وأعظم الخطب، إنكارهم العلم أصلا، وهم لا يحتاجون إليه بزعمهم، فإن ما يصدر بالطبع لا بالوضع، لا يفتقر إلى قدرة، ولا إلى علم،
_________________
(١) ج، ز: نسبتها إليها، د: نسبتها إليهما.
(٢) ب، ج، ز: مثلهما.
(٣) ب: له.
(٤) ج، ز: تفتقر.
(٥) كذا في جميع النسخ.
(٦) د: تضيفها.
(٧) د: تضيفها.
(٨) د: تذكرها.
(٩) د: - وهو غير مشاهد.
(١٠) د: حياة.
(١١) ب، ج، ز: تفاصيل. وترك بياض بقدر كلمة في ج، ز. ولا يقابله شيء من بقية النسخ.
(١٢) ج، ز: بياض بعد كلمة "الكلام" بقدر كلمة. ولا يقابله شيء من بقية النسخ.
(١٣) ب، ج، ز: يعلمه.
(١٤) ز: كتب عل الهامش: ليت شعري فأين اندرج الوجه الثامن؟ فراجعه.
[ ٩٧ ]
والقول في القدرة أقرب منه في العلم، لأن الآفة في (١) العجز معقولة مشاهدة، والعلم وإن كان أظهر، فهو خفي عن المشاهدة، ولكن إتقانه المتعلق به، يظهره قطعا، وهذه الصفات الأربعة (٢) ثابتة للصانع قطعا، وهي القدرة، والعلم، والإرادة، والحياة، ومنهم من يقر بالعلم، لكن يدعون أنه على وجوه، منهم من يقول: إنه حادث، ويفتقر إلى علم يحدث به، ولا موجود محدث أقوى احتياجا إلى العلم من العلم.
ومنهم من يقول: إنه عالم بالجمل لا بالتفصيل، لأنه عندهم أحدث الأصول (٣) بعلم، ثم رتب عليه الحوادث المتعلق بعضها ببعض، الكائن بعضها عن بعض، فلا يخلقها ولا يعلمها.
قال القاضي أبو بكر (٤) ﵁: وهذا من العجب ولولا أنه علمها على التفصيل، ما خلق لها من يعلمها على التفصيل، ويوجدها على الإحكام والتريب، فإذا أقروا بذلك، فقد (٥) أقروا بأنه يعلمها على التفصيل، وإنما العجب كل العجب من كلمات صدرت عن أبي المعالي (٦) [و٣٧ ب] فادحة تحوم (٧)، أو تشف (٨) على أن علم الباري، لا يتعلق بالمعلومات على التفصيل (٩)، ونصها، قال: (إذا تعلق علم الباري بجواهر لا تتناهى فمعنى
_________________
(١) د: من. وكتب على هامش ب، ز: من تصحيحا لـ: في.
(٢) د: الأربع.
(٣) ز: كتب على الهامش: أي أصول العالم.
(٤) د: قال أبي.
(٥) ب، ز: - فقد.
(٦) عبد الملك بن أبي محمد بن عبد الله بن يوسف شافعي المذهب، أشعري الاعتقاد متأثرا بآراء الفلاسفة وهو الذي وجه أنظار الغزالي إلى الاتجاه الفلسفي. له مؤلفات ذهب فيها مذهب الأشاعرة إلا أنه خالفهم في أشياء ثم رجع إلى مذهب السلف كما صرح به في عقيدته النظامية. وقد حقق أخيرا (١٩٦٩ م) الدكتور النشار وبعض تلامذته كتابه الشامل الذي رد فيه على المعتزلة والفلاسفة وبين وجهة نظر الأشاعرة. توفي سنة ٤٧٨هـ/ ١٠٨٥ م.
(٧) د: يحوم.
(٨) ج: تسب، د: يسف، ز: تسف.
(٩) ز: كتب على الهامش: قف على قول إمام الحرمين بالاسترسال، وبسط الكلام معه.
[ ٩٨ ]
تعلقه بها (١) استرساله عليها، من غير فرض تفصيل الآحاد (٢)، مع نفي النهاية فإن ما يحيل دخول ما لا يتناهى (٣) في الوجود، يحيل وقوع تقديرات (٤) غير متناهية في العلم، فإن قالوا: إن الباري تعالى عالم بما لا يتناهى (٥) على التفصيل سفهنا (٦) عقولهم) (٧).
_________________
(١) ي ذلك. وكتب عل هامش ج: قف على قول إمام الحرمين.
(٢) ج، ز: - بها. ورد هذا النص في طبقات الشافعية الكبرى، ج٣ ص ٢٦٦، وأثبت هذه الجملة هكذا: (من غير تعرض لتفصيل الآحاد) وقد نسب الإمام المازري المغري أيضا إلى إمام الحرمين القول بإن الله يعلم الكليات دون الجزئيات في شرحه كتاب الرهان لإمام الحرمين. وحاول السبكي أن يدافع عنه ولكن النص صريح في ذلك. وهذا النص الذي ينسب إلى إمام الحرمين ثابت وموجود في كتابه (البرهان) المخطوط بدار الكتب المصري، وبمكتبة الأزهر.
(٣) ج، ز: ينتهي.
(٤) ب، ز: تقريرات.
(٥) ج، ز: ينتهي.
(٦) ج: يسعهنا.
(٧) وردت هذه الجملة في الطبقات مقدمة على كل النص المثبت هنا. (الطبقات، ج ٣ ص ٢٦٦). عثرت على نسخه من كتاب البرهان لإمام الحرمين ووجدت نفس النص مع شيء من التقديم والتأخير فيه، وقد أضفت إليه ما سبقه حتى يفهم الغرض وهو هكذا: نردد المتكلمون في انحصار الأجناس كالألوان، فقطع قاطعون بأنها متناهية في الإمكان كأحاد كل جنس، وزعم آخرون أنها منحصرة، وقال المقتصدون لا ندري أنها منحصرة أم لا، ولم يبنوا مذهبم على بصيرة وتحقيق، والذي أراه قطعا أنها منحصرة، فإنها لو كانت غير منحصرة لتعلق العلم منها بآحاد (صحح في الهامش: "بأجناس" بدل "لآحاد" لا تتناهى على التفصيل، وذلك مستحيل، وإن استنكر الجهلة ذلك، وشمخوا بآنافهم، وقالوا: الباري ﷾ عالم بما لا يتناهى على التفصيل سفهنا عقولهم، وأحلنا تقرير هذا الفن على أحكام الصفات، والجملة علم الباري ﷾ إذا تعلق بجواهر لا تتناهى، فمعنى تعلقه بها استرساله عليها من غير فرض تفصيل الآحاد، مع نفي النهاية، فإن ما يحيل دخول ما لا يتناهى في الوجود يحيل وقوع تقديرات غير متناهية في العلم، والأجناس المختلفة التي فيها الكلام، يستحيل استرسال العلم عليها، فإنها مباينة بالخواص، فتعلق العلم بها على التفصيل مع نفي النهاية محال. وإذا لاحت الحقائق، فليقل الآخر بعدها ما شاء، والله المستعان. (البرهان، مخطوط دار الكتب المصرية رقم ٢٥٨٧ ب ورقة ١٨).
[ ٩٩ ]
وقد بسطنا القول على هذا الكلام في كتاب "التمحيص" (١) بما فيه بلاغ، فلينظر هنالك بمقدماته ولواحقه، والمقدار الذي يعرفك (٢) الآن بكنهه، ويعطيك فائدة ما سطرنا (٣) هنالك منه على الاختصار، إيراد بعض ما استطر هنالك (٤) من الفصول بلفظه الذي وقع الإملاء به.
اعلموا وفقكم الله أن المعلومات من جهة الكون تنقسم إلى واجب وجائز ومستحيل (٥)، والواجب على قسمين: واجب مطلق، وهوالله وحده، وصفاته. وواجب من وجه، وهو ما خلقه الله تعالى من أصول العالم، كالجواهر والأجسام، والأعراض. فهذه مما يجب كونها على هذه الصفة (٦)، فلا يتصور خروج الجوهر عن كونه جوهرا، ولا العرض عن كونه عرضا، ولا خروج الجسم عن كونه جسما. ومن أصول هذه الأصول: أن الجوهر لا يخلو عن عرض، وأن العرض لا يصح وجوده دون ما يقوم به من جوهر، أو جسم. وهذا كله متفق عليه بين العقلاء، و(٧) معلوم عندهم قطعا قبل النظر، ومنه ما هو معلوم بنظر، ويتركب عليه وجود الأكوان، والألوان بالجواهر والأجسام، على البدل والانفراد، حسب نسبة كل واحد منها (٨) إلى الآخر، من ضد أو خلاف [و٣٨ أ] ويتركب عليه بعد ذلك النظز في أحكام جميعه، بالنسبة إلى سبب (٩) نشأت عنه، أو (١٠) إلى كيفية هي عليه، أو (١١) إلى تركيب في وجود أو عدم، أو صفة فناء أو بقاء، أو إلى حال تركيب واستحالة، يكون بعده (١٢) نظر في انحصار الأعراض إلى ألوان (١٣)، وأكوان. وانحصار الأكوان إلى حركة، وسكون. وانحصار الألوان إلى أحمر، وأسود،
_________________
(١) ز: كتب على الهامش: قف على كتاب التمحيص لابن العربي.
(٢) ج، ز: نعرفك.
(٣) ب، ج، ز: سطرناه.
(٤) ج: استظهرنا لك. د: استطير.
(٥) د: محال.
(٦) ج، ز: بياض بعد (الصفة) لا يوجد ما يمكن أن يسد مسده في النسختين الأخريين فهو بياض لا معنى له.
(٧) د: - و.
(٨) ب، ج، ز: منهما.
(٩) ب، ج، ز: نسب.
(١٠) ب، ج: - أ.
(١١) ب، ج، ز: - أ.
(١٢) ج: بعد.
(١٣) ب: الألوان. ز: كتب على الهامش: قف على الخلاف في الألوان هل هي منحصرة أم لا.
[ ١٠٠ ]
وما بينهما من والسطة، ترجع إليهما، أو تقف بينهما، وأعظم من ذلك القول في انحصار العالم إلى الموجودات على ترتيبها، وتدبيرها، ما بين وجود، وعدم، وبقاء، وفناء، وتكليف، وإعفاء، وتعجيل، وإمهال، ودنيا، وآخرة، وثواب وعقاب، في عموم ذلك. ومن هذا المتقدم أصل متفق عليه بين منزلي النفي والإثبات وهو (١) الوجود، والعدم، والحركة، والسكون فرعا عليه (٢)، ومنه متفق عليه بين أهل الملل، ومنه متفق عليه بين أهل السنة. ومن جملة المتفق عليه مما تقدم، أن الجوهر لا يخلو عن حركة، أو سكون. وعجبا لبعض علمائنا فإنه استدل عليه، ولئن احتاج إلى دليل، لم يثبت لنا شيء بعده.
ومن المختلف فيه، القول في وجود لون خلاف ما شاهدناه، فمن قائل إن الألوان منحصرة، ومن قائل إنها غير منحصرة، ومن واقف. وفي حديث المعراج (حتى بلغت سدرة المنتهى فغشيتها (٣) ألوان لا أدري ما هي) وقد تكلمنا عليه في شرح الحديث.
ومسألة الانحصار (٤)، هذه، مسألة مشكلة، فإن العلم الذي به أدرك (٥) المرء (٦) انقسام الموجودات إلى جواهر وأعراض، به أدرك أن موجودا ليس بجوهر ولا عرض (٧)، ولا نعلمه (٨)، وأن جهات المخلوق ستة لا سابع لها، وأن الكون من حركة وسكون لا ثالث لهما، وأن السواد والحمرة [و٣٨ ب]، لا غاية وراءهما، وإن كان بينهما وسائط، وأن العلم لا تعلق له بالعدم المحض، وإنما يتعلق بمعدوم مقدر (٩). فإن قدرت (١٠) عالما آخر، وأمكننا فهمه، فقدر موجودا ليس بجوهر ولا عرض، وكونا ليس بحركة ولا سكون (١١)، ولونا ما (١٢) ليس بحمرة ولا سواد، وجهة سابعة (١٣) لمخلوق. فإن
_________________
(١) ب: - هو.
(٢) د: فرعى علته.
(٣) ب، ج، ز: فغشيها.
(٤) ج، د، ز: + و.
(٥) د: أدركنا.
(٦) د: - المرء، ج: الذي أدرك به المرء.
(٧) ج، ز: بياض وصحح في ز: على أنه بياض لا معنى له، فلا يدل على نقص.
(٨) ج، ز: يعلمه.
(٩) ج: مقدور. ز: كتب عل الهامش مقدور.
(١٠) ز: كتب على الهامش: مبحث نفيس.
(١١) ج: سكوتا.
(١٢) ب، ج، ز: - ما.
(١٣) ج: سابقة.
[ ١٠١ ]
وجب أن ينحصر ذلك في المعلوم، فلا تسأل عما وراءه بنفي أو إثبات، وقد بسطناه في موضعه.
قال القاضي أبو بكر (١): قال ابن الجويني: (والدليل على أنها منحصرة، أنها لو كانت غير منحصرة لتعلق العلم منها (٢)، بآحاد لا (٣) تتناهى على التفصيل وذلك محال) (٤).
قال القاضي أبو بكر (٥) ﵁: هذا كلام محذوف لأن قوله: (لو كانت غير منحصرة) مقدمة واحدة لا تنتج شيئا باتفاق من العقلاء، فلا يصح أن يرتب (٦) عليها قوله: (لتعلق العلم منها (٧) بآحاد لا تتناهى على التفصيل) حتى يقول: هي منحصرة ولا بد أن تكون معلومة، فإن الحكم على المجهول بحصره أو عدمه محال. وإذا كانت معلومة، فلا بد أن يتعلق بها العلم (٨) على التفصيل، والتفصيل هو الحصر (٩)، فآل نفي الحصر إلى إثباته، فبطل في نفسه، وهذا هو برهان الخلف. قال ابن الجويني: (فإن قالت الجهلة الباري عالم بما لا يتناهى (١٠) على التفصيل سفهنا عقولهم) (١٠). قال القاضي أبو بكر (١١) ﵁: يريد أن التفصيل كما قدمنا، يقتضي الحصر والنهاية، فكيف يضاف إليه، ما لا يقتضي النهاية والحصر، فإن كان للتفصيل عند أحد معنى غير الحصر والتناهي فليركب عليه ما يليق به، وقدمنا أن (١٢) لفظ الجملة والتفصيل ليس شرعيا. قال ابن الجويني: (إذا تعلق علم الله بجواهر
_________________
(١) د: - قال القاضي أبو بكر.
(٢) ب، ج، ز: بها.
(٣) ج: فلا.
(٤) البرهان؛ مستحيل. المخطوط السابق الذكر ورقة ١٨.
(٥) د: قال أبي.
(٦) د: يرتب. وهذا اتباع للمنطق اليوناني وقد ذكر ابن تيمية أن المقدمة الواحدة منتجة.
(٧) ب، ج، ز: بها.
(٨) د: يتعلق العلم بها.
(٩) ز: كتب على الهامش: قف: التفصيل هو الحصر.
(١٠) في طبقات الشافعية الكبرى للسبكي: (فإن استنكر الجهلة ذلك وشمخوا بآنافهم، وقالوا: الباري تعالى عالم بما لا يتناهى على التفصيل سفهنا عقولهم، ج٣ ص ٢٦٦) وهو نفس النص الوارد في مخطوط البرهان ورق ١٨.
(١١) د: قال أبي.
(١٢) ج: - أن.
[ ١٠٢ ]
[و٣٩ أ] لا تتناهى فمعنى تعلقه بها استرساله عليها في غير فرض تفصيل (١) الآحاد مع نفي النهاية، فإن ما يحيل دخول ما لا يتناهى في الوجود يحيل وقوع تقديرات (٢) غير متناهية في العلم). قال القاضي أبو بكر (٣) ﵁ (٤): أما قول الجويني (٥) أيضا: (وإن قالوا: إن الباري عالم بما لا يتناهى على التفضيل سفهنا عقولهم)، فهو عبارة عن أنه كلام متناقض غير معقول (٦)، لما بينا من أن التفصيل عنده يقتضي الحصر، وما لا يتناهى ينفيه (٧)، فتناقضا، فالجمع (٨) بينهما في الأخبار سفه في العقل. وكذلك كل (٩) من جمع بين متناقضين، ولذلك سفهنا عقل أبي هاشم، وسلبناه دينه، في تصويره عن الجملة الجامعة بين (١٠) المتناقضين، قول القائل: محمد ومسيلمة صادقان أو كاذبان، فإنه لا يصح الإخبار عنه بكل واحد من الخبرين، لأنه جمع في الخبر عنه بين متناقضين، كما لو قلت: الإنسان والحجر حيوانان أو (١١) مواتان (١٢).
وأما قوله: (إن ما يحيل دخول ما لا يتناهى في الوجود يحيل وقوع تقديرات (١٣) غير متناهية في العلم) فإنه كلام ناقص أيضا، مفتقر إلى تتميم، وحينئذ يصلح للتعلم والتعليم (١٤)، لأن قوله: (ما يحيل دخول - ما لا يتناهى في الوجود) يعني به في زمن متناه وإلا فدورات (١٥) الأفلاك عند الفلاسفة لا نهاية لها، ونعيم الجنة عند الموحدين، لا نهاية له، وكل واحد منهما يوجد متماديا عند من يرى الأول، و(١٦) على الحقيقة في (١٧) الثاني. ولكن ذلك كله،
_________________
(١) الطبقات: من غير تعرض لتفصيل.
(٢) الطبقات، ز: تقريرات.
(٣) د: قال أبي.
(٤) د: - ﵁.
(٥) ب: الجوني.
(٦) ز: كتب على الهامش: قف للرد على إمام الحرمين للإسترسال.
(٧) ج: بنفيه.
(٨) ب: والجمع.
(٩) ج: - كل.
(١٠) ج، ز: من.
(١١) ب: أم.
(١٢) ج: أمواتان.
(١٣) الطبقات: تقريرات.
(١٤) د: أو اللتعليم. ب، ج، ز: + فإنه كلام ناقص.
(١٥) ب، ج، ز: دوران.
(١٦) ب، ج، ز: - و.
(١٧) ب: من.
[ ١٠٣ ]
إنما يحال الموجود (١) فيه على أزمنته الآتية، فيكون لكل موجود زمانه. وقوله: (يحيل وقوع تقديرات (٢) غير متناهية في العلم) يعني بقوله: (وقوع): وجود، وقوله: (تقديرات) يريد تصوير موجودات (٣)، (غير متناهية)، يعني في زمان (٤) متناه، وذلك مما لا يتعلق به علم، لأنه لا يتصور له ثبات، وقوله: (تعلق علم بها على التفصيل مع نفي النهاية محال) [و٣٩ ب]، لأنه يريد بالتفصيل، الحصر والانتهاء، (٥) ثم قال: و(٦) هذه الأجناس المختلفة التي فيها الكلام يستحيل (٧) استرسال العلم عليها لتباينها بالخواص، وهذا كلام مفهوم (٨).
[(٩) وقوله: (تعلق بالعلم بها مع النهاية محال) مبني على أصله في أن التفصيل هو الحصر والانتهاء] (٩).
قال القاضي أبو بكر (١٠) ﵁: فنتخل (١١) من هذا كله، أن هذه الألفاظ من الجملة والتفصيل والحصر، ألفاظ مولدة، ركبت عليها المبتدعة علومها، وخاض فيها علماؤنا معهم، ولكل واحد، فيها اصطلاح، تركيب معناه على ما (١٢) اصطلح عليه فيها، ويختلف الاثنان في الوجه المصطلح عليه فيتباريان ويتعارضان، ونحن إذا تكلمنا (١٣) على ذلك قلنا: دعونا من العبارات المحدثة الفاسدة، الباري تعالى، عالم بعلم، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، يعلم ما كان وما يكون، ولا يقدر شيء إلا وهو عالم به، نعم
_________________
(١) ب، د: الوجود.
(٢) الطبقات: تقريرات.
(٣) ب: وجودات.
(٤) د: زمن.
(٥) د: بداية سقوط نحو ورقة. وكتب على الهامش: في كهذا الموضع توجد زيادة في النسخه المطبوعة وهو يوازي نحو ورقة من هذا الكتاب. انظر (صفحتي ١١٧ - ١١٨ من الطبوع). محمد عبد الرسول.
(٦) ب، ج، ز: - و.
(٧) د: فيستحيل.
(٨) ز: صحح على الهامش: مفهوم.
(٩) ج، ز: سقط ما بين القوسين.
(١٠) د: قال أبي.
(١١) ب، د: - فننتخل. ج، ز: فننتحل. وصوابه بالخاء المعجمة.
(١٢) ب: - ما.
(١٣) ج: تضمنا.
[ ١٠٤ ]
وقد كتبه، فهذا عقد (١) صحيح، مدلول عليه.
فإن قلتم على التفصيل (٢) يعلم، أو على الجملة؟ قلنا: لا ندرك ما تريدون، فإن أردتم بقولكم: على التفصيل، أنه لا يخفى عليه شيء، فذلك صحيح، وإن أردتم بالجملة، أنه يعلم شيئا، ويخفى عليه آخر، فلا يصح، لأن الدليل قد قام على (٣) أنه لا يخفى عليه شيء، فإنما نتكلم (٤) معكم، في عموم علمه وخصوصه، والجملة والتفصيل عبارات باردة، لا نلتفت لكم إليها، ولا نبني عليها حكما، ولا نصف الباري بشيء منها، لا نفيا ولا (٥) إثباتا، وإنما نصفه بما وصف به نفسه، ودل الدليل عليه من سعة علمه، وتقدس ذاته وصفاته، وأنه لا يخفى عليه شيء، كان أو لم يكن، تقدم أو تأخر، فعلى هذا عولوا، ودعوا بنيات الطرق، والألفاظ المحدثة، وخذوا (٦) ذات اليمين، وهو ما كان عليه السلف المتقدمون من الصحابة والتابعين، وقد بينا ذلك كله، في كتب الأصول، وهذه إشارة إلى جملة نكته (٧)، عاصمة لكم في هذا الباب، قاصمة لظهورهم، وذلك أنا نقول: إن (٨) الفلاسفة على قسمين (٩): منهم من يقول: إن الباري لا يعلم إلا نفسه (١٠)، ومنهم من يقول: يعلم غيره (١١)، ويلزمهم أن يقولوا: إنه لا يعلم شيئا. وقد رأيت منهم من يقوله، فأما من يقول: إنه يعلم نفسه ولا يعلم غيره، فيقال لهم: قولكم: إنه لا يعلم غيره، ما تعنون به؟ أتريدون لاستحالة ذلك (١٢)، أو لأنه لم يتفق؟ فإن كان لا يعلم غيره، لاستحالة ذلك، فهو باطل قطعا، لأن من يعلم نفسه يعلم غيره، وإن كان لأنه لم يتفق ذلك، فالذي يوجبه (١٣) ذلك للعبد، عدم ارتباط كل واحد منهما بصاحبه، والموجودات كلها مرتبطة
_________________
(١) ج: عندي.
(٢) ج: تكرر على التفصيل.
(٣) ج: - على.
(٤) ب: يتكلم.
(٥) ج، ز: - لا نفيا ولا.
(٦) ج، ز: وجدوا.
(٧) ج، ز: جمل نكتية.
(٨) ج: - إن.
(٩) ز: كتب على الهامش: قف انقسام الفلاسفة إلى قسمين في علم الله.
(١٠) مثل أرسطو وأتباعه.
(١١) كابن سينا. (الغزالي، تهافت الفلاسفة، ص ١٨٠ - ١٨٢).
(١٢) ب: + فهو باطل.
(١٣) ج: تكرر: يوجبه.
[ ١٠٥ ]
بالأول، فكيف يعلم منها وأحدا غيره؟ هذا محال قطعا. وإن قالوا: إنه لا يعلم شيئا فذلك من أفسد دعوى، فإنها إذا كانت عنه أو بعضها، فكيف يكون عنه ومنه وبه، أو منه أو به أو عنه، وهو لا يعلم ذلك؟ وتصوره غير معقول.
وإن قالوا: إنه يعلمها جملة، ولا يعلمها تفصيلا، قلنا: إن كان لا يعلمها تفصيلا، فلا يعلمها أيضا جملة، لأن كل جملة لها تفصيل، يكون عنها مرتبا، أو فيها محكما، أو بها مولدا، فكيف (١) كانت عنه كذلك، ولا يعلم بها؟ و(٢) كيف كان عنه ما لم يعلم به، على وجهه؟ هذا لا يتصور.
فإن قيل: الإحاطة (٣) بها على التفصيل وهي لا تتناهى (٤) ولا يمكن تحصيلها، قلنا: [هذا الكلام بإطلاقه تلبيس، لأنه يقال لهم: قولكم: لا يمكن تحصيلها لمن] (٥)؟ آللذي كانت عنه أو لغيره؟ فإن قلتم لغيره قلت صدقتم، فإن الإنسان لا يدرك الأشياء كلها على التفصيل، لأنه (٦) ليس شيء منها عنه، وإنما يعلم منها ما علم، وكانت عنه، فمن ضرورة العالم، أن يعلم (٧) ما يكون عنه، ولا يستعظم علم ما لا يتناهى، كما لا يستعظم وجوده، وقدر الوجود مقرونا بالعلم، وقدره من غير تعلم، وبغير آفة تطرأ (٨) عليه، وبغير عدم يلحقه، أو يسبقه، ولم تجد له نظيرا، فلم يلف (٩) منك (١٠) نكيرا (١١). والإنسان على قصوره، يعلم ما كان، وما هو فيه، وما يكون باطراد العادة، كما (١٢) أخبر الصادق، أنها (١٣) لا تتغير وهو لم يجد (١٤) ذلك، ولا
_________________
(١) ج، ز: وكيف.
(٢) ب: - و.
(٣) ب: للإحاطة.
(٤) كذا في ب، ج، ز: ولعل الصواب إسقاط الواو.
(٥) ما بين الوقسين ساقط من ج.
(٦) ب: أنه.
(٧) ب: يعلمها.
(٨) ب: نظرا.
(٩) ب، ج، ز: يلق وصحح في هامش ز: يلف.
(١٠) ج، ز: مثل.
(١١) ج: تكبير. ز: تكبيرا.
(١٢) ب: لكني.
(١٣) ب: - أنها.
(١٤) ز: كتب على الهامش: عله: يوجد.
[ ١٠٦ ]
كان عنه. فقدر في الخالق المكون، قل بواسطة أو بغير واسطة، علم ذلك كله على الكمال، والقوم في قصور من المعرفة عظيم، وتخليط كثير.
وقد فاوضتهم في الأقطار والأمصار بنفسي (١)، و(٢) حضرت ذلك في مجالس الأيمة والجهابذة بالشام والعراق، فما أثبت الله لهم قدما، ولا رفع لهم قط علما. ولم يتكلموا على تقية إلا بغاية الحمية، وقوة الاعتقاد والنية، والله يعيذنا (٣) من حالهم، ويريهم وبال أمر مآلهم، بعزته (٤).
قال القاضي أبو بكر (٥) ﵁: وقد تقدم من ذكرنا لقولهم في المفردات والبسائط إشارة، أنبهكم فيها، على نكتة، فأوضت فيها عظماءهم، فاضطررت أكثرهم في النظر إلى أن يقول (٦): إن البسيط المطلق لا يتحقق إلا في القول. وذلك أني قلت له: الاسطقصات (٧) التي كان ينبغي أن يسكتوا عنها ما هي؟ فذكرها، قلت له: الماء بسيط أو مركب؟ ففكر وقدر وعلم ما ألزمته (٨)، فقال: مركب، قلت له: من الرطوبة والبرودة، قال: نعم، قلت: فالرطب المطلق مجردا، والبارد المطلق مجردا لا ينضاف إليهما شيء، ما هو؟ وحينئذ يتحقق لك البسط، قال لي: ذلك يكون في العدم، قلت له الله أكبر! العدم ليست له ذات، تخبر عنها بما يعقل فيها، وكذلك لو وضعت يدك معه في الأفلاك فلكا فلكا، اضطرتهم الأدلة إلى أن يقولوا: إن أحاد جميعها بسط (٩) في العدم، فزحل إلههم الأعظم، بارد يابس، فقد كان كل واحد منهما بسيطا، فمن جمع فيه الضدين؟ ومن ركب (١٠) المتناقضين؟ في الله! وللعقول التي ذهبت في تضليل!.
قال القاضي أبو بكر (١١) ﵁: وأما النظر معهم في الأيالة
_________________
(١) ز: كتب على الهامش: قف على مفاوضة الشيخ للفلاسفة.
(٢) ج: - و.
(٣) ج: يفيدنا.
(٤) نهاية ما سقط من د وهو نحو ورقة.
(٥) د: قال أبي.
(٦) ب، ج، ز: يقولوا.
(٧) د: الاستكسات.
(٨) د: ألزمه.
(٩) د: بسيط.
(١٠) ج: + فيه. ب، ز: + عليه.
(١١) د: قال أبي.
[ ١٠٧ ]
العائدة لمصلحة (١) العالم الخاص، من البدن، والعالم العام، الخلق، فهو قانون علقوه من الشرائع السالفة (٢) مبدلا، [و٤٠ أ] ورتبوه مشحونا سخافة وخللا، إذا قرأت لهم منه مسطورا، رأيته متهافتا منكورا، أخبرني الفقيه الطرطوشي (٣)، أخبرني الباجي (٤) أنه كان يوما في باجة (٥) أحمد بن هود (٦) ينتظر إذنه فجالسه ابنه الملقب بالمؤتمن (٧)، وكان يتفلسف وجاذبه ذيل الحديث، فقال له: هل قرأت أدب النفس لأفلاطون؟ قال له الباجي: إنما قرأت أدب النفس لمحمد بن عبد الله - ﷺ -. قال القاضي أبو بكر (٨) ﵁ (٩): الذي رأيت لأفلاطون زجر (١٠) النفس، وعني الباجي بقوله: أدب النفس لمحمد، ما تضمنت الشريعة من قرآن وسنة، في هداية السنن، وإيضاح السنن، والقوم كما ذكرنا لكم، إنما رتبوها مسارقة (١١) لقوانين الشرائع، مركبة على الشهوات
_________________
(١) د: بمصلحة.
(٢) د: السابقة.
(٣) الطرطوشي: من أعظم الفقهاء المالكية الذين أقاهوا بالإسكندرية تتلمذ على أبي الوليد الباجي الأندلسي وأبي بكر الشاشي، عرف بالزهد والتدين والمعارضة للفاطميين بمصر وألف كتاب "سراج الملوك" لأحد أمرائهم. توفي سنة ٥٢٠ هـ/ ١١٢٦م (العبر، ج٤ ص ٤٨)
(٤) الباجي: سليمان بن خلف أبو الوليد التجيبي القرطبي أصولي فقيه متلكم أخذ عن أبي جعفر السمناني، وأبي ذر الهروي. توفي سنة ٤٧٤ هـ/ ١٠٨٢م (العبر، ج ٣ ص ٢٨٠).
(٥) ج، ز: ناخة.
(٦) أحمد بن سليمان بن محمد بن هود من ملوك الطوائف توفي سنة ٤٧٥هـ/١٠٨٢ م.
(٧) المؤتمن يوسف بن أحمد تولي الملك بعد وفاة أبيه وكان مولعا بالعلوم الرياضية وصنف كتابا سماه "الاستكمال والمناظر" ويبدو أنه هو الذي اختصره موسى بن ميمون في كتابه: تهذيب الاستكمال. توفي سنة ٤٧٨ هـ/ ١٠٨٥ م (الأعلام للزركلي، ج ٩ ص ٣٨٤).
(٨) د: قال أبي.
(٩) د: - ﵁.
(١٠) ج، ز: رجز: - ويسمى الكتاب أيضا معاذلة النفس نسب إلى أفلاطون ونحل إليه، وأغلب الظن فيما يرى الباحثون أن هذه الرسالة ترجع إلى أثر من آثار الهرمسية، وكاتبها ذو اطلاع على الأفلاطونية المحدثة والغنوصية. وقد نشر هذه الرسالة الدكتور عبد الرحمن بدوي (الأفلاطونية المحدثة عند العرب، القاهرة، ١٩٥٥ م، ص ٥٣).
(١١) ب: مشارقة. ز: كتب على الهامش: عله مساوقة.
[ ١٠٨ ]
واللذات، مقرونة بمكارم حسبما تقتضيه الأهواء (١) وتميل إليه النفوس، من غير نظر في العواقب الصحيحة المفيدة، ولو كان على ما زعموا، لكان الخلق عبثا، ولما (٢) كانت الخلقة حكمة، بما رتب عليها في الحشر من العاقبة.