ولم يتعرض (٩) لحماية الدين إلا آحاد اختارهم الله له، ونصبهم للذب عنه، فأولهم أبو الحسن الأشعري (١٠) وعارضه ابن ورقاء أمير البصرة، فقام به، وجرت بينهما حروب جدال مذكورة، وتواتر بعده الأصحاب في الأحقاب، على الأعقاب، فحفظ الله دينه، على من أراد هدايته، فلم يبق وجه من البيان إلا أوضحوه، ولا سبيل من الأدلة إلا نهجوها، وانتدب أبو الحسن (١١)
_________________
(١) ز: كتب على الهامش: قف عل هذا السبب الخفي لنكبة البرامكة، وما ذكره ابن خلدون هو السبب الظاهر المستور به هذا.
(٢) ج: - أو.
(٣) ج: زاد.
(٤) ب: يتعلق، ج، ز: يعتلون وكبت على هامش ز: يتعلق بها موحد. د: يعتلق بما موحد.
(٥) د: قيحيل.
(٦) أي أوقدوا (القاموس المحيط).
(٧) ز: تكرر: وصار.
(٨) ج: باطل.
(٩) د: يتحرك.
(١٠) علي بن إسماعيل بن إسحاق بن سالم أبو الحسن. ولد بالبصرة سنة ٢٦٠هـ / ٨٧٣ م وبها نشأ ثم أقام ببغداد وتوفي سنة ٣٢٤م/ ٩٣٥ م (ابن عساكر، تبين كذب المفتي، ابن الجوزي، المنتظم في تاريخ الملوك والأمم، ج ٦ ص ٣٣٢ - ٣٣٣.طبقات الشافعية الكبرى، ج ٢ ص ٢٤٥ وما بعدها).
(١١) ب، ج، ز: - أبو الحسن.
[ ٧١ ]
إلى كتاب الله فشرحه، في خمسمائة مجلد وسماه بالمختزن (١) فمنه أخذ الناس كتبهم، ومنهم أخذ عبد الجبار الهمذاني (٢) كتابه في تفسير القرآن الذي سماه بالمحيط (٣) في مائة سفر، قرأته (٤) في خزانة المدرسة النظامية بمدينة السلام، وانتدب له الصاحب بن عباد (٥)، فبذل فيه عشرة آلاف دينار للخازن في دار الخلافة، وألقى النار في الخوانة، واحترقت (٦) الكتب وكانت تلك نسخة واحدة لم يكن غيرها (٧)، ففقدت من أيدي الناس، إلا أني رأيت الأستاذ الزاهد الإمام أبا بكر بن فورك (٨) يحكي عنه، فلا أدري وقع على بعضه أم أخذه من أفواه الرجال (٩)، فعليكم بكتب القوم، فهي الشفاء من الداء العياء.
وكانت هذه الطائفة الثائرة، في هذه الدولة الغوية (١٠) المسماة بالبرمكية، قد سعت في كيد الإسلام، كما بينا، واصطنعت من ذكرنا، وتكاثرت، فربت في حجرها طوائف كابن المقفع (١١)،
_________________
(١) قال ابن عساكر: وكيف ألف في القرآن كتابه الملقب بالمختزن ذكر لي بعض أصحابنا أنه رأى منه طرفا وكان بلغ سورة الكهف، وقد انتهى مائة كتاب. (تبين كذب المفترى، ص ١١٧).
(٢) عبد الجبار بن أحمد أبو الحسن المعتزلي توفي سنة ٤١٥ هـ/١٠٢٤ م وقد عثر على كتابه المغني والأصول الخمسة وطبعت أغلب أجزاء المغني كما طبع كتاب الأصول الخمسة بالقاهرة.
(٣) د: المحيط.
(٤) ج، ز: قرأناه.
(٥) أبو القاسم إسماعيل بن عباد وزير مؤيد الدولة بن بويه بن ركن الدولة توفي سنة ٣٨٥ هـ/٩٩٥ م.
(٦) ج، ز: وأحرقت.
(٧) ز: كتب على الهامش: أعرف: أن الأشعري ﵁ أول من انتصب للنضال عن الدين بحجاج مذاهب الكفرة، والملحدين وردها. قف على تفسير الإمام الأشعري. قف على ما فعل الصاحب بن عباد، وكان معتزليا كما ذكره السكوني.
(٨) محمد بن الحسن بن فورك الأصبهاني كان متكلما زاهدا متعبدا ذكر الذهبي أنه توفي سنة ٤٠٦ هـ/ ١٠١٥م (العبر، ج ٢ ص ٩٥).
(٩) ب: الرجل.
(١٠) ب، ج، ز: القوية.
(١١) عبد الله بن المقفع واسمه بالفارسية روزيه ومعناه المبارك كان من أخطر الزنادقة توفي سنة ١٤٢ هـ/ ٧٥٩ م.
[ ٧٢ ]
وابن الراوندي (١)، والجاحظ المعتزلي (٢)، وكثير من أمثالهم قد استسنوا (٣) في البشر (٤) أنه لا [و٢٧ ب] مدرك إلا العقول، وأنها تغني عن الرسل، ولا مدرك في عقد، أو قول، أو عمل، إلا والعقل مستقل به وقسموه لمدارك أربعة (٥):
المدرك الأول:
معرفة الموجودات كالسماء وما اشتملت عليه (٦) من أفلاك دائرات، وكواكب نيرات، والأرض وما كان فيها من معدن ونبات، وعدوا (٧) مركبات، وبسائط مفردات، وهي الماء والهواء والتراب والنار، والمعادن واجتماعها مزاجا، وافتراقها تعددا وازدواجا، على الجملة في كلها، وعلى التفصيل في النظر في الإنسان وتركيبه، وما يختلف عليه من أحواله، والمطر (٨) وما يرتبط به (٩).
_________________
(١) أحمد بن يحيى الراوندي نسبة إلى راوند قرية بنواحى قاسان قرب أصبهان كان زنديقا ملحدا معارضا للقرآن ألف كتاب الزمردة، وكتاب نعت الحكمة، وكتاب قضيب الذهب، وكتاب الدامغ، ولد سنة ٢١٠ م/ ٨٢٥م وتوفي سنة ٢٥٠ م/ ٨٦٤م وقيل سنة ٢٤٥ هـ وقيل ٢٩٨ هـ وقيل ٢٤٣هـ (ابن الجوزي، المنتظم، ج ٦ ص ٢٢ في وفيات سنة ٢٩٨ هـ. العبر، ج ٢ ص ١١٦ في حدود ٣٠٠ هـ. المسعودي، مروج الذهب، ج٧ ص ٢٣٧. ابن الحوزي، تلبيس إبليس، ص ١٠٨. عبد الرحن بدوي من تاريخ الإلحاد في الإسلام، ص ٧٥ - ١٨٨). وقد رد عليه كثير من المتكلمين سواء في ذلك المعتزلة والأشاعرة ورد عليه أبو الحسن الأشعري نفسه كتابه المسمى بالتاج الذي ذهب فيه إلى القول بقدم العالم (تبين كذب المفتري، ص ١٢٩) وقد تتلمذ ابن الراوندي على أبي عيسى الوراق ٢٤١ هـ / ٨٦١م الزنديق المانوي العنيف (من تاريخ الإلحاد في الإسلام، ص١٨٢).
(٢) د: المفتري - وهو عمرو بن بحر أبو عثمان البصري أخذ عن ثمامة بن أشرس، وأبي إسحاق النظام توفي سنة ٢٥٠ م/ ٨٦٤م.
(٣) د: أسسوا. ز: كتب على الهاش: أعرف من ربي من الملحدين في دولة البرامكة المفسدين.
(٤) ب: الستر، د: السر.
(٥) ب، ج، ز: وقسموا المدارك أربعة.
(٦) ب، ج، ز: عليها.
(٧) ج، ز: وعدد ومركبات. ولعل صوابه: وحيوان.
(٨) د: والنظر.
(٩) ج: عليه.
[ ٧٣ ]
المدرك الثاني:
سموه ما وراء الطبيعة، وهو النظر في الصانع ما هو؟ وما هو عليه؟ وكيف نشأت الموجودات عنه، وترتبت منه؟.
المدرك الثالث:
النظر في المصالح العامة التي تقوم بالقانون الإنساني في خلقه وخلقه، مما يتعلق بصفاته، وتكرماته (١) ودناءاته، وشهواته (٢)، وسهواته (٣)، وساقوا (٤) ذلك كله على تدبير في نظر سموه سياسة وأدب (٥) النفس وغير ذلك، ومهدوا قبل ذلك كله، طريقا إلى تحصيل (٦) هذه المدارك بالعقول سموه المنطق، مهدوا (٧) فيه بزعمهم، أنواع الأدلة، وشروط النظر، مستوفى بتفهيم المفردات منه، ثم وجه التركيب عليه وقسموه ثمانية أقسام (٨).
وكانت هذه أمورا (٩) تكلمت فيها الأوائل (١٠) عند دروس الشرائع وفترات الرسل، وتمكن الشيطان من الخلق في مزج الباطل بالحق، فأرسل فيهم جنود الضلالات، بهذه المقالات.
وعندما بعث الله محمدا صلى الله عليه [و٢٨ أ] وسلم، على دروس (١١) من الملل، وانطماس من السبل، وفترة من الرسل، فأظهر (١٢) الآيات، وظهرت له (١٣) ألف من المعجزات حسبما أمليناها (١٤) في كتاب "أنوار الفجر من مجالس الذكر" فانقذ الله به الخلائق من الهلكة؛ وأعلى به من الإسلام الكلمة، وأكمل
_________________
(١) د: وكراماته.
(٢) ب: - وشهواته. وأثبت في الهامش.
(٣) ب، ج، ز: - وشهواته.
(٤) ج: وماقوا.
(٥) د: وآداب.
(٦) ج: تحصيلا.
(٧) ج: - مهدوا.
(٨) ج، ز: بياض بمقدار صفحتين ولكن هذا البياض ليس علامة على النقص وأغلب الظن أن الناسخ في النسخة الأم أم ج، ز قد سها فترك صفحة وزيادة، بياضا ثم واصل النسخ دون أن ينبه على ذلك، فترك ذلك أيضا من نقل من نسخته.
(٩) ج، ز: أمور.
(١٠) د: الأول.
(١١) ج، ز: درس.
(١٢) ب: باظهر.
(١٣) ج: - له، ز: كتب على الهامش قف على عدد معجزات نبينا ﷺ.
(١٤) ج: مليناها.
[ ٧٤ ]
به علينا النعمة، ثم استأثر به، وما زالت الحال تنقص، حسبما وعد (١) به، حتى آلت الحال إلى ما آلت إليه ولا بد من نفوذ تمام الوعد الحق (٢)، كما نفذ ابتداؤه فصار عند الخلق بهذه المعاني.