هذا كله باطل سندا ومتنا. أما قولهم: جاء عثمان بمظالم ومناكير فباطل. وأما ضربه لعمار وابن مسعود، ومنعه عطاءه فزور، وضربه لعمار إفك مثله، ولو فتق (٧) أمعاءه ما عاش أبدا. وقد اعتذر عن ذلك العلماء (٨) بوجوه، لا ينبغي أن يشتغل بها، لأنها مبنية على باطل، ولا ينبني حق على باطل، ولا يذهب الزمان في مماشاة الجهال (٩) فإن ذلك لا آخر له.
وأما جمع القرآن فتلك حسنته العظمى، وخصلته الكبرى [و٩٧ ب]، وإن كان وجدها كاملة، ولكنه أظهرها (١٠)، ورد الناس إليها، وحسم مادة الخلاف فيها، وكان نفوذ وعد الله بحفظ القرآن على يديه، حسبما بيناه في
_________________
(١) سقط ما بين قوسين من طبعة محب الدين (ص ٦٢).
(٢) الوليد بن عقبة بن أبي معيط توفي سنة ٦١هـ / ٦٨٠م.
(٣) عبيد الله بن عمر بن الخطاب توفي سنة ٣٧ هـ/ ٦٥٧م (النجوم الزاهرة، ج١ ص١١٢).
(٤) الهرمزان قتل سنة ٢٣ م/ ٦٤٣م.
(٥) أبو لؤلؤة المجوسي قاتل عمر، قتل سنة ٢٣ هـ / ٦٤٣م.
(٦) تصرف محب الدين الخطيب فأخر قوله: (وكتب مع عبده على جهله كتابا إلى ابن أبي سرح في قتل من ذكر فيه) وختم به التهم الموجهة إلى عثمان وقال: إنه رتب التهم وأجوبتها على نسق ولكن جميع النسخ جاء النص فيها على النحو الذي أثبتناه (ص ٦٢) وهكذا فعل فيما بعد في ترتيب الرد على التهم فقدم وآخر صفحات بأكملها. مع أن جميع النسخ تخالف ما قام به من الترتيب الذي اعتقد أنه أقرب إلى النص وهو بعيد عنه.
(٧) د: فزور وإفك ولو فتق.
(٨) د: العلماء عن ذلك.
(٩) د: الخبال.
(١٠) ج: آخرها.
[ ٢٨١ ]
"كتب القرآن" (١) وغيرها. روى الأيمة بأجمعهم أن زيد بن ثابت (٢) قال: (أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال (٣) أبو بكر: إن عمر أتاني (٤) فقال: إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء بالمواطن فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن قلت لعمر: كيف نفعل شيئا لم يفعله رسول الله - ﷺ -؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر) (٥). قال زيد: قال لي (٦) أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله - ﷺ - فتتبع القرآن فاجمعه. فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال، ما كان أثقل علي مما أمروني (٧) به من جمع القرآن. قلت: كيف تفعلون شيئا لم يفعله رسول الله - ﷺ -؟ قال (٨) عمر (٩) هذا والله خير فلم يزل أبو بكر (١٠) يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف (١١)، وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي (١٢) خزيمة الأنصاري (١٣) لم أجدها مع أحد غيره ﴿لقد
_________________
(١) أي المصنفات التي ألفها أبو بكر بن العربي في التفسير وما يتصل به كقانون التأويل، وأحكام القرآن وأنوار الفجر والمشكلين أي مشكل القرآن ومشكل الحديث.
(٢) زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري المقرئ، توفي سنة ٤٥ هـ/ ٦٦٥ م.
(٣) د: قال.
(٤) طبعة محب الدين: أتانا. ولم ينبه على أنه تابع في ذلك بعض الروايات من كتب الحديث. (ص ٦٧).
(٥) أورده البخاري وأحمد وغيرهما من أيمة الحديث.
(٦) ب، ج، ز: - لي.
(٧) د: أمرني. وفي رواية: كلفاني وأمراني. (الرزاز، تاريخ واسط، ص ٢٨١).
(٨) د: قالوا.
(٩) د: - عمر.
(١٠) د: - أبو بكر.
(١١) وفي رواية: من الرقاع والأكتاف والعسيب. والكتف عظم عريض المنكب يكتب عليها والعسيب جمع عسب عبارة عن جريدة النخل (الرزاز، تاريخ واسط، ص ٢٨١).
(١٢) طبعة محب الدين؛ - أبي.
(١٣) ذو الشهادتين قتل في معركة صفين ٣٨ هـ/ ٦٥٨ م (الإصابة ت ٢٢٤٧ وقعة صفين، ص ٤١٣).
[ ٢٨٢ ]
جاءكم رسول من أنفسكم﴾ [التوبة: ١٢٨] حتى خاتمة براءة (١)، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة (٢) بنت عمر حتى قدم حذيفة بن اليمان (٣) على عثمان، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع (٤) حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك [و٩٨ أ] هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصه أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير (٥)، وسعيد بن العاص (٦)، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام (٧) فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف (٨) إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف (٩) أن يحرق. قال ابن شهاب (١٠): (وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت (١١) سمع زيد بن ثابت، قال: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا الصحف، قد كنت أسمع رسول الله - ﷺ - يقرأ بها فالتمسناها فوجدنا (١٢) مع
_________________
(١) ج: - براءة.
(٢) حفصة بنت عمر العدوية أم المؤمنين توفيت سنة ٤١هـ/ ٦٦١م وقيل ٤٥هـ/ ٦٦٤م.
(٣) حذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله توفي سنة ٣٦هـ/ ٦٥٦م. ج، د، ز: اليماني.
(٤) ب، ج، ز: فحدثه.
(٥) قتل سنة ٧٣هـ/ ٦٩٢ م وكان ذا شجاعة وفروسية.
(٦) سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص يقول الذهبي: أقيمت عربية القرآن على لسانه. توفي، سنة ٥٩هـ/ ٦٧٨م.
(٧) المخزومي المدني توفي سنة ٤٣هـ/ ٦٦٣م.
(٨) ب: المصحف.
(٩) ب: ومصحف.
(١٠) أبو بكر محمد بن مسلم بن عبيد الله توفي سنة ١٢٤هـ/ ٧٤١.
(١١) الأنصاري أحد الفقهاء السبعة توفي سنة ١٠٠هـ/ ٧١٨م.
(١٢) ب، ج، ز: فوجدناها.
[ ٢٨٣ ]
خزيمه بن ثابت الأنصاري: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ [الأحزاب: ٢٣]، فألحقناها في سورتها في المصحف) (١) وأما ما روى أنه حرقها أو خرقها (٢) - بالحاء المهملة أو الخاء (٣) المعجمة وكلاهما جائز - إذا كان في بقائها فساد، أو كان فيها ما ليس من القرآن، أو ما نسخ منه، أو على غير نظمه، وقد (٤) سلم في ذلك الصحابة كلهم. إلا أنه روى عن ابن مسعود أنه خطب بالكوفة، فقال: (أما بعد فإن الله قال: ﴿ومن يغلل يأتي بما غل يوم القيامة﴾ [آل عمران: ١٦١] إني غال مصحفي، فمن استطاع منكم أن يغل مصحفه فليفعل) وأراد ابن مسعود أن يؤخذ بمصحفه، وأن يثبت ما يعلم فيه، فلما لم يفعل ذلك له (٥)، قال ما قال، فأكرهه عثمان على دفع (٦) مصحفه، ومحا رسومه، فلم تثبت (٧) له قراءة أبدا، ونصر الله عثمان، والحق، بمحوها من الأرض.
وأما نفيه (٨) [و٩٨ ب]، أبا ذر إلى الربذة فلم يفعل. كان أبو ذر زاهدا، وكان يقرع عمال عثمان، ويتلو عليهم: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾ [التوبة: ٢٤] الآية ويراهم يتسعون في المراكب، والملابس حين وجدوا، فينكر ذلك عليهم، ويريد تفريق جميع ذلك من بين أيديهم، وهو غير لازم. قال ابن عمر وغيره (٩) من الصحابة وهو الحق (١٠): إن ما أديت زكاته فليس بكنز، فوقع بين أبي ذر، ومعاوية كلام بالشام، فخرج إلى المدينة فاجتمع إليه الناس، فجعل يسلك تلك الطريق فقال له عثمان: لو اعتزلت، [معناه: أنك على مذهب لا
_________________
(١) أخرجه البخاري في الصحيح.
(٢) ج، د، ز: خرقها أو حرقها.
(٣) د: والخاء.
(٤) كذا في جميع النسخ ويبدو أن صوابها: فقد. أصلحها الشيخ محب الدين ولكنه لم ينص على ذلك. (ص ٧١).
(٥) د: - له.
(٦) ب: رفع.
(٧) ب: يثبت.
(٨) د: بعثه.
(٩) د: سواه.
(١٠) د: - وهو الحق.
[ ٢٨٤ ]
يصلح لمخالطة الناس، فإن للخلطة شروطا (١)، وللعزلة مثلها. ومن كان على طريق أبي ذر، فحاله يقتضى أن ينفرد بنفسه، أو يخالط ويسلم لكل أحد حاله مما ليس بحرام في الشريعة] (٢). فخرج إلى الربذة زاهدا فاضلا، وترك جلة فضلاء. وكل على خير، وبركة، وفضل. وحال أبي ذر أفضل ولا تمكن لجميع الخلق. فلو (٣) كانوا عليها لهلكوا، فسبحان مرتب المنازل ومن العجب أن يؤخذ عليه في أمر فعله عمر! فقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ سجن ابن مسعود في نفر من الصحابة سنة (٤) بالمدينة حتى استشهد، فأطلقهم عثمان، وكان سجنهم، لأن القوم أكثروا الحديث عن رسول الله - ﷺ -، ووقع بين أبي ذر ومعاويه كلام، وكان أبو ذر يطلق (٥) من الكلام بما لم يكن (٦) يقوله في زمان عمر، فأعلم معاوية بذلك عثمان، وخشي من (٧) العامة أن تثور منهم فتنة. فإن أبا ذر كان يحملهم على التزهد، وأمور لا يحتملها (٨) الناس كلهم، وإنما هي مخصوصة ببعضهم فكتب إليه عثمان كما قدمنا: أن يقدم (٩) المدينة. فلما قدم اجتمع إليه الناس فقال لعثمان: أريد الربذة فقال (١٠) له: افعل. فاعتزل، ولم يكن يصلح له إلا ذلك؛ لطريقته. ووقع بين أبي الدرداء (١١)؛ ومعاويه كلام، وكان أبو الدرداء زاهدا فاضلا (١٢) قاضيا لهم، فلما اشتد في الحق، وأخرج طريقة عمر في قوم لم يحتملوها [و٩٩ أ] عزلوه، فخرج إلى المدينة. وهذه كلها مصالح لا تقدح في الدين، ولا تؤثر في منزلة أحد من المسلمين بحال. وأبو الدرداء، وأبو ذر (١٣) براءة (١٤) من (١٥) عاب (١٦)
_________________
(١) ج، ز: شروط.
(٢) د: سقط ما بين قوسين.
(٣) د: ولو.
(٤) د: ستة.
(٥) د: ينطلق.
(٦) ج، ز: -يكن.
(٧) ز: في نسخة: عن.
(٨) د: يحملها.
(٩) ب، ج، ز: تقدم.
(١٠) د: قال.
(١١) عويمر بن زيد الأنصاري توفي سنة ٣٢ هـ/٦٥٢ م وكان قاضيا بدمشق.
(١٢) د: - فاضلًا.
(١٣) د: وأبو ذر وأبو الدرداء.
(١٤) كذا في جميع النسخ وقد صححها محب الدين هكذا: بريئان ولم يشر إلى ذلك (ص ٧٧).
(١٥) ج، ز: ممن.
(١٦) العاب كالمعاب والمعيب: الوصمة (القاموس المحيط).
[ ٢٨٥ ]
وعثمان بريء وأعظم براءة، وأكثر نزاهة. فمن روى أنه نفي، وروى سببا (١) فهو كله باطل.
وأما رد الحكم فلم يصح. وقال علماؤنا في جوابه: قد كان أذن له فيه رسول الله - ﷺ -، وقال (٢) لأبي بكر وعمر، فقالا له: إن كان معك شهيد رددناه، فلما ولي قضي بعلمه في رده. وما كان عثمان ليصل مهجور رسول الله - ﷺ -، ولو كان أباه، ولا لينقض (٣) حكمه.
وأما ترك القصر (٤)، فاجتهاد، إذ (٥)، سمع أن الناس افتتنوا بالقصر، وفعلوا ذلك في منازلهم، فرأى أن السنة ربما أدت إلى إسقاط الفريضة فتركها مصلحة (٦) خوف الذريعة، مع أن جماعة العلماء قالوا: إن المسافر مخير بين القصر والإتمام، واختلف في ذلك الصحابة.
وأما معاوية فعمر ولاه، وجمع له الشامات كلها وأقره عثمان، بل إنما ولاه أبو بكر الصديق ﵁ لأنه ولي أخاه يزيد، واستخلفه يزيد فأقره عمر، لتعلقه بولاية أبي بكر، لأجل استخلاف واليه له، فتعلق عثمان بعمر وأقره. فانظروا إلى هذه السلسلة (٧) ما أوثق عراها، وأقدر سردها (٨)، ولن يأتي (٩) مثلها بعدها أبدا.
وأما عبد الله بن كريز (١٠) فولاه كما قال، لأنه كريم العمات والخالات.
_________________
(١) د: -وروى سببا.
(٢) أي قال عثمان. (محب الدين الخطيب، ص٧٧).
(٣) د: ليبغض.
(٤) ز: كتب على الهامش: أي في الصلاة.
(٥) د: أو.
(٦) ب، ج، ز: - مصلحة.
(٧) د: المسألة.
(٨) انتظام الحلق في السلسلة أو غيرها، ويطلق على جودة سياق الحديث. (القاموس المحيط). ب، ج، ز: ترك بياض مكان: سردها
(٩) ب، ج، ز: + أحد.
(١٠) عبد الله بن عامر بن كريز وفي سنة ٥٩هـ / ٦٧٨ م على أصح الروايات (الذهبي، العبر، ج ١ ص٦٧). ب، ج، ز: ابن أبي كريز.
[ ٢٨٦ ]
وأما تولية الوليد بن عقبة. فلأن (١) الناس على فساد في (٢) النيات أسرعوا إلى السيئات قبل الحسنات، فذكر الإسفرائنيون (٣) أنه إنما ولاه للمعنى الذي تكلم به. قال عثمان: ما وليت الوليد لأنه أخي، وإنما وليته لأنه ابن أم حكيم البيضاء عمة رسول [و٩٩ ب] الله - ﷺ -، وتوأمة أبيه، وسيأتي بيانه إن شاء الله. والولاية اجتهاد. قد عزل عمر (٤)، سعد (٥) بن أبي وقاص (٦)، وقدم أقل منه درجة.
وأما إعطاؤه خمس أفريقية لواحد، فلم (٧) يصح، على أنه قد ذهب مالك وجماعة إلى أن الإمام يرى رأيه في الخمس، وينفذ فيه ما أداه إليه اجتهاده، وأن عطاءه لواحد جائز (٨). وقد بينا ذلك في مواضعه.
وأما قولهم: إنه ضرب بالعصا، فما سمعته ممن أطاع ولا عصا، وإنما هو باطل يحكى، وزور ينثى، فيا لله وللنهى.
وأما علوه على درجة رسول الله - ﷺ -. فما سمعته ممن فيه تقية (٩) وإنما هي إشاعة منكر، ليروى (١٠)، ويذكر، فيتغير بها (١١) قلب من يتغير. قال علماؤنا: ولو صح ذلك فما في هذا ما يحل دمه، ولا يخلو أن يكون ذلك حقا، فلم ينكره (١٢) الصحابة عليه، إذ رأت جوازه ابتداء، أو لسبب اقتضى ذلك، وإن كان لم يكن فقد انقطع الكلام.
وأما انهزامه يوم حنين، وفراره يوم أحد، ومغيبه عن بدر، وبيعة الرضوان، فقد بين عبد الله بن عمر، وجه الحكم في شأن البيعة، وبدر،
_________________
(١) ب، ج، ز: فأن.
(٢) ب، ج، ن: - في.
(٣) ب، ج، ز: الإسفرايون. وأصلحه محب الدين هكذا: الإفترائيون. ولكنه لم يشر إلى ذلك كعادته.
(٤) ج: عمن.
(٥) ب، د: سعيد.
(٦) أبو إسحاق سعد بن أبي وقاص الزهري توفي سنة ٥٥هـ/ ٦٧٤م.
(٧) د: فلا.
(٨) ب، ج، ز: وأما إعطاؤه لواحد جائز
(٩) د: بقية.
(١٠) د: ليرى.
(١١) ب: - بها.
(١٢) د: تنكره.
[ ٢٨٧ ]
وأحد. وأما (١)، يوم حنين فلم يبق إلا نفر يسير مع رسول الله (٢) - ﷺ -، ولكن لم يجر في الأمر تفسير من بقي ممن مضى في الصحيح، وإنما هي أقوال، منها أنه ما بقي معه إلا العباس وابناه عبد الله، وقثم (٣)، فناهيك بهذا (٤) الاختلاف، وهو أمر قد اشترك فيه الصحابة، وقد (٥)، عفا الله عنه ورسوله، فلا يحل ذكر ما أسقطه الله ورسوله، والمؤمنون. خرج البخاري: (جاء رجل إلى ابن عمر فسأله عن عثمان فذكر محاسن عمله، فقال: لعل ذلك يسوؤك [و١٠٠ أ]، قال: نعم، قال: فأرغم الله أنفك، ثم سأله عن علي فذكر محاسن عمله، قال: هو ذاك (٦) بيته أوسط بيوت النبي. ثم قال: لعل ذلك يسوؤك، قال: أجل، قال: فأرغم الله أنفك، فانطلق (٧) فاجهد علي جهدك) وقد تقدم في حديث بني الإسلام على خمس زيادة فيه للبخاري (٨) في علي وعثمان. وقد أخرج البخاري (٩) أيضا من حديث عثمان بن عبد الله بن موهب (١٠)، قال: جاء رجل من أهل مصر يريد حج البيت، فرأى قوما جلوسا فقال: من هؤلاء القوم؟ فقالوا (١١): هؤلاء قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا (١٢): عبد الله بن عمر، قال: يا ابن عمر إني سائلك عن شيء فحدثني، هل تعلم أن عثمان فر يوم أحد؟ قال: نعم، قال: تعلم أنه تغيب عن بدر ولم يشهد؟ قال: نعم، قال: تعلم أنه تغيب عن ييعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: الله أكبر. قال ابن عمر: تعال أبين لك، أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله قد عفا عنه، وأما تغيبه عن بدر فإنه كانت تحته زينب (١٣)، بنت
_________________
(١) ب: - يوم.
(٢) د: النبي.
(٣) قثم بن العباس بن عبد المطلب توفي سنة ٥٦ هـ/٦٧٥ م وقد وقفت على قبره في سمرقند سنة ١٩٦٧ م.
(٤) د: - قد.
(٥) د: من هذا.
(٦) د: لك.
(٧) د: انطلق.
(٨) د: للجبائي.
(٩) د: الجبائي.
(١٠) عثمان بن عبد الله بن موهب الأعرج أبو عبد الله نوفي سنة ١٦٠هـ/ ٧٧٦م (طبقات خليفة بن خياط، ص ٢٧٣.وابن حجر تهذيب التهذيب، ج٧ ص١٣٣.
(١١) د: قال: صحيح البخاري: قالوا.
(١٢) د: قال.
(١٣) ب: نيب
[ ٢٨٨ ]
رسول الله - ﷺ -، وكانت مريضة، فقال له رسول الله - ﷺ -: إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا، وسهمه. وأما تغيبه عن بيعة الرضوان، فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه، فبعث رسول الله - ﷺ - عثمان (وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان) (١) إلى مكة فقال رسول الله - ﷺ - بيده اليمنى: (هذه يد عثمان) فضرب بها على يده، وقال: (هذه لعثمان) ثم قال ابن عمر: اذهب بها الآن معك.
وأما أمر الحمى فكان قديما، فيقال: إنه عثمان زاد فيه لما زادت الرعية.
وإذا جاز أصله للحاجة إليه جازت الزيادة فيه لزيادة الحاجة.
وأما امتناعه من قتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب بالهرمزان فإن ذلك باطل. فإن (٢) كان لم يفعل فالصحابة متوافرون، والأمر في أوله، وقد قيل: إن الهرمزان [و١٠٠ ب] سعى في قتل عمر، وحمل الخنجر، وظهر تحت ثيابه، وكان قتل عبيد الله له وعثمان لم يل بعد. ولعل عثمان كان لا يرى على عبيد الله حقا. لما ثبت عنده من حال الهرمزان وفعله، وأيضا فإن أحدا لم يقم بطلبه، فكيف (٣) يصح مع هذه الاحتمالات كلها، أن ينظر في أمر لم يصح.
وأما قول القائل في مروان، والوليد، فشديد عليهم، وحكمهم عليهم بالفسق، فسق منهم. مروان رجل عدل من كبار الأمة عند الصحابة، والتابعين، وفقهاء المسلمين. أما الصحابة فإن سهل بن معد الساعدي (٤) روى عنه. وأما التابعون فأصحابه في السنن (٥) وإن كان جازهم (٦) باسم الصحبة في أحد القولين. وأما فقهاء الأمصار فكلهم على تعظيمه، واعتبار خلافه (٧)، والتلفت (٨) إلى فتواه، والانقياد إلى روايته. وأما السفهاء من المؤرخين، والأدباء، فيقولون على أقدارهم.
_________________
(١) ب، ج، ز; سقط ما بين القوسين.
(٢) د: وإن.
(٣) ب، ج، ز: وكيف.
(٤) أبو العباس سهل الأنصاري آخر من مات من الصحابة بالمدينة سنة ٩١هـ/ ٧٠٩م.
(٥) ج: السر.
(٦) ب: حارهم. د: ما رسم.
(٧) ب، ج، ز: خلافته.
(٨) ج: والتفت.
[ ٢٨٩ ]
وأما الوليد فقد روى بعض المفسرين أن الله سمام فاسقا في قوله ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة﴾ [الحجرات: ٦] فإما في قولهم نزلت فيه، أرسله النبي - ﷺ - مصدقا (١) إلى بني المصطلق فأخبر عنهم أنهم ارتدوا، فأرسل رسول الله - ﷺ - إليهم خالد بن الوليد (٢) فثبت في أمرهم، فبين بطلان قوله، وقد اختلف فيها، فقيل نزلت في ذلك، وقيل في علي، والوليد في قصة أخرى، وقيل: إن الوليد سبق يوم الفح في جملة الصبيان إلى رسول الله - ﷺ -. فمسح رؤوسهم، وبرك عليهم إلا هو، فقال: إنه كان على رأسي خلوق، فامتنع من مسه فمن يكون في هذا السن يرسل مصدقا؟ وبهذا الاختلاف يسقط العلماء الأحاديث القوية. فكيف (٣) يفسق رجل يتمثل هذا الكلام؟ فكيف رجل من أصحاب محمد ﷺ؟
[و١٠١ أ] وأما حده في الخمر، فقد حد عمر، قدامة بن مظعون (٤) على الخمر وهو أمير وعزله، ثم قيل له (٥): صالحه، وليست الذنوب مسقطة للعدالة إذا وقعت منها التوبة. وقد قيل لعثمان: إنك وليت الوليد، لأنه أخوك لأمك أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس فقال: بل لأنه ابن عمة رسول الله - ﷺ - أم حكيم البيضاء جدة عثمان، وجدة الوليد لأمهما، أروى المذكورة، وكانت (٦) أم حكيم توأمة عبد اللله أبي رسول الله - ﷺ -. واي حرج على المرء أن يولي أخاه أو قريبه؟ وأما تعلقهم بأن الكتاب وجد مع راكب، أو مع غلامه ولم يقل أحد قط (٧) إنه كان غلامه - إلى (٨) عبد الله بن سعد بن أبي سرح يأمره بقتل حامليه (٩) فقد قال لهم عثمان: أما أن تقيموا
_________________
(١) ب: - مصدقا.
(٢) خالد بن الوليد المخزومي توفي سنة ٢١هـ/ ٦٤١م.
(٣) ب، ج، ز: وكيف.
(٤) قدامة بن مظعون بن حبيب بن وهب الجمحي توفي سنة ٣٦ م / ٦٠٦ م. (طبقات خليفة بن خياط، ص٢٥).
(٥) كذا في جميع النسخ وأصلحه محب الدين: قيل إنه- ولم يشر إلى ذلك.
(٦) ب، ج، ز: - وكانت.
(٧) د: قط أحد.
(٨) د: إلا بني.
(٩) ج، ز: حامله.
[ ٢٩٠ ]
شاهدين (١) علي بذلك (٢)، وإلا فيميني أني ما كتبت ولا أمرت، وقد يكتب على لسان الرجل، ويضرب على خطه، وينقش على خاتمه. فقالوا: تسلم لنا (٣) مروان. فقال: لا أفعل. ولو سلمه لكان ظالما، وإنما عليهم أن يطلبوا حقهم عنده على مروان وسواه، فما ثبت كان هو منفذه، وآخذه إن كان له أخذه (٤) والممكن لمن يأخذه بالحق (٥). ومع سابقته وفضيلته (٦)، ومكانته، لم يثبت عليه ما يوجب خلعه، فضلا عن قتله. وأمثل ما روى في قصته أنه بالقضاء السابق، تألب عليه قوم، لأحقاد اعتقدوها، ممن (٧) طلب أمرا فلم يصل إليه، وحسد حسادة أظهر داءها (٨)، وحمله على ذلك، قلة دين، وضعف يقين، وإيثار للعاجلة (٩) على الآحلة، وإذا نظرت إليه دلك صريح ذكرهم (١٠)،على دناءة قدرهم (١١) وبطلان أمرهم، كان الغافقي المصري أمر القوم (١٢)، وكنانة بن بشر التجيبي (١٣)، وسودان بن حمران (١٤) وعبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي (١٥)، [و١٠١ ب] وحكيم بن جبلة (١٦) من أهل البصرة، ومالك بن الحارث الأشتر (١٧)، في طائفة، هؤلاء رؤوسهم، فناهيك
_________________
(١) د: شهيدين.
(٢) ب، ج، ز: على ذلك.
(٣) د: إلينا.
(٤) ب، ج، ز: - إن كان له أخذه.
(٥) د: أو الممكن لأخذه بالحق.
(٦) د: فضله.
(٧) ج: فمن.
(٨) ب، ج، ز: حساده وأظهروها. وأشير في هامش ب، ز إلى أنه يوجد في نسخة أخرى العبارة التي أثبتاها.
(٩) ب، ج، ز: العاجلة.
(١٠) ج: -ذكرهم.
(١١) ب: قلبهم وصححها محب الدين، ولم يشر إلى ذلك (ص١١١ - د: قلوبهم.
(١٢) الغافقي بن حرب العكي يمني الأصل. قتل في سنة ٣٦هـ/ ٦٥٦ م (ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ط. بيروت، ١٩٦٥ م، ج. ٢١٨ - ٢١٩).
(١٣) من الذين اتهموا بضرب الخليفة عثمان. توفي سنة ٣٨ م/٦٥٨ م (الطبري، ج٦ ص٥٨ - ٦٠) وقيل قتل سنة ٣٦هـ/ ٦٥٦م.
(١٤) أغلب الظن أنه قتل يوم الجمل ٣٦ هـ/٦٥٦م.
(١٥) من الذين كانوا مع علي في صفين. قتل سنة ٣٨ م/ ٦٥٨م.
(١٦) قتل يوم الجمل ٣٦ هـ/ ٦٥٦م.
(١٧) هلك في طريقه إلى مصر سنة ٣٨ هـ/ ٦٥٨م.
[ ٢٩١ ]
بغيرهم (١)، وقد كانوا آثاروا فتنة، فأخرجهم عثمان بالاجتهاد، وصاروا في جماعتهم عند معاوية، فذكرهم ب الله، وبالتقوى، لفساد الحال، وهتك حرمة الأمة، حتى قال له زيد بن صوحان (٢) يوما - فيما يروى -: كم تكثر علينا من الأمرة (٣)، وبقريش، فما زالت العرب تأكل من قوائم سيوفها، وقريش تجار. فقال له معاوية: (لا أم لك، أذكرك بالإسلام، وتذكرني بالجاهلية، قبح الله من كثر على أمير المؤمنين بكم، فما أنتم ممن ينفع، ولا يضر، أخرجوا عني) (٤). وأخبره ابن الكواء بأهل الفتنة في كل بلد، ومؤامراتهم فكتب إلى عثمان يخبره بذلك، فأرسل إليه بإشخاهم عليه، فأخرجهم معاوية، فمروا بعبد الرحمن بن خالد بن الوليد فحبسهم ووبخهم، وقال لهم؛ اذكروا لي (٥) ما كنتم تذكرون لمعاوية (٦) وحصرهم، وأمشاهم بين يديه أذلاء، حتى تابوا بعد حول، وكتب إلى عثمان بخبرهم، وكتب (٧) إليه أن سرحهم إلي، فلما مثلوا بين يديه جددوا التوبة، وحلفوا على صدقهم، وتبرأوا مما نسب إليهم فخيرهم حيث يسيرون، فاختار كل واحد ما أراد من البلاد: كوفة، وبصرة، ومصر، فأخرجهم، فما استقروا في جنب (٨) ما ساروا حتى ثاروا. وألبوا، حتى انضاف إليهم جمع، وساروا إليه، على أهل مصر: عبد الرحمن بن عديس البلوي (٩)، وعلى أهل البصرة: حكيم بن جبلة العبدي (١٠)، وعلى أهل الكوفة: الاشتر مالك بن الحارث النخعي (١١). فدخلوا المدينة هلال ذي القعدة سنة خمس وثلاثين، فاستقبلهم عثمان، فقالوا ادع بالمصحف، فدعا به، فقالوا: افتح
_________________
(١) ب: بعد بهم، وفي هامش ز: بعيدهم.
(٢) قتل في وقعة الجمل سنة ٣٦هـ/ ٦٥٦م.
(٣) د: بالإمرة.
(٤) الطبري، ج٥ ص ٨٦.
(٥) ب، ج، ز: - لي.
(٦) الطبري، ج ٥ ص٨٧.
(٧) د: فكتب.
(٨) ب: جنب. ج، ز: خبث. وكتب على هامش ب، ز: في نسخة: حيث. د: - ما.
(٩) عبد الرحمن بن عديس بن عمرو البلوي شهد فتح مصر، قتله أعرابي بحمص لما علم أنه من قتلة عثمان سنة ٣٦ هـ/ ٦٥٦م (السيوطي، حسن المحاضرة، ج١ ص٩٨).
(١٠) ب، ج، ز: - العبدي.
(١١) ب: - النخعي.
[ ٢٩٢ ]
السابعة (١) -يعني يونس-فقالوا له (٢): اقرأ، فقرأ، حتى انتهى إلى قوله (٣):
﴿آلله أذن لكم [و١٠٢ أ] أم على الله تفترون﴾ [يونس: ٥٩] قالوا له: قف.
قالوا له: أرأيت ما حميت من الحمى؟ إذن الله لك (٤) أم على الله افتريت؟ قال: أمضه، إنما نزلت في كذا، وقد حمى عمر، وزادت الإبل، فزدت. فجعلوا يتبعونه هكذا، وهو ظاهر عليهم، حتى قال لهم: ماذا (٥) تريدون؟ فأخذوا ميثاقه، وكتبوا عليه ستا أو خمسا: إن المنفي يقلب (٦)، والمحروم يعطي، ويوفر الفيء، ويعدل في القسم، ويستعمل ذو (٧) الأمانة والقوة. فكتبوا (٨) ذلك في كتاب، وأخذ عليهم ألا يشقوا عصا، ولا يفرقوا جماعة، ثم رجعوا راضين، وقيل: أرسل إليهم عليا فاتفقوا على الخمس (٩) المذكورة، ورجعوا راضين. فبينما هم (١٠)،كذلك، إذا راكب يتعرض لهم، ثم يفارقهم مرارا (١١)، قالوا: ما لك؟ قال: أنا رسول أمير المؤمنين إلى عامله يصر، ففتشوه فإذا هم بالكتاب على لسان عثمان، عليه خاتمه، إلى عامل مصر، أن يصلبهم، ويقطع أيديهم وأرجلهم، فأقبلوا حتى قدموا المدينة، فأتوا عليا، فقالوا له: ألم تر إلى عدوالله كتب فينا بكذا؟ وقد أحل الله دمه. قالوا له: فقم معنا إليه قال: والله لا أقوم معكم. قالوا له (١٢): فلم كتبت (١٣) إلينا؟
_________________
(١) ب، ج، ز: التاسعة. قارن (الطبري، ج٢ ص١١٧) ويونس يأتي ترتيبها السابعة في مصحف ابن مسعود (محب الدين الخطيب ص ١٢٤ ت "٤" ونسخة (د) تتفق مع ما ورد في، الطبري.
(٢) ب، ج، ز: - له.
(٣) د: أتى على قوله.
(٤) د: لك الله.
(٥) د: فما.
(٦) ب، ج، ز: يعلب. وكتبها محب الدين: يعاد. اجتهادا منه، ولكنه لم ينبه إلى ذلك، رغم أن الشخ ابن باديس اقترح نفس اللفظة (يقلب) في الهامش. محب الدين، ص١٢٥. ابن باديس، ص١١٨) وشهدت نسخة (د) لاقتراح ابن باديس.
(٧) ب: ذوو.
(٨) د: كتبوا.
(٩) د: خمس.
(١٠) د، ز: فبيناهم.
(١١) ج: فرارا.
(١٢) ب: - له.
(١٣) د: كتب.
[ ٢٩٣ ]
قال: والله ما كنت (١) إليكم، فنظر بعضهم إلى بعض، وخرج علي من المدينة، فانطلقوا إلى عثمان، فقالوا له: كتبت فينا كذا قال لهم: أما أن تقيموا اثنين من المسلمين أو بينة، كما تقدم ذكره. فلم يقبلوا ذلك (٢) منه، ونقضوا عهده، وحصروه. وقد روي أن عثمان جيء إليه بالأشتر فقال له: يريد القوم منك، إما أن تحلع نفسك، أو تقص (٣) منها، أو يقتلوك. فقال (٤): أما خلعي فلا أترك أمة محمد بعضها على بعض، وأما القصاص فصاحباي قبلي لم يقصا من أنفسهما، ولا يحتمل ذلك بدني.
وروي أن رجلا قال له نذرت دمك [و١٠٢ ب]. قال له: خذ جنبي (٥)، فشرط فيه بالسيف شرطة (٦) أراق منه دمه، ثم خرج الرجل، وركب راحلته، وانصرف في الحين، ولقد دخل عليه ابن عمر فقال: انظر ما يقول هؤلاء، يقولون اخلع نفسك أو نقتلك، فقال له: أمخلد أنت في الدنيا؟ قال: لا. قال: هل يزيدون على أن يقتلوك؟ قال: لا. قال: هل يملكون لك جنة أو نارا؟ قال: لا. قال: فلا تخلع قميص الله عنك (٧)، فتكون سنة، كلما كره قوم خليفتهم خلعوه، أو قتلوه. وقد أشرف عليهم عثمان، واحتج عليهم بالحديث الصحيح في بنيان المسجد، وحفر بئر رومة، وقول النبي حين رجف بهم أحد، وأقروا له به في أشياء ذكرها. وقد ثبت أن عثمان أشرف عليهم، وقال: أفيكم ابنا محدمج؟ (٨) أنشدكما الله، ألستما تعلمان أن عمر قال: إن ربيعة فاجر أو (٩) غادر، وإني والله لا أجعل فرائضهم وفرائض قوم جاءوا من مسيرة شهر (١٠)، وإنما مهر أحدهم عند طنيه (١١)، وإني زدتم في غزاة واحدة
_________________
(١) د: كتب- ورواية خليفة بن خياط: كتبت (تاريخ خليفة بن خياط، ج ١ ص١٤٦) والمؤلف هنا اعتمد على خليفة بن خياط في رواية أخبار الفتنة ووثقه فيها ونوه بإسناده.
(٢) د: - ذلك.
(٣) ج: تقتص.
(٤) د: قال.
(٥) ب: جبتي- د: جبيني.
(٦) ب، ج، ز: شرطة بالسيف.
(٧) د: عليك.
(٨) ج، ز: محروج.
(٩) ج، ز: إذ.
(١٠) أي سواء في الفريضة والسهم.
(١١) ب، ج، ز: طسه. والطني: الفجور، والتهمة. وفي رواية خليفة بن خياط: طنبه. وهو: سير يوصل بوتر القوس- (تاريخ خليفة بن نياط، ج-١ ص١٤٩).
[ ٢٩٤ ]
خمسمائة حتى ألحقتهم بهم؟. قالوا: بل قال: أذكركما الله، ألستما تعلمان أنكما أتيتماني، فقلتما: إن كندة آكلة رأس، وإن ربيعة هي الرأس، وإن الاشعث بن قيس (١) قد أكلهم فنزعته واستعملتكما؟ قالا: بلى. قال: الله م إنهم (٢) كفروا (٣) معروفي، وبدلوا نعمتي، فلا ترضهم (٤) عن إمامهم ولا ترض (٥) إماما عنهم.
وقد روى عبد الله بن عامر بن ربيعة (٦)، قال: كنت مع عثمان في الدار فقال: أعزم على كل من رأى أن عليه سمعا وطاعة، إلا كف يده وسلاحه، ثم قال: قم يا ابن عمر- وعلى ابن عمر سيفه متقلدا - فاجر بين الناس، فخرج ابن عمر، ودخلوا فقتلوه. وجاءه (٧) زيد بن ثابت فقال له: إن هؤلاء الأنصار [و١٠٣ أ] بالباب يقولون: إن شئت كنا أنصار الله، مرتين (٨) قال: لا حاجة لي في ذلك كفوا. وقال له (٩) أبو هريرة (١٠): اليوم طاب الضرب (١١) معك- قال: عزمت عليك لتخرجن. وكان الحسن بن علي (١٢) آخر من خرج
من عنده، فإنه جاء الحسن والحسين (١٣)، وابن عمر، وابن الزبير، ومروان، فعزم عليهم في وضع سلاحهم، وخروجهم، ولزوم بيوتهم، فقال له ابن
_________________
(١) الأشعث بن قيس بن معدي كرب الكندي أبو محمد ت وفي سنة ٤٠ هـ/ ٦٦١م. (العبر، ج١ ص٤٦. دائرة المعارف الإسلامية، مجلد ١ ص ١٦).
(٢) ب: إنهما.
(٣) ج، ز: كفرا.
(٤) ج، ر: ترضيهم.
(٥) ج، ز: ترضي. نفس النص ورد في تاريخ خليفة بن خياط، ج ١/ ١٤٩.
(٦) عبد الله بن عامر بن ربيعة، روى عن النبي، وتوفي، سنة ٨٠ م / ٦٩٩ م (طبقات خليفة بن خياط ص٢٣٥).
(٧) ب: جاء
(٨) يقصدون بذلك أنهم نصروا النبي المرة الأولى، وينصرون عثمان المرة الثانية. ولا يقصد بذلك تكرار العبارة كما فهم الشيخ ابن باديس (ج٢ ص١٢٠).
(٩) د: -له.
(١٠) توفي أبو هريرة سنة ٥٧هـ/ ٦٧٦م، وقيل ٥٩هـ/ ٦٧٨م (العبر، ج١ ص ٦٢ - ٦٣).
(١١) د: طاب أم ضرب. على لغة مصر.
(١٢) توفي الحسن بن علي بالمدينة سنة ٥٠هـ/ ٦٧٠م.
(١٣) استشهد بكربلاء سنة ٦١ هـ/ ٦٨٠م.
[ ٢٩٥ ]
الزبير ومروان: نحن نعزم على أنفسنا ألا (١) نبرح، ففتح عثمان الباب، ودخلوا عليه في أصح الأقوال، فقتله (٢) الموت (٣) الأسود، وقيل أخذ ابن أبي بكر (٤) بلحيته وذبحه رومان (٥)، وقيل رجل من أهل مصر يقال له حمار، فسقطت قطرة من دمه على المصحف على قوله: (فسيكفيكهم الله﴾ [البقرة: ١٣٧] فإنها (٦) فيه ما حكت (٧) إلى الآن.
وروي أن عائشة ﵂ قالت: غضبت لكم من السوط، ولا أغضب لعثمان من السيف استعتبتموه حتى إذا تركتموه كالغل (٨) المصفى، ومصتموه (٩) موص (١٠) الإناء، وتركتموه كالثوب المنقى من الدنس ثم قتلتموه. قال مسروق: فقلت لها: هذا عملك كتبت إلى الناس تأمرينهم (١١) بالخروج عليه فقالت عائشة: والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون ما كتبت إليهم
_________________
(١) ب، ج، ز: لا. وهذه الروايات والنصوص كلها أوردها خليفة بن خياط في تاربجه، ج ١ ص ١٥٠ - ١٥٤.
(٢) د: فقله.
(٣) ب، ج، ز: المرء. وتتفق (د) مع ما ورد في تارخ الطبري حيث عبر عن ذلك بالموت فقال: ودخل عليه رجل يقال له: الموت الأسود (الطبري، ج٤ ص٣٨٤) وذكر خليفة بنخياط أنه رجل من بني سدوس يق الله: الموت الأسود (تاريخ خليفة بن خياط، ج ١ ص١٠٢).
(٤) محمد بن أبي بكر الصديق قتل سنة ٣٨ هـ/ ٦٥٨م.
(٥) رومان رجل من بني أسد بن خزيمة. وليس محرفا كما قال محب الدين حيثوضع مكانه كنانة بن بشر بدعوى أننسخة الجزائر كثيرة التحريف (ص ١٣٠) انظر (تاريخ خليفة بن خياط، ج١ ص١٥٣).
(٦) ج: فاندا.
(٧) ج، ز: حالت.
(٨) ب، ج، ز: العبد. وأصلحه الشيخ محب الدين ب: القد. ولعله: الذهب. لأنه قد ورد في تاريخ ابن الأثير في شأن عثمان: كما يخلص الذهب من خبثه أو الثوب من درنه إذا ماصوه كما يماص الثوب بالماء. ج١ ص ٢٠٧) وأما ما ورد في (د) من: الغل فيطلق على النوى المختلط بالقت (القاموس المحيط) وفي تاريخ ابن الخياط "كالقلب" (ج ١ ص١٥٤).
(٩) ج: مصنتموه. د: موصتموه.
(١٠) الموص: الغسل بالأصابع.
(١١) ب: تأمريهم. ج، ز: تأمرهم.
[ ٢٩٦ ]
سوادا في بياض. قال الأعمش (١): فكانوا يرون أنه كتب على لسانها. وقد روي أنه ما قتله أحد إلا أعلاج من أهل مصر.
قال القاضي أبو مكر (٢) ﵁: فهذا أشبه ما روي في الباب، وبه يتبين، وبأصل المسألة، وسلوك (٣) سبيل الحق، أن أحدا من الصحابة لم يسع عليه، ولا قعد عنه ولو استنصر ما غلب ألف أو أربعة آلاف غرباء عشرين (٤) ألفا بلديين أو أكثر من ذلك، ولكنه ألقى بيده إلى المصيبة. وقد اختلف العلماء فيمن نزل به مثلها، هل يلقى [و١٠٣ ب] بيده أو يستنصر، وأجاز بعضهم أن يستسلم، ويلقي بيده اقتداء بفعل عثمان، وبتوصية النبي - ﷺ - بذلك في الفتة.
قال القاضي أبو بكر (٥) ﵁: ولقد حكمت بين الناس، فألزمتهم الصلاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى لم يكن (٦)، يرى (٧) في الأرض منكر، واشتد الخطب على أهل الغصب (٨) وعظم على الفسقة الكرب، فتألبوا وألبوا، وثاروا إلي، واستلمت لأمر الله، وأمرت كل من حولي ألا يدفعوا عن داري، وخرجت على السطوح بنفسي، فعاثوا علي، وأمسيت سليب الدار، ولولا ما سبق من حسن المقدار، لكنت قتيل الدار. وكان الذي حملي على ذلك ثلاثة أمور: أحدها: وصية (٩) النبي (١٠) - ﷺ -، المتقدمة (١١). الثاني: الاقتداء بعثمان. الثالث: سوء الأحدوثة التي (١٢) فر منها رسول الله. المؤيد (١٣) بالوحي. فإن من غاب عني، بل من حضر من
_________________
(١) أبو محمد سليمان بن مهران الأسدي توفي سنة ١٤٨ هـ/٧٦٥ م.
(٢) د: قال أبي.
(٣) ب: وأصل المسألة سلوك. ج، ز: بأصل المسألة سلوك.
(٤) ب: عشرون.
(٥) د: قال أبي.
(٦) د: تلك.
(٧) ج، د، ز: ترى.
(٨) ب، ج، ز: الغضب.
(٩) ج، ز: وصاءة. د: وصاة.
(١٠) ز: في الهامش: في نسخة: المهدي.
(١١) ب: المهدي.
(١٢) ج: تكرر: التي.
(١٣) ج: تكرر: المؤيد.
[ ٢٩٧ ]
الحسدة معي، خفت أن يقول (١): إن الناس مشوا مستعينين به (٢) مستغيثين له، فأراق دماءهم.
وأمر عثمان كله سنة ماضية، وسيرة راضية، فإنه تحقق أنه مقتول بخبر الصادق له بذلك، وأنه بشره بالجنة على بلوى تصيبه، وأنه شهيد. وروى أنه قال له في المنام: إن شئت نصرتك، أو تفطر عندنا الليلة. وقد انتدب (٣) المردة والجهلة إلى أن يقولوا: إن كل فاضل من الصحابة كان عليه ساعيا (٤) مؤلبا، وبما جرى عليه راضيا، واخترعوا كتابا فيه (٥)، فصاحة وأمثال، كتب عثمان به مستصرخا إلى علي، وذلك كله مصنوع، ليوغر (٦) قلوب المسلمين، على السلف الماضين؛، والخلفاء الراشدين.
قال القاضي أبو بكر (٧) ﵁ (٨): فالذي تنخل (٩) من ذلك أن عثمان [و١٠٤ أ] مظلوم، محجوج بغير حجة، وأن الصحابة برآء عن دمه بأجمعهم، لأنم أتوا إرادته، وسلموا له رأيه في إسلام نفسه، ولقد (١٠)، ثبت زائدا (١١)، إلى ما تقدم عنهم، أن عبد الله بن الزبير، قال لعثمان: أنا معك في الدار عصابة مستبصرة، ينصر (١٢) الله بأقل منهم، فأذن لنا، فقال: اذكر الله رجلا أراق لي (١٣)، دمه أو قال دما. قال (١٤) سلط بن أبي سليط (١٥): نهانا عثمان
_________________
(١) د: يقولوا.
(٢) ب، ج، ز: مستعينين به.
(٣) ب: انتدبت.
(٤) ب: مشاغبا. ج، ز: شاغبا.
(٥) ب، ج، د، ز: كتبا فيها. وفي هامش ب، ز: في نسخة: كتابا فيه.
(٦) د: لتوغر.
(٧) د: قال أبي.
(٨) ب، ج، ز: - ﵁.
(٩) ب، ج، ز: ينحل.
(١٠) ج: قد.
(١١) ج، ز: زايلا.
(١٢) د: مستنصرة بنصر. وفي تاريخ ابن خياط: عصابة مستبصرة ينصر الله (ج١ ص ١٥٠).
(١٣) في تاريخ خليفة بن خياط: في.
(١٤) د: وقال.
(١٥) سليط بن أبي سليط بن عبد الله بن عمرو استشهد سنة ٦٣ هـ-/٦٨٢ م (تاريخ خليفة بن خياط، ج١ ص ٢٣٥.
[ ٢٩٨ ]
عن قتالهم، فلو أذن لنا لضربناهم حتى نخرجهم من أقطارها (١). وقال عبد الله بن عامر بن ربيعة: كنت مع عثمان في الدار، فقال: أعزم على كل من رأى أن لي (٢) عليه سمعا وطاعة، إلا كف يده وسلاحه، فإن أفضلكم غناء من كف يده وسلاحه. وثبت أن الحسن والحسين وابن الزبير، وابن عمر، ومروان، كلهم شاك في السلاح، حتى دخلوا الدار، فقال عثمان: أعزم عليكم لما رجعتم فوضعتم أسلحتكم، ولزمتم بيوتكم (٣). فلما قضى الله من أمره ما قضى، ومضى في قدره ما مضى، علم أن الحق ألا (٤)، يترك الناس سدى، وأن الخلق بعده مفتقرون إلى خليفة، مفروض عليهم النظر فيه. ولم يكن بعد الثلاث (٥) كالرابع قدرا، وعلما، وتقى، ودينا، فانعقدت له البيعة ولولا الإسراع (٦) بعقد البيعة لعلي، لجري على من بها من الأوباش، ما لا يرقع خرقه، ولكن عزم عليه المهاجرون والأنصار، ورأى ذلك فرضا عليه، فانقاد إليه، وعقد (٧) له البيعة طلحة فقال الناس: بايع عليا يد شلاء، والله لا يتم هذا الأمر.
فإن قيل بايعا مكرهين. قلنا: حاشا لله أن يكرها لهما ولمن بايعهما، ولو كانا مكرهين ما أثر ذلك، لأن واحدا أو اثنين تنعقد بهما البيعة (٨) وتتم، ومن بايع (٩) بعد ذلك فهو لازم له، وهو مكره على ذلك شرعا، ولو لم يبايعا ما أثر ذلك فيهما، ولا في بيعة الإمام. وأما [و١٠٤ ب] من قال: يد شلاء وأمر لا يتم، فذلك ظن من القائل أن طلحة أول من بايع. ولم يكن كذلك. فإن قيل: فقد قال طلحة: "بايعت واللج (١٠) على قفي" (١١) قلنا: اخترع هذا الحديث من أراد أن يجعل في "القفا" لغة: "قفي" (١٢) كما يجعل في "الهوى"
_________________
(١) ب، ج، ز: أقطارنا. وفي تاريخ خليفة بن خياط: أقطارها (ص ١٥٠).
(٢) د: - لي.
(٣) تاريخ خليفة بن خياط، ج ١ ص١٥٢.
(٤) ب، ج، ز: لا.
(٥) د: الثلاثة.
(٦) د: الانتزاع.
(٧) ج: وانعقد.
(٨) ب، ج، ز: البيعة بهما.
(٩) د: تابع
(١٠) في جميع النسخ: اللح. وصوابه. وهو السيف. وقد أصلحه الشيخ محب الدين الخطيب ولم ينبه إلى ذلك. (ص١٤٤).
(١١) ج، ز: ففا.
(١٢) ج، ز: ففي.
[ ٢٩٩ ]
وهوى» وتلك لغة (١) هذيل لا قريش، فكانت كذبة لم تدبر. وأما قولهم: "يد شلاء" لو صح فلا متعلق لهم فيه. فإن يدا شلت في وقاية رسول الله - ﷺ - يتم لها كل أمر، ويتوقى بها من كل مكروه، وقد تم الأمر على وجهه، ونفذ (٢) القدر بعد ذلك على حكمه، وجهل المبتدع ذلك، فاخترع ما هو حجة عليه. فإن قيل بايعوه على أن يقتل قتلة عثمان. قلنا: هذا لا يصح (٣) في شرط البيعة إنما (٤) بايعوه (٥) على الحكم بالحق، وهو أن (٦) يحصر الطالب للدم، ويحضر المطلوب، وتقع الدعوى، ويكون الجواب، وتقوم البينة، ويقع الحكم، فأما على الهجم عليه بما كان من قول مطلق، أو فعل غير محقق، أو سماع كلام، فليس ذلك في دين الإسلام.
قالت العثمانية: تخلف عنه من الصحابة جماعة منهم سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة (٧)، وابن عمر، وأسامة بن زيد، وسواهم من نظرائهم. قلنا: أما بيعته (٨) فلم يتخلف عنها أحد (٩)، وأما نصرته فتخلف عنها قوم، منهم من ذكرتم، لأنها كانت مسألة اجتهادية (١٠). فاجتهد كل واحد (١١)، وأعمل نظره، وأصاب قدره (١٢).