قال القاضي أبو بكر (٤) ﵁: وقبل وبعد، فينبغي (٥) أن تعلموا أن هذه الطائفة (٦) في حفظ ظاهر هذه الأخبار، لا يقال: إنها بنت قصرا، أو (٧) هدمت مصرا، بل هدمت الكعبة، واستوطنت البيعة، وحذار (٨) أن تنشؤوا معهم دليلا، ولا تستأنفوا معهم من الكلام نقيرا ولا فتيلا (٩)، فليسوا لذلك (١٠) أهلا، ولا ينجع فيهم أن ينشر ذلك معهم، إلا أن تدخل إليهم من بابهم، وهو أيسر طريق إليهم في الكشف لضلالهم ولا تلتزم معهم مذهبا إلا أن تبطل رأيهم، ولا يظهر لك اعتقاد إلا رد الكلام إلى القرآن والسنة، وما أجمعت عليه هذه الأمة، وهو قد خالفوا الكل، فالمهم إفساد مقالتهم، وبيان ضلالتهم، فيقال لهم: ما لكم أصحاب إلا اليهود، فإنها ألفت (١١) في التوارة: حين خلق الله السموات والأرض، ذكر فيه أنه خلقها في ستة أيام، واستراح يوم السبت، فكذبهم الله في قوله فقال: ﴿ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾ [ق: ٣٨] فأخذوا لفظ الراحة بظاهره، وهو إعفاء النفس من كد التعب، بعد تسخيرها فيه، واعتقدته بحاله فكفرهم الله، وكذبهم.
_________________
(١) د: بلخ.
(٢) د: مقطع.
(٣) ب: - سنيه.
(٤) د: قال أبي.
(٥) ب، ج، ز: ينبغي.
(٦) ب: الطريق، ج، ز: الطريقة.
(٧) ب، د: - أ.
(٨) د: حذارا.
(٩) د: فتيلا ولا نقيرا.
(١٠) بداية سقوط نحو أربعة أوراق من د.
(١١) ز: أنفت.
[ ٢١٣ ]
ثم نعطف عنان القول فنقول: قوله: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة﴾ وأنتم قد قلتم: إنه أكبر من العرش مقدارا، كيف يشتمل (١) عليه ظل الغمام؟ وكيف يأتي الحق مع الخلق يوم الفصل أو يأتي البنيان وهو أكبر من العرش، والعرش أكبر من السموات والأرض؟ وقوله: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ يقال لهم: قال الله: ﴿ثم استوى على العرش﴾ ما العرش؟ وما معنى استوى؟ وينبغي أن تعلموا كلكم أنتم وهم قبل وبعد أن بناء "ظ هـ ر" مفيد في العربية لكل شيء خرج عن حد الخفاء والجهل إلا العلم، كان من المحسوس يخفى على البصر والسمع وسائر الحواس، أو من المعاني يخفى (٢) على العقل. فاحذروا من يأخذ الظاهر فيجعله في حد الباطن بتأويله له، أو يحكم بظاهر على معنى هو خفي، فلما قال: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ كان معناها هنا في المطلوب ثلاثة (٣) معان: معنى الرحمن، ومعنى استوى، ومعنى العرش، فأما الرحمن فمعلوم لا خلاف فيه ولا كلام. وأما العرش فهو في العربية لمعان فأيها تريدون، وكذا استوى عليه، يحتمل (٤) خمسة عشر معنى في اللغة، فأيها تريدون؟ أو أيها تدعون ظاهرا منها؟ ولم قلتم: إن العرش ها هنا المراد به مخلوق مخصوص؟ فادعيتموه على العربية والشريعة، ولم قلتم: إن معنى استوى، قعد أو جلس؟ فتحكمون باتصاله به، ثم تقولون إنه أكبر منه من غير ظاهر، ولم يكن عظيما بقدر (٥) جسمي حتى تقولوا: إنه أكثر (٦) أجزاء منه. ثم تحكمكم (٧) بأنه أكبر منه بأربع أصابع، تحكم لا معنى له. وكنت أقضي عجبا من هذه النازلة حتى وردت من المشرق سنة خمس وتسعين (٨) فرأيت غريبة مغربية دفعها (٩) إلي عبد الله (١٠) بن منصور القاضي، فيها كلام لبعض منتحلي صناعة الكلام
_________________
(١) ب: يشمل.
(٢) ز: كتب على الهامش: خفي عن العقل.
(٣) كذا في جميع النسخ.
(٤) ب: ولفظ استوى معه محتمل.
(٥) ز: بقدرن.
(٦) ب: أكبر.
(٧) ب: تحكمهم.
(٨) أي سنة ٤٩٥ هـ.
(٩) ز: في الهامش: عله: رفعها.
(١٠) ب، ز: كتب على الهامش: في نسخة: عبد الملك.
[ ٢١٤ ]
بالمغرب يقول فيها: إن الباري في جهة، وأنه فوق العرش، وإن العرش هو الذي يليه من مخلوقاته، فرأيت قوما، قد استولت عليهم الغفلة، وغلبهم الجهل، حتى قالوا: إن الباري يحاذي المخلوقات، والذي أوقعهم في ذلك، أنهم رأوا أحاديث ليست بصحيحة أن النبي - ﷺ - عدد السموات فذكرها حتى انتهى إلى السماء السابعة، قال فيه (١): "والعرش فوق ذلك، والله فوق ذلك" (٢). وسمعوا القدرية يقولون: إن الله في كل مكان، وتكاثرت في ذلك الأقوال من المؤالف والمخالف، فأنكروا ذلك عليهم، وقالوا: إن أطلق لفظ في هذا المعنى فالذي ينطلق أنه على العرش وسامحوا (٣) في "فوق" لأنه بمعنى علا وجل، ورددوها (٤) في الحديث المذكور آنفا، ثم جاءت طائفة ركبت عليه، فقالت: إنه فوق العرش بذاته وعليها شيخ الغرب أبو محمد عبد الله بن أبي زيد (٥) فقالها للمعلمين فسدكت بقلوب الأطفال والكبار (٦)، ثم جاء هذا الثاني (٧) فقال: وأنا ماذا أزيد مما يظهر منزلتي بأن أقول: وهو الذي يليه من مخلوقاته يعني ليس بينه وبينه موجود، وهو يحاذيه، وجعل يفيض في المحاذاة والجهة، وما يفيض بكلمة صحيحة، ولم يتفق بعد أن أنكر (٨) على أهل بغداد، وبين أضلاعي هذا الداء فنفيت (٩) عنهم المسألة، وأوردتها، وأصدرت، وأمليت وجمعت. ولبابه: إن الله تعالى لا يوصف إلا بما وصف به نفسه شرعا وعقلا، وإن كان في ذلك تفصيل حققناه في موضعه، ونحن نعلم قطعا أنه كان موجودا قبل إيجاده العالم كله، على اختلاف أصنافه، ثم خلقه مثنى وفرادى، فلم تتغير له صفة، ولا حدثت له إضافة، محدثة (١٠)، أو صفة
_________________
(١) ب: فيها.
(٢) سند الحديث فيه عبد الله بن عميرة، الذي قال فيه البخاري: لا يعرف له سماع من الأحنف الذي ادعى أنه سمع منه وقال الذهبي فيه جهالة (البيهقي الأسماء والصفات، ص ٣٩٩).
(٣) ز: وسامحوه.
(٤) ب، ز: كتب على الهامش: عل صوابه: وأوردوها.
(٥) القيرواني، توفي سنة ٣٨٩ هـ/ ٩٩٨ م (العبر، ج٣ ص ٤٣).
(٦) ز: في الهامش: قف وانظر مقالة ابن أبي زيد في عقيدة الرسالة.
(٧) ب: - الثاني.
(٨) ب: نكر.
(٩) ز: كتب على الهامش: فثنيت.
(١٠) ز: + آفة في الهامش.
[ ٢١٥ ]
صفحة ٢١٦ ناقصة.
صفحة ٢١٧ مكررة
[ ٢١٦ ]
قالوا: إنه أكبر من العرش بمقدار يسير، فكيف ينزل إلى السماء وهو أكبر من جميعها؟ أي حتى (١) بحمله تعالى على الوجهين، ولم يفهموا أن النبي إنما خاطب بذلك العرب والفصحاء اللسن، وقد ثبت فيها أن التنزيل (٢) على الوجهين نزول حركة، ونزول إحسان وبركة، فإن من أعطاك قد نزل إليك (٣) إلى درجة النيل المحبوبة عندك عن درجة (٤) المنع المكروهة، كما أنه نزل من وده (٥) لك (٦) عن حال البغضاء والإعراض عنك، وهو نزل حقيقة في بابه، كما أن نزول المرء على الجبل إلى السفح حقيقة في بابه ألا ترى إلى قول عنترة:
ولقد نزلت فلا تظني غيرهمني بمنزلة المحب الأكرم (٧)
وقال عمر ﵁ في الإسلام: (وما ينزل بعبد مسلم من منزل شدة) وهو معنوي، لا حركة فيه ولا انتقال، وفائدته أن الكريم إذا حل بموضع، ونزل بأرض، ظهرت فيها أفعاله، وانتشرت بركته وبدت آثاره (٨)، فما بث الله من رحمته من السماء (٩) الدنيا على الخلق في تلك الساعة عبر عنه بالنزول فيه، عربية صحيحة (١٠).
وأما قولهم: إنه يتكلم بحرف وصوت فهو معنى أصلته القدرية لقولها بخلق القرآن، وإن الله خلق في الشجرة كلاما فهمه موسى كما يفهم كلام الإنسان، فجرى أولئك على فصل من البدعة فاسد الأصل، معلوم المعنى. فلما جاءت هذه الطائفة، ووجدت (١١) القول بخلق القرآن كفرا، أقروا الحرف والصوت، وأنكروا الخلق، وقضوا بقدم الحرف والصوت، فجاءوا بما
_________________
(١) ب، ز: كتب على الهامش: حين. ب، ج: يحمله.
(٢) ب، ز: كتب على الهامش: النزول.
(٣) ب، ز: إشارة إلى أن "إليك" أثبتت في بعض النسخ وأسقطت في الأخرى.
(٤) ب، ز: كتب على الهامش: مرتبة.
(٥) ج، ز: ودك.
(٦) ز: له. ج: - له.
(٧) ب: المكرم.
(٨) ب: أثارته.
(٩) ج: سماء.
(١٠) ب، ز: كتب على الهامش: فصيحة.
(١١) ج: وجدت.
[ ٢١٧ ]
لا يعقل، ولا هو في حد النظر والمجادلة، ولهم ظواهر لا أصل لها في الصحة، ليس فيها ما يعول عليه، ولا ثبتت صفة به (١) أمثله: حديث عبد الله بن أنيس (٢): (يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد فيناديهم بصوت) ذكره البخاري في التراجم مقطوعا. ومعناه أن مناديه ذو صوت، ليس هو الذي له الصوت صفة. وقد يضاف إلى الباري (٣) ملكه كما تضاف (٤) إليه صفته، فما جاز عليه حمل الأخبار عنه، على الصفة، وما كان غير جائز، حمل الأخبار عنه به على الملك، وإلا ففي الخبر: (ينادي بصوت) وليس فيه يتكلم بصوت. فلم تركتم الظاهر، وجعلتم الكلام والصوت واحدا، وهما قد وردا في موطنين؟ وبين الكلام والنداء ما بين السماء والأرض. وقد قال في حديث القيامة بعينه: (فيأتيهم في صورة ثم يأتيهم في صورة (٥) أخرى) أفيحمل (٦) ذلك على أن الله يتبدل وينتقل ويتحول؟ تعالى الله عن ذلك، فكما أن ذكر الصورة محمول على المعنى، كذلك النداء بصوت محمول على المعنى. فإن قالوا بالصورة والصوت والتعبير بالحوادث، لم يكونوا من أهل القبلة، وحكم بخروجهم أصلا وفرعا من (٧) الملة، ولم يفهم هذه الحقيقة أحد، فهم البخاري (٨) ﵀ فإنه قال: باب قول الله تعالى: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾ [طه: ١٠٩] الآية. ويذكر عن جابر بن عبد الله (٩) عن عبد الله بن أنيس أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "يحشر الله العباد فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب أنا
_________________
(١) ج: - به.
(٢) عبد الله بن أنيس الجهني حليف الأنصار، شهد العقبة، توفي سنة ٥٣ هـ/ ٦٧٢ م.
(٣) ب، ز: كتب على الهامش: الملك.
(٤) ج، ز: يضاف.
(٥) ج، ز: صفة. وكتب على هامش ز: صورة.
(٦) ج، ز: فيحمل.
(٧) ب، ز: كتب على الهامش: عن.
(٨) أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري صاحب الصحيح، ولد سنة ١٩٤ هـ/٨٠٩ م وتوفي سنة ٢٥٦ هـ/ ٨٦٩ م.
(٩) ابن عمرو بن حرام الأنصاري من أهل بيعة الرضوان، توفي سنة ٧٨ هـ/ ٦٩٧ م.
[ ٢١٨ ]
الملك أنا الديان" ثم قال عن أبي سعيد (١) الخدري بالسند الصحيح قال قال النبي - ﷺ - يقول الله ﷿: "يا آدم يقول: لبيك وسعديك فينادي بصوت، أن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلا النار" فبين سبحانه أن المنادي عنه غيره لقوله: "إن الله يأمرك" والحمد لله.
وأما أحمد بن حنبل فإنما أبى أن يقول: إن القرآن مخلوق، وحمله الظالم على أن يناظره، وقال له: القرآن شيء أو غير شيء فإن قلت: إنه غير شيء فقد (٢) كفرت، وإن قلت: إنه شيء فقد قال الله أنه (٣): ﴿خالق كل شيء﴾ [الأنعام: ١٠٢] فهل يدخل القرآن فيه أم لا؟ فأبى أن يناظره حتى لا ينزل الحق والباطل (٤) في منزلة سواء، ولو جاء القائل أن القرآن مخلوق إلى أحمد بن حنبل مجيء المسترشد لأرشده وأجابه. ولما نزل منزلة القدرة (٥)، وعضده السلطان، سكت عنه لئلا يقع منه ما يفتتن به الملك والناس، ورأى فداء الدين بنفسه فكانت منزلة سنية لم تكن لأحد في الإسلام. وقد ورد في الصحيح حديث صحيح: (إذا قضى الله في السماء أمرا سمعت الملائكة كهيئة السلسلة على الصفوان فيخرون سجدا، حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، فيقولون: الحق الحق) فتعلق به بعض هؤلاء المبتدعة، وقالوا (٦): هذا نص في أن كلام الله صوت، وقد بيناه في شرح الحديث وغيره. وتحقيق القول فيه أن الله تعالى أوحى إلى رسوله إذا قضى الله، ولم يقل تكلم الله، ولا إذا قال الله. والقضاء في اللغة والشرع يرد على معان كثيرة، وقد يحتمل أن يكون المعنى إذا قال الله بواسطة، ففهم عنه تكلم إليهم، فيغشون لثقل قوله على الملائكة كما قال (٧): يغلب النبي ثقل القول فيغشى عليه. كأنه الجرس، وهو نحو من السلسلة على الصفا، وبعض الملائكة أقوى من بعض كما أن بعض الآدميين أقوى من بعض، فقوة جبريل
_________________
(١) سعد بن مالك الأنصاري، فقيه صحابي، توفي سنة ٧٤ م/ ٦٩١ م.
(٢) ب: - فقد.
(٣) ب: - إنه.
(٤) ج، ز: الباطل والحق.
(٥) ز: كتب على الهامش: عله: القدرية.
(٦) ب، ز: قال.
(٧) ز: كتب على الهامش: كان.
[ ٢١٩ ]
في الملائكة على القبول من الله يناسب قوة محمد - ﷺ - في الآدميين على قبول القول من جبريل، ولو كان كلام الله صوتا، لما كان صوت جبريل لمحمد - ﷺ - كالجرس، وكلام الله لجبريل كالسلسلة لا يصح بهذا التقدير، نعم، ولا كالرعد، ولا أعظم منه. وأما كونه له يد ويمين فإنه له (١)، ثابت قطعا، إذ هو نص القرآن وكذلك ذو عين، فإنه ثابت قطعا، ولما جاء في القرآن كلاهما قال علماؤنا المتقدمون: أن اليدين صفة ثابتة في القرآن ليس لها كيفية، وحملها المتأخرون من أصحابنا على القدرة. والذي قال في آدم: ﴿لما خلقت بيدي﴾ [ص: ٧٥] قال: ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾ [الملك: ١] وقال: ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ [المائدة: ٦٤] وقال: ﴿والسموات مطويات بيمينه﴾ [الزمر: ٦٧] وفي الحديث الصحيح: "وكلتا يديه يمين" (٢) والذي خلق به آدم ويطوي به السموات هو الذي به الملك، وهو يقبض به الأرض. في البخاري: يقبض الله الأرض، ويطوى السماء بيمينه. وذكر الحديث وذلك كله عبارة عن القدرة، وضرب الله اليد (٣) مثلا إذ هي آلة التصرف عندنا، والمحاولة، فإنهما المراد هنا (٤)، وأوضح (٥) العلم لنا منا، وذلك تصديق قوله: ﴿وفي أنفسكم أفلا تبصرون﴾ [الذاريات: ٢١] وأما بعض أصحابنا فقد قال: إن معنى قوله: ﴿والسموات مطويات بيمينه﴾ أي (٦) بقسمه أن يفني الخلق، فقول ضعيف، وإنما هي كناية عن القدرة كما بينا. وهبك وجد (٧) للقسم ها هنا محتملا، فماذا يصنع (٨) بذكر اليمين في الحديث الصحيح.
وأما ذكر الكف فلم يرد في القرآن، ولكنه ورد في الحديث الصحيح، ولعلمائنا نكتة بديعة، وذلك أنه ما جاء في القرآن من أحوال الصفات الثابتة نقلا قطعا، قالوا: إنها صفات لا تتأول، وما جاء في أخبار الآحاد أولوها،
_________________
(١) ز: - له، في بعض النسخ كما أشار الناسخ.
(٢) رواه مسلم.
(٣) ب، ز: إليك.
(٤) ز: كتب على الهامش: لنا.
(٥) ب: واضح.
(٦) ز: - أي. وكتب على الهامش أنه موجود في نسخة أخرى.
(٧) ب، ز: وجدت.
(٨) ب، ز: تصنع.
[ ٢٢٠ ]
ولم يوجبوا لله منها (١) صفة. وقوله: "إن الصدقة تقع في كف الرحمن" (٢) كلام صحيح يشهد له القرآن والسنة، فإن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾ [البقرة: ٢٤٥] فعبر عن نفسه الكريمة بالمستقرض، فمن دفع إليه شيئا فقد وقع ما دفع في كف المستقرض كما أنه قال: (فلم تعدني) (٣) أفيكون (٤) المرض صفة؟ ولا شك (٥) في أنه لا يكون، كذلك الكف.
وأما الساعد فليس في حديث صحيح، وكذلك ذكر الذراع، فلم يصح في الحديث أن النبي - ﷺ - قال: "أكثر من غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعا، وأن ضرسه مثل أحد، وأن مجلسه من جهنم كما بين مكة والمدينة" وهو صحيح. وقال: "ولو أن رصاصة مثل هذه - وأشار إلى الجمجمة - أرسلت من السماء إلى الأرض وهي مسيرة خمسمائة سنة لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة لسارت أربعين خريفا، الليل والنهار قبل أن يبلغ قعرها أو أصلها". فأما ذكرها مضافا إلى الجبار فباطل، وأراد بساعد الله إن صح الذي ينتقم الله به، كما أن سيف الله الذي ينتقم به من الكفار (٦) ويستوفي به القبض، وأراد بالذراع مملوكة كبيرة المساحة فأمر أن يذرع بها ما عنده من المساحة، فإنه كما قال: ﴿وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون﴾ [الحج: ٤٧] و﴿كخمسين ألف سنة﴾ (٧) [المعارج: ٤] فالأزمنة (٨) تكون عنده في طول المساحة ما يشبه به (٩) فيأمره (١٠) بمقادر يناسبه.
وأما ذكر الأصابع فصحيح، ولكن لم ترد مضافة إليه، وإنما ورد: "أنه
_________________
(١) ب: كتب على الهامش إشارة إلى أن هذا اللفظ وجد في نسخة.
(٢) أخرجه البخاري ومسلم.
(٣) ز: يعدني.
(٤) ز: في الهامش: في نسخة: فيكون.
(٥) ز: يشك.
(٦) ب، ز: الكفر. في هامشهما: في نسخة: الكفار.
(٧) ينتهي ما نقص من د ولكنه كمل في ورقة (١٣٠ ب).
(٨) د، ز: في الأزمنة.
(٩) د: له.
(١٠) ب، ز: أشير إلى أنه في بعض النسخ: فيأمر له.
[ ٢٢١ ]
يضع السموات على أصبع والأرضين (١) على أصبع ثم يهزهن" (٢) الحديث، ولا ينكر أن يكون لله أصابع، ولكن ليست صفات له، ولا متصلة له (٣)، ولا يقتضي الظاهر ذلك، فلا نرده (٤) باطنا فيضيفوه (٥) إلى الله، وقولوها مطلقة كما جاءت تكونوا آخذين بالظاهر. والمعنى فيه أن الجامع (٦) للمخاطب الأصابع، فضرب له المثل به. فاحفظوا (٧) نكتة بديعة وهي أن الشرع جاء باليدين واليد والكف والأصابع، وقل بالساعد (٨) والذراع مفردات فلا تصلوها، وتجعلوها عضوا، وتضيفوها وتركبوها (٩) بعضها إلى بعض فإنكم تخرجون من الظاهر إلى باطن التشبيه والتمثيل الذي نفاه عن نفسه، فما فرق لا يجمع، وما جمع من صفاته العليا (١٠) لا يفرق.
وأما ذكر القدم والرجل فصحيح، وردا مضافين إلى الله (١١)، وأما الساق فلم يرد مضافا إليه، لا في حديث صحيح ولا سقيم، وإنما قال الله: ﴿يوم يكشف عن ساق﴾ [القلم: ٤٢] ما الساق؟ وأي ساق؟ ولمن (١٢) من ذوي (١٣) السوق؟ وأما الوطء بالقدم فلم يرد في حديث صحيح، أما أنه ورد في الحديث الضعيف (١٤) و(آخر (١٥) وطأة وطئها الله تعالى بوج (١٦) يعني الطائف (١٧)،
_________________
(١) د: الأرض.
(٢) رواه البخاري في الصحيح عن آدم بن شيبان.
(٣) ب، ز: - له. وكتب على الهامش ما يشير إلى أنها مثبتة في نسخة أخرى.
(٤) ج، ز: ترده. د: تردوه.
(٥) ج، د، ز: فتضيفوها.
(٦) ب، ج، ز: كتب على الهامش ما يشير إلى أنه قد زيد في نسخة أخرى: للمتفرق المأخوذ المخاطب د + نفس النص في المتن.
(٧) ب: واحفظوا.
(٨) ب: الساعد.
(٩) د: تركبوا.
(١٠) د: العلية.
(١١) د: إليه.
(١٢) د: + لمن.
(١٣) ب، ج، ز: - لمن.
(١٤) د: الظاهر.
(١٥) حي، ز: أمر.
(١٦) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات، ص ٤٦١ - ٤٦٢.
(١٧) وقيل واد بالطائف.
[ ٢٢٢ ]
إشاره إلى أنها آخر غزوة انتقم فيها من الكفار، وذلك مشهور في لسان المخاطبين بالقرآن، قال الشاعر:
وطئنا (١) وطيا على حنقوطي (٢) المقيد ثابت الهرم
ولا يبعد أن يكشف عن ساق من يقول: إنه ذو ساق، ومن الذي يمنعهم أن يقولوا: إنه هذا الساق؟ قال الشاعر (٣):
عجبت من نفس ومن إشفاقها (٤) ومن طرادي (٥) الطير عن أرزاقها
في سنة قد كشفت عن ساقها
وأما حديث المخاصرة (٦) فضعيف، وهو في اللغة مأخوذ من خصر (٧) وقد تكون (٨) الجارحة، وقد تكون (٩) من المخصرة وهي العصا، المعنى، يعطيه ما يعتمد عليه، أ (١٠) ويدنيه منه بالمنى (١١) والأمان، حتى يكون بمنزلة من خاصر الملك. ثم يقال لهم: قوله: "يضع السموات على أصبع، وتقلب (١٢) القلوب بأصابع الرحمن" من أين لكم أن أصابع الوضع المطلقة هي أصابع التقليب المضافة إليه؟ ثم إنه قال: ﴿ولتصنع على عيني﴾ [طه: ٣٩] وقال: ﴿تجري بأعيننا﴾ [القمر: ١٤] من قال لكم: إنها عينان؟ وقال: ﴿بيدي﴾ [ص: ٧٥] و﴿يدي﴾ [الحجرات: ١] من قال لكم: إنها أيدي؟ فإن قيك قوله: ﴿والسماء بنيناها بأيد﴾ [الذاريات: ٤٧] قلنا (١٣): اتفقت الأمة على أنها لا ياء فيها (١٤)، فلا سبيل إلى (١٥) أن يكون (١٦) جمع يد، ثم يقال لكم: لم لا (١٧) تصلون بين القدم والرجل والساق والخاصرة والجنب؟. والجنب عبارة عن
_________________
(١) د: ووطئتنا، ز: في الهامش: في نسخة: وطأننا.
(٢) أو: وطء.
(٣) د: العربري.
(٤) ج، ز: أسقامها.
(٥) ب، د: طراد.
(٦) د: الخاصرة.
(٧) د، ز: خ ص ر.
(٨) ب: يكون.
(٩) ب: يكون.
(١٠) ب: - أ.
(١١) ج، د، ز: بالمن -
(١٢) ب، د: ويقلب.
(١٣) ب: تنافيها. ج، ز: بناء.
(١٤) د: فلها.
(١٥) ب، ج، ز: - إلى.
(١٦) ب: تكون.
(١٧) د: - لا.
[ ٢٢٣ ]
جهة القصد، لأنه قال: ﴿فرطت في جنب الله﴾ [الزمر: ٥٦] ولا يكون ذلك أبدا إلا من جهة (١) طاعة، ولا تفريط في الجارحة (٢) منا (٣)، ولا في الصفة منه سبحانه - ثم تصلون (٤) الأصبع بالكف، والذراع والساعد، وتجمعون (٥) صورة فرقها العقل والشرع؟ إن هذا لهو الكفر العظيم، والخسران المبين. ثم (٦) الوطء هو وضع القدم بنقل (٧)، وليس الباري ذا أجزاء تنتقل (٨)، فإن قيل ففي الحديث: "إن العرش ليئط به أطيط الرحل براكبه" قلنا: هذه باء السبب، والمخلوقات كلها تئط به أي من أجله، فإن قيل: أجمعت الأمة على أن أصابع الوضع هي أصابع تقليب القلب، قلنا: أجمعت الأمة على أنها ليست هي. فإن قيل عمن؟ قيل له: وقل أنت عمن؟ وتحقيق المسألة أن أحدا لم يقل قط أن الأصابع والكف صفة، و(٩) إنما اختلفوا فيما جاء به (١٠) القرآن. فأما ما جاء من طريق الآحاد، فلا يثبت العلماء بها (١١) صفة، وإنما اقتحم ذلك هذه (١٢) الطائفة العوجاء (١٣) وأما الضحك والفرح فحديث صحيح، ولكن أجمعت الأمة على أنها ليست بصفات، وإنما الضحك عبارة عما يكون من فضله، ويفيض من عطائه، كما يقال: ضحكت الأرض إذا أبرزت زينتها. قال (١٤) أبو نصير:
يضاحك الشمس منها كوكب شرقموزر بعميم النبت مكتهل
وقال آخر:
غمر الرداء إذا تبسم ضاحكاعلقت لضحكته (١٥) رقاب المال
والفرح عبارة عما يظهر عنده من الجود والسخاء والبشر والقبول وإلا
_________________
(١) د: - من.
(٢) ب، ز: الخارجة.
(٣) ب، ج، ز: منك.
(٤) د: يصلون.
(٥) د: يجمعون.
(٦) د: - ثم، + و.
(٧) ب، ج، ز: بثقل. ز: في الهامش: في نسخة: بنقل.
(٨) د: تستقل.
(٩) ب، ج، ز: - و.
(١٠) د: في.
(١١) ز: في الهامش: في نسخة: به.
(١٢) ج، ز: - هذه - وأشير في ز إلى أنه قد أثبت ذلك في نسخة أخرى.
(١٣) د: الغوغاء.
(١٤) ث: وقال.
(١٥) د: بضحكته، ز: في نسخة نضحكته.
[ ٢٢٤ ]
فيقال (١) لهم: علام (٢) تقولون. إنه يفرح ويمشي ويهرول، ويأتي وينزل؟ فهل يجوع ويعطش ويمرض ويحتاج ويعرى؟ فإن قالوا: لا، قلنا: فقد قال: "عبدي مرضت فلم تعدني، جعت فلم تطعمني، عطشت فلم تسقني" وفي رواية: "استكسيتك فلم تكسني" (٣) فيقول: فكيف (٤) يكون ذلك وأنت رب العالمين؟ يقول: كان ذلك بعبدي فلان، ولو فعلت به ذلك لوجدتني عنده، في حديث طويل، هذا معناه. فإن قالوا: لا نقول بهذه لأنها آفات، وهذه صفات. قلنا لهم بل هي جوارح، وأدوات وهي كلها نقص وآفات، فإن هذه الجوارح (٥) كلها إنما وضعت للعبد جبلة لنقصه يتوصل، ويتوسل بها إلى قصده، ومن له الحول والقوة؟. وإنما هو إذا أراد شيئا قال له: كن فيكون بلا (٦) آلة له (٧) ولا جارحة، فكما أضاف هذه الألفاظ الجوارحية (٨) عندنا إلى نفسه، كذلك [و١٣٢ أ] أضاف البيت والدار إليه، فهل بيته الذي هو الكعبة على قدره أو أكبر منه؟ وهل يدخله أم لا؟ وداره هل يسكنها أو يدخلها؟ وأنتم معشر الغافلين أو قل الجاهلين وإن صرمتم فأصب (٩) بالضالين الكافرين مقتل الخطاب الصحيح فيهم: الأرض كلها لله، والمساجد لله، والكعبة بيت الله، والجنة دار الله، وإذا أراد الله أن يشرف بيتا أو دارا، أو آدم أو عيسى قال: إنه منه، وله، وبيده كان، وإلى جنبه يقعده، وعلى عرشه ينزله معه، وكل ملك له، ويده (١٠) ورجله وقدمه، وذراعه وساعده، ولا سيما إذا تصرف في طاعته، ألا ترى إلى (١١) قوله في الحديث الذي رويتم: "فساعد الله أشد، وموساه أحد" فجعل له ساعدا وموسى، والإضافة واحدة والكل صحيح المعنى حق.
_________________
(١) ب، ج، ز: الإقبال. وفي هامش ج، ز: صوابه: وألا يقال لهم.
(٢) د: له هل.
(٣) ج: تكسيني.
(٤) ب: د: وكيف.
(٥) ج: جوارح.
(٦) د: فلا.
(٧) ب: كتب على الهامش فلا آلة عنده. د: عنده.
(٨) ج: الجارحية.
(٩) ب، ج، ز: إن رصرمتم فأصب.
(١٠) د: فيده.
(١١) ج: في.
[ ٢٢٥ ]
وأما قوله - ﷺ - (١): "إن الله خلق آدم على صورته" فقد تكلمنا على الحديث في مواضع، وأملينا فيه ما شاء الله أن يملى (٢)، ولم يتفق لأحد فيه (٣) من الجمع ما اتفق لنا، ولبابه أن أصل القول، معناه ثلاثة أوجه الأول: أن يكون المراد به صورة الرحمن. الثاني: أن المراد صورة آدم نفسه. الثالث: أن المراد صفة (٤) صورة العبد الملطوم (٥) الذي جاء الحديث على سببه، حين لطم وجهه فقال: "اجتنبوا الوجه فإن الله خلق آدم على صورته" فرجع (٦) الثلاثة الأقوال إلى اثنين وهما أن يعود الضمير إلى آدم أصلا أو تبعا، أو يعود إلى الله (٧)، فإن قلنا: إنه يعود إلى آدم كان معناه: أكرمه فإن أباك على صورته، وكان ذلك أوعظ له من أن يقول له (٨): فإنك على صورته، لأن المرء يمكن (٩) أن يمتهن من نفسه ما لا (١٠) يمتهن من أبيه، فإن الموجود إذا أشبه من له حرمة عندك راعيت شبهة جبلة (١١) وشريعة (١٢) ومروءة (١٣)، [و١٣٢ ب] ألا ترى إلى قول القائل (١٤):
أحب لحببا السودان حتىأحب لحبها سود الكلاب
وقال الآخر (١٥):
أشبهت أعدائي فصرت أحبهمإذ صار (١٦) حظي منك (١٧) حظي منهم
وإن قلنا يعاد الضمير (١٨) إلى الله كان معناه تشريف العضو بأن فيه طرق العلم كلها، البصر والسمع والشم والذوق واللمس، وفيه شروط (١٩)
_________________
(١) د: ﷺ.
(٢) د: نملي.
(٣) د: فيه لأحد.
(٤) ب، ج، ز: - صفة.
(٥) د: المظلوم.
(٦) د: وترجع.
(٧) د: + تعالى.
(٨) د: - له.
(٩) ب: ممكن.
(١٠) ب، ز: - ما لا.
(١١) ج، ز: حمله.
(١٢) د: شرعة.
(١٣) د: صورة.
(١٤) ج، ز: هو العربي. د: قول العرب.
(١٥) ج: قول الآخر. ز: قول آخر. د: وقال.
(١٦) ز: ق نسخة: كان.
(١٧) ز: في نسخة أخرى: مثل.
(١٨) ج، ز: - الضمير. د: وإن قلت له يعود إلى الله.
(١٩) د: شرط.
[ ٢٢٦ ]
قيام العقل بالقلب، أو هو محل العقل، على اختلاف غير ضار (١) في الدين، ولا يصح أن يكون آدم، ولا أحد على صورة الرحمن بإجماع، وإذا بطل الظاهر، فلا معنى لاعتقاد الحال الذي يبطله العقل في الباطن، فإن العقل يزكي الشرع (٢)، والشاهد بعدالته (٣)، ومن الحال أن يأتي الشاهد بجرحه المزكي وتكذيبه، فإن ذلك عائد بإبطال قوله. وقد بينا ما كان يقوله أبو يعلى بن الفراء الحنبلي: أنه يلتزم في صفة الباري كل شيء إلا اللحية والفرج، فانظروا نبهكم (٤) الله إلى هذا المفتري (٥) على الشريعة في جنب الله تعالى، ويقال له: فأين (٦) التزام الظاهر؟ وأين صفات المعاني من العلم والقدرة (٧) والكلام والإرادة، والحياة (٨) والسمع والبصر؟ وإذا ثبتت (٩) الجوارح الظاهرة (١٠) فأين الباطنة من القلب ونحوه؟ فإن (١١) قال: هذه صفات نقص. يقال له: تكون صفات كمال بأن تذهب (١٢) عنه الآلام واللذات، والقاذورات، كما ذكر تعالى عن صفات أهل الجنة، وكما فعلتم في الجوارح الظاهرة، وإذا بلغتم إلى (١٣) هذا المقام فاحمدوا الله على ما وهبكم من العصمة عن هذه البدعة (١٤) بل الكفر الصراح (١٥). ومن استطاع على التأويل، وفهم المعنى فبها ونعمت، ومن قصر نظره التزم الإيمان، ونفى التشبيه، واعتقد تقديس الرب (١٦) عن الآفات والنظير، ولا (١٧) تصفوه إلا بما صح، ولا تنسبوا إليه إلا ما ثبت، فأنتم (١٨) تعلمون أنه لا يقبل على أحد [و١٣٣ أ]، من الخلق إلا العدل، فكيف (١٩) تقبلون على ربكم، من لم يعرف (٢٠) عينه، ولم تثبت عدالته
_________________
(١) ز: في نسخة: ضائر.
(٢) د: مزك للشرع.
(٣) ج، ز: يعدله.
(٤) ب، ز: في نسخة: ثبتكم الله. د: تبتكم.
(٥) د: الافتراء.
(٦) د: أين.
(٧) د: - والقدرة.
(٨) د: الحياء.
(٩) د: ثبت.
(١٠) د: - الظاهرة.
(١١) د: وإن.
(١٢) ب، د: يذهب.
(١٣) ج، ز: - إلى.
(١٤) د: البدع.
(١٥) ب، ج، ز: - بل الكفر الصراح.
(١٦) د: الباري.
(١٧) د: فلا.
(١٨) د: وأنتم.
(١٩) ج، ز: وكيف.
(٢٠) ب، د: تعرف.
[ ٢٢٧ ]
فيضاف إليه، ويحكم به عليه. والأحاديث الصحيحة في هذا الباب على ثلاث (١) مراتب، المرتبة (٢) الأولى (٣): ما (٤) ورد من الألفاظ كمال محض ليس للآفات والنقائص فيه حظ، فهذا يجب اعتقاده. الثانية: ما ورد وهو نقص محض، فهذا ليس لله فيه (٥) نصيب فلا يضاف إليه (٦) إلا وهو محجوب عنها في المعنى ضرورة كقوله: "عبدي مرضت فلم تعدني" وما أشبهه.
الثالثة: ما يكون كمالا، ولكنه يوهم تشبيها. فأما الذي ورد كمالا محضا كالوحدانية، والعلم والقدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر، والإحاطة والتقدير والتدبير، وعدم المثل والنظير فلا كلام فيه، ولا توقف. وأما الذي ورد بالآفات المحضة والنقائص كقوله: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا﴾ [الحديد: ١١] وقوله: "جعت فلم تطعمني (٧) وعطشت" فقد علم المحفوظون، والملفوظون، والعالم، والجاهل أن ذلك كناية، وأنه واسطة عمن تتعلق (٨) به هذه النقائص، ولكنه أضافها إلى نفسه الكريمة المقدسة، تكرمة لوليه، وتشريفا، واستلطافا للقلوب وتليينا (٩). وهذا أيها العاقلون (١٠) تنبيه لكم على ما ورد من الألفاظ المحتملة، فإنه ذكر الألفاظ الكاملة المعاني السالمة، فوجبت له، وذكر الألفاظ الناقصة، و(١١) المعاني الدنيئة فتنزه (١٢) عنها قطعا، فإذا جعلت الألفاظ المحتملة التي تكون للكمال بوجه، وللنقصان بوجه، وجب على كل مؤمن حصيف (١٣) أن يجعله كناية عن المعاني التي تجوز عليه، وينفي (١٤) عنه ما لا يجوز عليه، فقوله في اليد والساعد والكف والأصبع عبارات (١٥) بديعة [و١٣٣ ب] تدل على معان شريفة، فإن الساعد عند
_________________
(١) ب: ثلاثة.
(٢) ب، ج، ز: - المرتبة.
(٣) ب، ج، ز: الأول.
(٤) د: فما.
(٥) -: فيها.
(٦) ج، ز: إليها.
(٧) د: - فلم تطعمني.
(٨) ج، ز: يتعلق.
(٩) د: تبيينا.
(١٠) د، ز: الغافلون.
(١١) د: - و.
(١٢) ب، ج، ز: فترة.
(١٣) ب، ز: خصيف.
(١٤) د: تنفي.
(١٥) ج، ز: عبارة.
[ ٢٢٨ ]
العرب عليه كانت تعول (١) في القوة والبطش والشدة، ألا ترى (٢) إلى قول الزبير (٣) وقد ضرب، فأبان المضروب وفصله وتجاوز إلى ما تحته فقال له قائل: إن هذا السيف (٤) فقال: ما هو السيف (٥)، إنما هو الساعد، ولهذا قال النبي (٦) في حديث أبي الأحوص (٧) عن أبيه فيجدع هذه فيقول: "ضرر (٨)، ويقول (٩) بحيرة فساعد الله أشد، وموساه أحد" (١٠) تهديدا (١١) له على ما أتى من الفعل القبيح، وتحذيرا له من النقمة والجزاء. وأضاف الساعد إلى الله، لأن الأمر كله لله، كما أضاف الموسى إليه. وكذلك قوله: "إن الصدقة تقع في كف الرحمن" عبر بها عن كف المسكين، تكرمة له، حتى لقد قال بعضهم: إن قوله: "اليد العليا خير من اليد السفلى" المراد باليد العليا (١٢) يد (١٣) السائل المعطى (١٤) الآخذ لهذا المعنى، وأضافها إليه تكرمة، كما قال: ﴿ناقة الله﴾ [الشمس: ١٣] وأمثاله كثيرة. وقد بينا ذكر الأصابع وحكمته في ذكر التقليب به (١٥)، وما يقلب بالأصابع (١٦)، يكون أيسر وأهون، ويكون أسرع، فأراد الباري أن يهون عند قدرته، مقدار السموات والأرض (١٧)
_________________
(١) ب: تقول.
(٢) د: ترون.
(٣) الزبير بن العوام، استشهد سنة ٣٦ هـ/ ٦٥٦ م.
(٤) ب، ز: في نسخة: لسيفا.
(٥) ز: في نسخة: بالسيف.
(٦) ج، ز: + ﷺ. د: + ﵇.
(٧) سلام بن سليم أبو الأحوص. توفي سنة ١٧٩ هـ/ ٧٩٥ م.
(٨) د: فتقول: ضربنا.
(٩) د: تقول.
(١٠) أورده البيهقي في الأسماء والصفات بلفظ آخر: هل تنتج إبل قومك صحاحا آذانها فتعمد إلى الموسى فتقطع آذانها وتقول هي بحر، وتشقها أو تشق جلودها وتقول هي حرم فتحرمها عليك وعلى أهلك؟ قال قلت: نعم، قال: فكل ما أتاك الله لك حل، وساعد الله أشد من ساعدك وموسى الله أحد من موساك (الأسماء والصفات، ص ٣٤٢).
(١١) ب: في نسخة: تسديدا. ب، ج، ز: تشديدا.
(١٢) ب: - باليد العليما. ز: بيد.
(١٣) د: - يد.
(١٤) د: العطى.
(١٥) د: - به.
(١٦) د: - بالأصابع.
(١٧) د: الأرضين.
[ ٢٢٩ ]
والمخلوقات، وأراد في جعل (١) القلب بين أصبعين، الإشارة (٢) بذلك إلى سرعة تقليبه (٣) وخفائه وحقارته، وهو والمخلوقات سواء في هوان (٤) ذلك عنده، وحقارته (٥) بالإضافة إلى قدرته. وقيل كنى بالأصبعين عن اللمتين لمة من الملك له في الإيعاد بالخير، وتصديق الحق، و(٦) من الشيطان لمة في الإيعاد بالشر والتكذيب بالحق. وأما الذراع فقد بينا بأنه إنما ورد مطلقا غير مضاف إلى الله (٧)، قال الله سبحانه: ﴿ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه﴾ [الحاقة: ٣٢] والحديث الذي فيه (٨) بذراع الجبار، لم يصح، كما قدمنا [و١٣٤ أ]، وإنما الصحيح في إسناده عن أبي هريرة (٩): "غلظ جلد الكافر أربعون ذراعا" (١٠) مطلقا غير مضاف، فلا يلتفت إلى حديث الإضافة.