قال القاضي أبو بكر (٢) ﵁: يكفيك من شر سمعه، فكيف التململ به. خمسمائة عام كملا (٣) إلى يوم مقالي هذا لا ينقص منها (٤) يوم، ولا يزيد يوم (٥) وهو مهل شعبان سنة (٦) ست وثلاثين (٧) وخمسمائة، ماذا يرجى بعد التمام إلا النقص ما رضيت اليهود والنصارى (٨) في أصحاب موسى وعيسى بما (٩) رضيت به الروافض في أصحاب محمد - ﷺ - حين حكموا عليهم بأنهم قد اتفقوا على الكفر والباطل. فما يرجى من هؤلاء، وما يستبقى منهم؟ وقد (١٠) قال الله تعالى: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم﴾ [النور: ٥٥] وهذا قول صدق، ووعد حق. وقد انقرض عصرهم، ولا خليفة فيهم، ولا تمكين، ولا أمن ولا سكون إلا في ظلم، وتعد (١١)، وغضب، وهرج، وتشتيت كلمة، وإثارة ثائرة.
وقد أجمعت الأمة على أن النبي - ﷺ - ما نص على أحد يكون من بعده، وقد (١٢) قال العباس لعلي فيما روى عبد الله ابنه قال عبد الله بن عباس: خرج علي بن أبي طالب ﵁ من عند رسول الله - ﷺ - في وجعه الذي توفي
_________________
(١) د: فكيف ويقولون.
(٢) د: قال أبي.
(٣) ب، ج، ز: كلا. وكتبه محب الدين "عدا" دون أن ينبه إلى ذلك. (ص ١٨٤).
(٤) د: منه.
(٥) ب، ج، د، ز: يوما. وكتب محب الدين: ننقص يوما نزيد يوما.
(٦) د: من سنة.
(٧) ب، ز: - ثلاثين، + يلز. وهو تاريخ تأليف هذا الكتاب.
(٨) ب، ج، ز: النصارى واليهود.
(٩) ب: ما.
(١٠) ب: وقد.
(١١) ج، ز: تعدى.
(١٢) ج، ز: وقال.
[ ٣١٤ ]
فيه، فقال الناس: يا أبا حسن كيف أصبح رسول الله - ﷺ -؟ قال: أصبح بحمد الله بارئا. فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب، فقال له: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا [و١١٠ ب] وإني (١) والله (٢) لأرى رسول الله (٣) سوف يتوفى من وجعه هذا، إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت، اذهب بنا إلى رسول الله (٤) فلنسأله فيمن يكون (٥) هذا الأمر بعده (٦)، فإن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمناه (٧) فأوصى بنا (٨). فقال علي: أنا والله لئن سألناها رسول الله (٩) فمنعناها (١٠) لا يعطيناها الناس بعده، وإني والله لا أسألها رسول الله (١١).
قال القاضي أبو بكر (١٢) ﵁: رأي العباس عندي أصح، وأقرب إلى الآخرة، والتصريح بالتحقيق. وهذا يبطل قول مدعي (١٣) الإشارة باستخلاف علي، فكيف أن يدعي فيه نص؟!. فأما أبو بكر فقد جاءت امرأة (١٤) إلى النبي فسألته شيئا فأمرها أن ترجع إليه قالت له: فإن لم أجدك - كأنها تعني الموت - قال (١٥): تجدين أبا بكر (١٦). وقال النبي لعمر وقد وقع بينه وبن أبي بكر كلام، فتعفرثجه النبي (١٧)، حتى أشفق من ذلك أبو بكر، وقال النبي (١٨): هل أنتم تاركوا لي صاحبي - مرتين - إني بعثت إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر: صدقت، ألا إني أبرأ إلى كل خليل من خلته (١٩)،
_________________
(١) ب، ج، ز: لأني.
(٢) ب: - والله.
(٣) ب، ج، ز:+ ﷺ.
(٤) ب، ج، ز:، ﷺ.
(٥) د: - يكون.
(٦) د: - بعده.
(٧) ب: علمنا.
(٨) ج: فأوصانا. ز: فأوصا بنا.
(٩) ب، ج، ز:+ ﷺ.
(١٠) ب: فمعناها.
(١١) ب، ج، ز:، ﷺ.
(١٢) د: قال أبي.
(١٣) د: من يدعى. وفي هامش ز في نسخة: من يدعى.
(١٤) ب: - فقد جاءت امرأة.
(١٥) ب: + لها.
(١٦) أخرجه البخاري.
(١٧) ب، ج، ز:+ ﷺ.
(١٨) ج: - النبي. ب، ز:+ ﷺ.
(١٩) د: خله.
[ ٣١٥ ]
وقال النبي (١): "لو كنت متخذا (٢) في الإسلام خليلا، لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخي وصاحبي، وقد اتخذ الله صاحبكم خليلا، لا تبقين (٣) في المسجد خوخة إلا خوخة أبي (٤) بكر". وقال قال النبي (٥): "بينما أنا نائم رأيتني على قليب (٦) عليها دلو فنزعت منها ما شاء الله ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع منها ذنوبا (٧) أو ذنوبين وفي نزعه ضعف والله يغفر له، ثم استحالت غربا (٨) فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريا من الناس ينزع نزع عمر، حتى ضرب الناس بعطن" (٩).
وقد ثبت أن النبي - ﷺ - صعد أحدا، وأبو بكر وعمر وعثمان (١٠) فرجف بهم فقال: "اثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان) (١١) وقال (١٢): [و١١١ أ]- ﷺ -: "إنه (١٣) كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإن يكن في أمتي منهم أحد فعمر" (١٤) وقال النبي (١٥) لعائشة (١٦) في مرضه: "أدعي (١٧) لي أباك (١٨) وأخاك حتى أكتب كتابا، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" (١٩) وقال ابن عباس: (إن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله إني أرى الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون بأيديهم، فالمستكثر والمستقل، وأرى سببا واصلا من السماء إلى الأرض، فأراك أخذت به (٢٠) فعلوت ثم أخذ به رجل (من بعدك فعلا، ثم
_________________
(١) ب، ج، ز: + ﷺ.
(٢) ج: متخذا.
(٣) ب: يبقين.
(٤) ج: أبا.
(٥) ب، ج، ز: + ﷺ.
(٦) بئر.
(٧) الدلو العظيمة.
(٨) الدلو الواسعة.
(٩) أخرجه البخاري.
(١٠) ب، ج، ز: + ﵃.
(١١) أخرجه مسلم.
(١٢) ج: + النبي.
(١٣) في لفظ البخاري: لقد.
(١٤) أخرجه البخاري.
(١٥) ب، ج، ز: + ﷺ.
(١٦) ب، ج، ز: ﵂.
(١٧) ب، ج، د، ز: ادع.
(١٨) ب، ج، ز: أبا بكر.
(١٩) أخرجه أحمد في مسنده.
(٢٠) د: منه.
[ ٣١٦ ]
أخذ به رجل آخر فعلا ثم أخذ به رجل) (١). آخر فانقطع. ثم وصل له فعلا - وذكر الحديث - ثم عبرها أبو بكر فقال: أما (٢) السبب الواصل من السماء (٣) فالحق الذي أنت عليه، فأخذته (٤) فيعليك الله ثم يأخذ به رجل آخر (٥) من بعدك (٦)، فيعلو به ثم يأخذه (٧) رجل آخر، فيعلو به (٨)، ثم يأخذه (٩) رجل آخر فينقطع به (١٠)، ثم يوصل له فيعلو به (١١)، وصح أن النبي (١٢) قال ذات يوم: "من رأى منكم رؤيا؟ " فقال رجل: أنا رأيت كأن ميزانا نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت، ووزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر، ووزن عمر وعثمان فرجح عمر ثم رفع الميزان، فرأينا الكراهية في وجه رسول الله (١٣).
وهذه الأحاديث جبال في البيان، وجبال (١٤) في التسبيب (١٥) إلى الحق لمن وفقه الله، ولو لم يكن معكم أيها السنية إلا قوله: ﴿ألا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار﴾ (١٦) [التوبة: ٤٠] فجعلهم (١٧) في نصيب (١٨)، وجعل أبا بكر في نصيب (١٩) آخر. وقام معه (٢٠) جميع الصحابة. وإذا تبصرتم هذه الحقائق فليس يخفي عنها حال الخلفاء في جلالهم (٢١)، وولايتهم، وترتيبهم خصوصا وعموما [و١١١ ب] وقد قال تعالى: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في
_________________
(١) ب، ج، ز: - ما ين القوسين.
(٢) ب، د: وأما.
(٣) ب: + إلى.
(٤) ب: تأخذ به.
(٥) ج، ز: + يعدل.
(٦) ج، ز: - من بعدك.
(٧) د: يأخذ به.
(٨) ج، ثم يأخذه رجل آخر فيعلو به.
(٩) د: يأخذ به.
(١٠) ج، ز: + في يده.
(١١) أورده البخاري.
(١٢) ب، ج، ز: + ﷺ.
(١٣) ب، ج، ز: + ﷺ. أخرجه الترمذي وأحمد وأبو داود.
(١٤) ب: جبال.
(١٥) ب، ج، ز: السبب.
(١٦) ب، د: - إذ هما في الغار.
(١٧) ب، ج، ز: فجعلها.
(١٨) ب: نصيف.
(١٩) ب: نصيف.
(٢٠) د: له. في هامش ب، ز: في نسخة: به.
(٢١) ب، ج، ز: خلالهم.
[ ٣١٧ ]
الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا لا يشركون بي شيئا﴾ [النور: ٥٥] وإذا لم ينفذ هذا الوعد في الخلفاء فلمن ينفذ؟ وإذا لم يكن فيهم ففيمن (١) يكون؟ والدليل عليه انعقاد الإجماع أنه لم يتقدمهم في الفضيلة أحد إلى يومنا هذا وما (٢) بعدهم مختلف فيه، فأولئك مقطوع بهم، متيقن إمامتهم، ثابت نفوذ وعد الله لهم، فإنهم ذبوا عن حوزة المسلمين وقاموا بسياسة الدين. قال علماؤنا: ومن بعدهم تبع لهم من أيمة (٣) الدين (٤)، الذين هم أركان الملة، ودعائم الشريعة، الناصحون لعباد الله، الهادون من استرشد إلى الله، فأما من كان من الولاة الظلمة فضرره (٥) مقصور على الدنيا وأحكامها. وأما (٦) حفاظ الدين فهم الأيمة العلماء الناصحون لدين الله، وهم أربعة أصناف.
الصنف الأول: حفظوا أخبار رسول الله (٧)، وهم بمنزلة الخزان لأقوات المعاش.
الصنف الثاني: علماء الأصول، ذبوا عن دين الله، أهل العناد، وأصحاب البدع، فهم شجعان الإسلام، وأبطاله المداعسون (٨) عنه في مآزق الضلال.
الصنف الثالث: قوم ضبطوا أصول العبادات، وقانون العاملات، وميزوا المحللات من المحرمات، وأحكموا الجراح (٩) والديات، وبينوا معاني الإيمان والمنذورات (١٠)، وفصلوا الأحكام في الدعاوى، فهم في الدين بمنزلة الوكلاء المتصرفين (١١) في الأموال.
_________________
(١) ب: فيمن. وكتبها محب الدين: فبمن.
(٢) كذا في جميع النسخ. وكتبها محب الدين: من.
(٣) ب، ج، ز: الأيمة.
(٤) ب، ج، ز: - الدين.
(٥) ب، ج، ز: فضرورة.
(٦) د: فأما.
(٧) ب، ج، ز:+ ﷺ.
(٨) أي المدافعون.
(٩) ب، ج، ز: الخراج.
(١٠) ب: النذورات. وكتبها محب الدين: النذور.
(١١) ب: المتطرفون. ج، ز: المتصرفون.
[ ٣١٨ ]
الصنف الرابع: تجردوا للخدمة، ودأبوا على العبادة، واعتزلوا الخلق، وهم في الآخرة كخواص الملك في الدنيا.
وقد أوضحنا في كتاب "سراج [و١١٢] المريدين" في القسم الرابع من علوم القرآن أي المنازل (١) أفضل من هؤلاء الأصناف، وترتيب درجاتهم (٢). قال القاضي أبو بكر (٣) ﵁: فهذه (٤) كلها إشارات أو تصريحات أو دلالات أو تنبيهات، و(٥) مجموع ذلك يدل على صحة ما جرى، وتحقيق ما كان بين الفضلاء (٦)، ونقول - بعد هذا البيان - على مقام آخر: لو كان هنالك نص على أبي بكر يذكر (٧) أو على علي لم يكن بد من احتجاج علي به، أو يحتج له به (٨) غيره من المهاجرين والأنصار، فأما حديث غدير خم فلا حجة فيه، لأنه إنما استخلفه في حياته على المدينه، كما استخلف موسى هارون في حياته عند سفره للمناجاة، على بني إسرائيل، وقد اتفق الكل من إخوانهم اليهود قاطبة (٩) على أن موسى مات بعد هارون، فأين الخلافة؟.
وأما قوله: " اللهم وال من والاه" فكلام صحيح، ودعوة مجابة، وما نعلم أحدا (١٠) عاداه إلا الرافضة، فإنهم أنزلوه في غير منزلته (١١)، ونسبوا إليه ما لا يليق بدرجته، والزيادة في الحد (١٢) نقصان من المحدود، ولو تعدى عليها (١٣) أبو بكر، ما كان المتعدي وحده بل جميع الصحابة، كما قلنا؟ لأنهم ساعدوه على الباطل. ولا تستغربوا هذا من قولهم، فإنهم يقولون: إن النبي كان
_________________
(١) د: المنزلتين.
(٢) ج، ز: - وترتيب درجاتهم.
(٣) د: قال أبي.
(٤) ب، ج، ز: وهذه.
(٥) ب، ج، ز: - و.
(٦) - ب: من العقلا. ج، ز: بين العقلاء.
(٧) ب ج، ز: - يذكر. د: يذكر. وفي هامش ب، ز: في نسخة: يذكر.
(٨) ب، ج، ز:+ على.
(٩) ب: - قاطبة.
(١٠) ب: يعلم أحد.
(١١) د: منزله.
(١٢) ب: الحق.
(١٣) د: عليه. وفي هامش: ب، ج، ز: في نسخة: عليه.
[ ٣١٩ ]
مداريا لهم (١) وممتحنا (٢) بهم (٣) على نفاق وتقية، وأين أعظم (٤) من قوله (٥) - حين سمع قول عائشة ﵂ (٦) مروا (٧) عمر فليصل بالناس - إنكن (٨) لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر. وقوله - حين سمع صوت (٩) عمر -: يأبى الله ذلك والمسلمون، مروا أبا بكر فليصل بالناس) (١٠). وما قدمنا من تلك الأحاديث. لقد اقتحموا عظيما، ولقد (١١) افتروا كبيرا: وما جعلها عمر شورى إلا اقتداء بأبي بكر (١٢) إذ قال: (إن استخلف (١٣) فقد استخلف من هو خير مني [و١١٢ ب] وإن لم أستخلف فإن رسول الله (١٤) لم يستخلف) (١٥) فما رد هذه الكلمة (١٦) أحد. وقال: (اجعلها شورى في النفر الذين توفي رسول الله (١٧) وهو عنهم راض) (١٨) وقد رضي عن أكثر منهم، ولكن (١٩) كانوا خيار الرضا، وشهد لهم بالأهلية للخلافة (٢٠). وأما قولهم: تحيل ابن عوف حتى ردها لعثمان. فلئن كانت حيلة، ولم يكن سواها، فلأن الحول ليس إليه، وإنما كل (٢١) عمل العباد حيلة، ولو (٢٢) كان القضاء بالحول (٢٣) فالحول (٢٤) والقوة لله. وقد علم كل أحد أنه لا يليها إلا واحد،
_________________
(١) د: لهما.
(٢) ب: منحنيا. وكتبها محب الدين: معنيا. (ص ١٨٢).
(٣) د: بهما.
(٤) ب، ج، ز: أنت.
(٥) ب، ج، ز: النبي ﷺ.
(٦) د: -﵂.
(٧) د: مر.
(٨) د: -إنكن.
(٩) ب، ج، ز: صلاة.
(١٠) أخرجه البخاري.
(١١) د: - لقد.
(١٢) ب، د: بالنبي وكتب على هامش ب: صح بأبي بكر.
(١٣) ب: استخلفت.
(١٤) ب، ج، ز: + صلى الله عليه سلم.
(١٥) أخرجه مسلم وأحمد بن حنبل في مسنده.
(١٦) ب، ج، ز: الكلمات.
(١٧) ب، ج، ز: + ﷺ.
(١٨) أخرجه البخاري.
(١٩) ب، ج، ز: لكنهم.
(٢٠) د: بالخلافة.
(٢١) ب، ج، ز: إذا كان.
(٢٢) كتبها محب الدين: أو (ص١٩٣).
(٢٣) د: بالحق. وفي هامش ب، ج، ز: في نسخة: بالحق.
(٢٤) د: والحول.
[ ٣٢٠ ]
فاستبد عبد الرحمن بن عوف بالأمر، بعد أن أخرج نفسه على أن يجتهد للمسلمين في الأسد والأشد فكان كما فعل، و(١) ولاها من استحقها، ولم يكن غيره أولى منه بها حسبما بيناه (٢) في "مراتب الخلافة" من "أنوار الفجر" (٣) وفي غيره من الحديث. وقتل عثمان فلم يبق على الأرض أحق بعلي منها (٤)، فجاءته على قدر، في وقتها ومحلها، وبين الله على يده (٥) من الأحكام والعلوم ما شاء أن يبين. وقد قال عمر: لولا علي هلك (٦) عمر. وظهر من فقهه وعلمه في قتال أهل القبلة، من استدعائهم ومناظرتهم، وترك مبادأتهم (٧)، والتقدم إليهم قبل نصب الحرب معهم، وندائه: لا تبدأوا (٨) بالحرب، ولا يتبع مول، ولا يجهز على جريح، ولا تهاج امرأة، ولم (٩) يغنم (١٠) لهم مالا، وأمره بقبول شهادتهم، والصلاة خلفهم، حتى قال أهل العلم: لولا ما جرى، ما عرفنا حكم قتال أهل البغي.
وأما خروج طلحة والزبير، فقد تقدم بيانه، وأما تكفيرهم للخلق، فهم الكفار. وقد بينا أحوال أهل الذنوب الذين ليس منهم عليها (١١) شر (١٢) في غير ما كتاب، وشرحناها في كل باب. فإن قيل: فقد قال العباس في علي ما رواه الأئمة [و١١٣ أ]، أن العباس وعليا اختصما عند عمر في شأن أوقاف رسول الله - ﷺ - (١٣) فقال العباس لعمر: يا أمير المؤمنين: اقض بيني وبين هذا الظالم، الكاذب، الغادر، الآثم، الخائن (١٤). فقال الرهط لعمر (١٥): يا أمير
_________________
(١) د:- و.
(٢) ب: بينا.
(٣) كتب في هامش ج: تفسير المصنف في مائة جزء كما في الديباج لابن فرحون.
(٤) ب، ج، ز: أحق منها بعلي. وكتب في هامش ج: صوابه: بها من علي. وهكذا كتبها محب الدين ولم ينبه على ذلك (ص١٩٤).
(٥) ب، ج، ز: يديه.
(٦) كتبها محب الدين: لهلك. (ص ١٩٤).
(٧) ب، ج، ز: مبادرتهم. وفي هامش ب، ز: في نسخة: مبادأتهم.
(٨) ب: نبدأ.
(٩) ج، ز: لم.
(١٠) كتبها محب الدين: نغم.
(١١) ب، ج-، ز: منها.
(١٢) ب: سبر. وكتبها محب الدين: سب. (ص ١٩٤).د: بشر.
(١٣) د: -ﷺ.
(١٤) ب، ج، ز: الجائر.
(١٥) د: - لعمر.
[ ٣٢١ ]
المؤمنين (١) اقض بينهما، وأرح أحدهما من الآخر. فقال عمر: تئدكم (٢) أنشدكم (٢) الله الذي بإذنه تقوم السماء (٣) والأرض هل تعلمون أن رسول الله (٤) قال: "لا نورث ما تركناه (٥) صدقة" يريد بذلك نفسه؟ قالوا: قد قال ذلك. فأقبل على علي والعباس (٦) فقال: أنشدكما (٧) الله هل تعلمان أن رسول الله (٨) قال ذلك؟ قالا: نعم. قال عمر: إن الله خص رسوله (٩) في هذا الفيء بشيء، لم يعطه أحدا غيره، فعمل فيها رسول الله (١٠) حياته (١١)، فقال أبو بكر: أنا ولي رسول الله (١٢) فقبضها سنتين من إمارته، فعمل فيها بما عمل رسول الله (١٣)، وأنتما تزعمان أن أبا بكر كاذب، غادر، خائن (١٤)، والله ليعلم (١٥) أنه لصادق بار (١٦)، راشد، تابع للحق. وذكر الحديث. قلنا: أما قول العباس لعلي، فقول الأب للابن، وذلك على الرأس محمول، وفي سبيل المغفرة مبذول، وبين الكبار والصغار - فكيف الآباء والأبناء - مغفور موصول. وأما قول عمر: إنهما اعتقدا أن أبا بكر ظالم خائن غادر، وكذلك اعتقدا فيه، فإنما ذلك خبر عن الاختلاف في نازلة وقعت من الأحكام رأى فيها هذان رأيا، ورأى فيها أولئك رأيا، فحكم أبو بكر وعمر بما رأيا، ولم ير العباس وعلي ذلك، ولكن لما حكما سلما لحكمهما كما يسلم لحكم القاضي في المختلف فيه (١٧) والمحكوم عليه يرى أنه قد وهم (١٨)، ولكنه (١٩)
_________________
(١) د: + نعم.
(٢) ب، ج، ز: - تئدكم.
(٣) ب، ج، ز: أنشدكما.
(٤) د: السموات.
(٥) ب، ج، ز: + ﷺ.
(٦) د: تركنا.
(٧) ب، ج، ز: العباس وعلي.
(٨) د: ننشدكما. ب، ج، ز: + ﷺ.
(٩) ب، ج، ز: رسول الله ﷺ.
(١٠) ب، ج، ز: + ﷺ.
(١١) ج: -حياته.
(١٢) ب، ج، ز: + ﷺ.
(١٣) ب، ج، ز: + صلى الله عليه
(١٤) د: كان كاذبا آثما غادرا، خائنا.
(١٥) د: يعلم.
(١٦) ج: وبار.
(١٧) أضاف محب الدين: "أما".مما يجعل المعنى يتغير. (ص ١٩٦).
(١٨) ج، ز: فرا وأنه قدوتهم.
(١٩) ب: لكن.
[ ٣٢٢ ]
سكت وسلم. فإن قيل: إنما يكون ذلك - في أول الحال، والأمر لم يظهر (١) - إذا كان الحكم باجتهاد، وإنما (٢) كان (٣) هذا الحكم على منع فاطمة والعباس الميراث بقول (٤) [و١١٣ ب] النبي: "لا نورث ما تركناه (٥) صدقة" وعلمه أزواج النبي وأصحابه العشرة، وشهدوا به. فبطل ما قلتموه قلنا: يحتمل أن يكون ذلك في أول الحال والأمر لم يظهر بعد، فرأيا أن خبر الواحد في معارضة القرآن، والأصول والحكم المشهور في الدين (٦)، لا يعمل به حتى يتقرر (٧) الأمر، فلما تقرر (٨) سلما، وانقادا بدليل ما قدمنا من الحديث الصحيح إلى آخره. فلينظر فيه. وهذا أيضا ليس بنص في المسألة، لأن قوله: "لا نورث ما تركناه (٩) صدقة" يحتمل أن يكون: لا يصح ميراثنا، ولا أنا أهل له، لأنه ليس لي ملك، ولا تلبست بشيء من الدنيا، ينتقل عني إلى غيري (١٠). ويحتمل أن يكون (١١) (لا نرث) حكم (١٢). وقوله: "ما تركنا صدقة" حكم آخر معين، أخبر به أنه قد أنفذ الصدقة فيما كان بيده من سهمه (١٣) المتصير إليه بتسويغ الله له. وكان من ذلك مخصوصا بما (١٤) لم يوجف (١٥) المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، وكان له سهمه (١٦) مع المسلمين فيما غنموه (١٧) مما (١٨) أخذ (١٩) عنوة. وتحتمل أن تكون "صدقة" منصوبا على أن
_________________
(١) د: - في أول الحال والأمر لم يظهر.
(٢) ج، ز: فإنما.
(٣) ب، ج، ز: أدى. وقد غير محب الدين الكلام: إذ كان الحكم باجتهاد وأما بعد أن أدى هذا الحكم إلى منع (ص ١٩٦).
(٤) د: فقول.
(٥) د: تركنا.
(٦) ب، ج، ز: الزمن الذي.
(٧) د: تقرر.
(٨) ب: تقر.
(٩) د: تركنا.
(١٠) ب، ج، ز: إلى غيري عني.
(١١) ب، ج، ز: - أن يكون.
(١٢) كذا في جميع النسخ. ولعله: حكما. وكذلك. حكما آخر. الآتي بعده.
(١٣) د: من سهمه بيده.
(١٤) ب، ج، ز: مما.
(١٥) ج: يوجب.
(١٦) في هامش ب، ز: في نسخة: سهمهم.
(١٧) ب، ج، ز: غنموا.
(١٨) ب، ج، ز: بما.
(١٩) ب، ج، ز: أخذوا.
[ ٣٢٣ ]
يكون حالا من المتروك. و(١) إلى هذا أشار أصحاب أبي حنيفة وهو ضعيف، وقد بيناه في موضعه، بيد أنه يأتيك من (٢) هذا أن المسألة مجرى الخلاف، ومحل الاجتهاد، وأنها ليست بنص من النبي. فتحتمل (٣) التصويب والتخطئه بين (٤) المجتهدين والله أعلم.