) أقرب، وأبلغ (١٠)، من المساحة (١١) والتشكيل، أن النبي - ﷺ - ذكر الدجال، وذكر ما يفعل من الآيات، وما يظهر على يديه من المعجزات، حتى إحياء الموتى، قال: "مهما يكن من شيء، فإنكم تعلمون أن الدجال أعور، وأن ربكم ليس بأعور". في حديث أعور عين اليمين. وفي حديث أعور عين الشمال (١٢). تختلف عليه صفات النقص، وتتوارد (١٣)، ويلحقه التغيير، فهذا ينفي عنه الإلهية قطعا، وهذا بالغ لمن وفق لفهمه، وب الله التوفيق.
_________________
(١) د: أو.
(٢) ب، ج، ز: نريه.
(٣) ب، ج، ز: - أو من قدم.
(٤) ب، ج، ز: والكل محال.
(٥) ب، ج، ز: كتاب.
(٦) د: + ﵇.
(٧) ب: - و.
(٨) د: القين.
(٩) ب، ج، ز: فإنها.
(١٠) د: أبلغ وأقرب.
(١١) د: المساجة.
(١٢) ز: في حديث أعور الشمال وفي حديث أعور عين اليمين.
(١٣) ب، ج، ز: - وتتوارد.
[ ٢٠٧ ]