أما وجود الحرب بينهم فمعلوم قطعا، أما كونه بهذا السبب فمعلوم كذلك قطعا. وأما الصواب فيه فمع علي، لأن الطالب للدم لا يصح أن يحكم، وتهمة الطالب للقاضي، لا توجب (٢) عليه أن يخرج عليه، بل يطلب عنده فإن [و١٠٧ أ]، ظهر له قضاء، وإلا سكت، وصبر، فكم من حق يحكم الله فيه. وإن لم يكن له دين فحينئذ يخرج عليه، فيقوم له عذر في الدنيا. ولئن اتهم علي بقتل عثمان، فليس في المدينة أحد من أصحاب النبي إلا وهو متهم به، أو قل معلوم قطعا أنه قتله، لأن ألف رجل لا يغلبون أربعين ألفا، جاءوا (٣) لقتل عثمان. وهبك أن عليا، وطلحة، والزبير تظافروا على قتل عثمان، فباقي الصحابة من المهاجرين والأنصار، ومن اعتد فيهم، وضوى (٤) إليهم، ماذا صنعوا بالقعود عن نصرته؟ فلا (٥) يخلو أن يكون لأنهم رأوا أولئك طلبوا حقا، وفعلوا حقا، فهذه شهادة قائمة على عثمان، فلا كلام لأهل الشام. وإن كانوا قعدوا عنه استهزاء بالدين، وأنهم لم يكن لهم رأس مال (٦) في الحال، ولا مبالاة عندهم بالإسلام، ولا فيما يجري فيه من اختلال، فهي (٧) ردة ليست معصية. لأن التهاون بحدود الدين والإسلام، وتعريض حرمات (٨) الشريعة للتضييع كفر. وإن كانوا قعدوا لأنهم لم يروا أن يتعدوا حد عثمان إشارته، فأي ذنب لهم فيه؟ وأي حجة لمروان، وعبد الله بن الزبير، والحسن، والحسين، وابن عمر، وأعيان العشرة معه في داره، يدخلون إليه، ويخرجون عنه في الشكة والسلاح، والمطالبون (٩) ينظرون؟ ولو كان لهم بهم قوة
_________________
(١) ب: إنشاء.
(٢) ب: يوجب.
(٣) ج: جاء.
(٤) د: صوا.
(٥) ب: ولا. د: لا.
(٦) ب، ج، ز: - مال. وجعل محب الدين الخطيب "رأس" رأى دون أن ينبه إلى ذلك. (ص ١٦٦).
(٧) ج، ز: وهي.
(٨) ب، ج، ز: وإسلام حرمات.
(٩) ب: الطالبون.
[ ٣٠٦ ]
أو آووا (١) إلى ركن شديد، لما مكنوا أحدا أن يراه منهم، ولا يداخله، وإنما كانوا نظارة. فلو قام في وجوههم الحسن، والحسين، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ما جسروا، ولو قتلوهم ما بقي على الأرض منهم حي (٢). ولكن عثمان سلم نفسه، فترك ورأيه، وهي مسألة اجتهاد، كما قدمنا. وأي كلام كان يكون لعلي لو كتبت عنده البيعة (٣)، وحضر عنده ولي عثمان، قال له: يا أيها [و١٠٧ ب] الخليفة؟ - ومما تمالأ (٤) عليه ألف نسمة حتى قتلوه وهم معلومون - ماذا كان يقول إلا "أثبت وخذ" وفي يوم كان يثبت، إلا أن يثبتوا هم أن عثمان كان مستحقا للقتل. وت الله (٥) لتعلمن يا معشر المسلمين أنه ما كان يثبت (٦) على عثمان ظلم أبدا، وكان يكون الوقت أمكن للطلب، وأرفق في الحال، وأيسر وصولا إلى المطلوب.
والذي يكشف الغطاء في ذلك أن معاوية لما صار إليه الأمر، لم يمكنه أن يقتل من قتلة عثمان أحدا، إلا بحكم، إلا من قتل في حرب بتأويل، أو دس عليه فيما قيل، حتى انتهى الأمر إلى زمان (٧) الحجاج (٨). وهم يقتلون بالتهمة، لا بالحقيقة فتبين لكم أنهم ما كانوا (٩) في ملكهم يفعلون، ما أضحوا (١٠) له يطلبون. والذي تثلج به صدوركم، أن النبي - ﷺ - ذكر في الفتن، وأشار، وبين، وأنذر الخوارج وقال: (تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق) (١١) فبين أن كل طائفة تتعلق بالحق، ولكن طائفة علي أدنى إليه. وقال تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما
_________________
(١) ب: أووا.
(٢) د: بقي منهم.
(٣) غير محب الدين هذه العبارة فكتب: "لما تمت له البيعة" ولم يشر إلى ذلك. وهو مخالف للنص في جميع النسخ (ص ١٦٧) - وهذا أدى إلى تغيير المعنى الذي قصد إليه المؤلف.
(٤) غير محب الدين النص هنا أيضا هكذا: وقال له: إن الخليفة قد تمالا عليه ..) وهو مخالف لجميع النسخ ومؤد إلى تغيير في المعنى. والغريب أنه لم يشر إلى أنه غير أو بدل أو اقترح. (ص ١٦٧).
(٥) ب، ج، ز: ب الله.
(٦) ج، ز: ثبت.
(٧) ج، د: زمن.
(٨) الحجاج بن يوسف الثقفي توفي سنة ٩٥هـ/ ٧١٣م.
(٩) د: كان.
(١٠) ب، ج، ز: أصبحوا.
(١١) أخرجه البخاري ومسلم.
[ ٣٠٧ ]
على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل، وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ [الحجرات: ٩] فلم يخرجهم عن الإيمان بالبغي بالتأويل، ولا سلبهم اسم الأخوة بقوله بعده: ﴿إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم﴾ [الحجرات: ١٠] وقال في عمار (١): (تقتله الفئة الباغية) (٢)، وقال في الحسين: (ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين) فحسن له خلعه نفسه وإصلاحه.
وكذلك يروي أنه أذن في الرؤيا لعثمان في أن يستسلم، ويفطر عنده الليلة. فهذه كلها أمور جرت على رسم النزاع (٣)، ولم تخرج عن طريق من [و١٠٨ أ] طرق (٤) الفقه (٥)، ولا تعدت (٦) سبيل الاجتهاد، الذي يؤجر فيه المصيب عشرة، والمخطئ أجرا واحدا. وما وقع من روايات في كتب التاريخ (٧) - عدا ما ذكرنا - فلا تلتفتوا إلى حرف (٨) منها، فإنها كلها باطلة.