قلنا: هذا فاسد من ثمانية أوجه، الأول: إن قولهم: إن كل شيء من ذاته، يريدون به طبيعة، كما صرحوا به (١١) أو غير ذلك؟ فإن أرادوا غير ذلك، وليس عندهم فليبرزوه، وإن أرادوا بالطبع، فما معناه؟ إذ ليس يرجع إلا (١٢) إلى العادة، أن هذا وجد بعد هذا، فقالوا: إنه وجد عنه وبه، ولا نسلم لهم ذلك، ولا يدلون عليه أبدا.
وإن قالوا به (١٣)، فإنا نقول لهم: إن كان يفعل شبهه
_________________
(١) ز: كتب على الهامش: نبكتهم.
(٢) د: كذلك.
(٣) ب، ج، ز: فيبهتوا.
(٤) د: الأمر.
(٥) ب: بالتفاق.
(٦) ب: يعلم.
(٧) ج: هؤلاء.
(٨) ب، ج، ز: معادة.
(٩) د: جائز.
(١٠) د: على.
(١١) ب، د: - به.
(١٢) د: - إلا.
(١٣) د: - به
[ ٩٤ ]
المشاهدة، وأما مع الانفصال فدعوى، لا تثبت أبدا، من حرك الثاني للأول وليس متصلا به (١)، وهكذا إلى آخر الصفقة، حتى اضطروا إلى أن يقولوا: إنه يتحرك الثاني بعشقه للأول فيحكيه، قلنا (٢) له: فإذا (٣) عشقه، فمن الفاعل ومن المفعول؟ ومن الواطئ ومن الموطوء؟ والعشق هو معنى (٤) تطلع النفس إلى اللذة (٥)، وليس من شرطها (٦) تساوي الأفعال، بل ربما كان الاختلاف فيها شرطا، فانظروا إلى [و٣٦ أ]، هذا الخباط الذي يذكر في معنى بيان الحقائق والأدلة.
الثالث (٧): أن الفاعل إن كان يحرك فيحرك (٨) الكل، وانتظم التدبير بالحركة، فمن أين جاء السكون؟ فإن قالوا (٩): من قطب الدائرة، لم نسلم (١٠) لهم أن فيها ساكنا، ولو سلم (١١) فالحركة هي الفاعلة عندهم، فما للسكون والدخول فيه؟ والمعول على القطر (١٢) من (١٣) القطب، ونحن عندهم أهل القطب، فما بالنا (١٤) في حركة دائمة ليس فيها (١٥) من السكون شيء.
الرابع: إنه إن كان المحرك الأول يفعل بطبعه (١٦)، فكيف نشأ عن الطبع الواحد أربع (١٧) مختلفة، ولا ينشأ عن الشيء إلا مثله؟ فإن أشاروا إلى الامتزاج، قيل لهم: وليس في الأول امتزاج، وهو إنما يفعل (١٨) بذاته، فمن أين جاء الامتزاج (١٩)؟.
_________________
(١) ب: - به.
(٢) د: قلت.
(٣) د: وإذا.
(٤) د: والعشق معنى هو تطلع.
(٥) ز: كتب على الهامش: قف على معنى العشق وهو تطلع النفس إلى اللذة.
(٦) ج: شروطها.
(٧) لم يذكر الثاني.
(٨) د: تحرك فتحرك.
(٩) ب، ج، ز: قال.
(١٠) د: يسلم.
(١١) ب: نسلم.
(١٢) ب، ج، ز: القطب.
(١٣) ب، ج، ز: فمن.
(١٤) ب: فما لنا.
(١٥) ب، ج، ز: فينا.
(١٦) ب: بطبيعة.
(١٧) د: أربعة.
(١٨) د: وإنما هو فعل.
(١٩) ب: المزاج، د: المزج.
[ ٩٥ ]
الخامس: إن المحرك الأول إن كان لحركته ابتداء فاندفعت، فلم تفرقت الكوائن، ولم يكن عنها في حالة واحدة ما (١) يقتضيه الطبع، وتوجبه الهيئة والتدبير في فعل تتركب (٢) عليه أفعال؟ وإن (٣) كان فعله على الترتيب، فلم كان (٤) مختلفا كما تقدم؟ ومن أين جاء التعارض، والتمانع، والتضاد بين الكوائن، والأصل واحد؟.
السادس: ويرجع إلى الأول، إذا كانت الحركة صدرت عنها الحركات فلم افترقت (٥) في الأفلاك إلا مستقبلة (٦)، وراجعة، إلى مستقيمة ومعوجة (٧)؟ إن كانت هذه الأسماء على الحقيقة، فهي خلاف فاعلها، وإن كانت مجازا لا حقيقة لها (٨) فلم ركبتم عليها الحوادث؟.
السابع: إن الإسلاميين من الفلاسفة قد حكموا على (٩) أفلاطون (١٠) وأرستوطاليس (١١) باستحالة الإيثار (١٢)، وإن صانعا مؤثرا لا يتصور، وهذا (١٣) أحد أصول الإلحاد الأربعة، وهو الأول الآن معهم، فإنا نقول لهم: زعمتم أن صدور الأشياء عن ذاته، صدور العلة عن المعلول، والدليل القاطع على (١٤) استحالة [و٣٦ ب]، ذلك (١٥) أن العقل يقضي قطعا أن الصفتين الجائز ورودهما على الحل على التعاقب، فورود (١٦) إحداهما (١٧) يستحيل أن
_________________
(١) د: حسبما.
(٢) ج: نتركب. د: يتركب.
(٣) ب، ج، ز: فإن.
(٤) د: يكون.
(٥) ج، ز: افتقرت في، وصحح على الهامش: افترقت.
(٦) ب، ج، ز: مستقلة.
(٧) د: + و.
(٨) ب، ج، ز: - لها.
(٩) ب، ج، ز: عن. وصحح في هامش ج، ز: على.
(١٠) فيلسوف يوناني عاش بين (٤٢٩ - ٣٤٧ ق م).
(١١) فيلسوف يوناني عاش بين (٣٨٤ - ٣٢٢ ق م).
(١٢) كذا في جميع النسخ. ولعله: التأثير.
(١٣) ب: وهو. د: وهذه.
(١٤) ب، ج، ز: عن.
(١٥) ج، ز: بياض بقدر كلمة، وهو بياض لا يقابله شيء ناقص بالنسبة للنسخ الأخرى.
(١٦) ج، ز: ورود. د: فترد.
(١٧) ب، ز: أحدهما.
[ ٩٦ ]
يكون بغير سبب، يعين أحد الجائزين، ولا يجوز أن يضاف ذلك إلى القدرة، لأن نسبتهما إليها (١) واحدة، وكذلك الحياة والعلم مثلها (٢)، فلا بد من سبب معقول يضاف إليه (٣) التخصيص، يجده المرء لا يفتقر (٤) إلى الحياة، وهم لا يبالون بذلك كله، وإنما يأخذون السبيل إلى الإلحاد، كيف اطردت لهم.
والعمدة في ذلك أن يقال: أجمع العقلاء على أن الميت لا يعقل لمواتيته (٥)، وقد كان يعقل [و٣٧ أ] في حال حياته ولا يصح أن يضاف إلى شرط، سوى الحياة، لأن كل صفة نضيفها (٦) إليه، يستحيل أن نضيفها (٧) إلى الميت، فكل صفة نذكرها (٨) هي مساوية لهذه في اشتراط وجود الحياة لها. وأما دعواهم أن الأفلاك حية، فلا يقام عليه دليل أبدا، وهو غير مشاهد (٩)، وليس لهم إلا حركتها، وليس من شرط الحركة الحياة (١٠)، فإن الميت يتحرك، والخطب معهم طويل بتخليطهم لمن لا يعلم مفاصل (١١) الكلام (١٢) ومن يعلمها (١٣) يقطعهم في الحال. وقد اندرج الوجه الثامن في هذا الكلام (١٤).